العالم في ظل الوباء التّاجِي “كوفيد 19″، أو “كورونا”، الطاهر المعز

مثلت “الإنفلونزا الإسبانية”، بنهاية الحرب العالمية الأولى، أشْرَسَ وباء حيث قتلت حوالي خمسين مليون شخص، على أقل تقدير، بسبب ظروف الحرب التي يَسّرت انتشار الوباء.

بنهاية سنة 2019، وبعد حوالي قَرن من الانفلونزا الإسبانية، تواجه البشرية الوباء التّاجي، أو “كورونا” أو “كوفيد 19″، وادّعت حكومات أوروبا وأمريكا الشمالية أن الفيروس صيني، ولكن حكومة الصين وكوريا الجنوبية تمكنت من محاصرة الوباء، بفضل إجراءات سريعة وشفافة، بينما انتظرت دول النصف الغربي من الكرة الأرضية، حوالي ثلاثة أشهر، لتتخذ إجراءات عمودية (أي أوامر وقرارات غير ديمقراطية)، ما أدّى إلى شَلِّ الحياة، فيما لم تتوفر أدوات الوقاية، من وسائل تنظيف وقُفازات وأَقْنِعَة، في معظم الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية، وارتفع ثمنها بمعدل عشر مرات، إلى عشرين مرة في السّوق الموازية، ويعسر حاليا تقدير وضع المساجين والأسْرى (وفي مقدمتهم أسرى قضية فلسطين)، كما يَعْسر تقدير الخسائر المادية، الفردية والجماعية، للعاملين وللفُقراء والمُهمّشين، وخسائر مختلف القطاعات الإقتصادية، بسبب منع التجوال وإغلاق الحدود، وإلغاء التجمعات وإيقاف وسائل النقل العام والمواصلات، وإعلان حالة الحبس المَنْزِلِي للمواطنين، بدل تطوير وسائل الوقاية، وبدل اتخاذ الاحتياطات الضرورية، مُبَكِّرًا، ومنذ البداية، لمنع انتشار الوباء…

شكل وباء “كورونا” فرصة ثمينة للمضاربين وتُجار الكوارث، في مختلف بلدان العالم، الذين استغلوا حالة الحصار وغياب الوقاية والإرْشاد الصحي، للمضاربة بمواد التنظيف والمعقّمات والكمامات والقفازات، ومجمل وسائل الوقاية التي وقع احتكارها، وغابت من الأسواق الرسمية، لتُباع في السوق الموازية بعشرة أضعاف سعرها الأصلي، في بلدان مختلفة من بنغلادش إلى إسبانيا، واستغلتها الشركات والمصارف لتغطية خسائرها (نتيجة المُضاربة) التي بلغت 17 تريليون دولارا، خلال أسابيع قليلة، في أسواق المال، بحسب صحيفة “فايننشال تايمز” (26/02/2020)، وللإستفادة من المال العام الذي جمعته الحكومات من ضرائب وقُوت الأُجراء والفقراء، …

أصدر البنك العالمي تقريرًا حديثًا بعنوان “الآفاق الاقتصادية العالمية”، وأشار التقرير إلى احتمال حدوث أزمة مالية عالمية، بسبب تراكم الدّيُون العالمية، خصوصًا منذ أزمة 2008، فوصلت إلى 185 تريليون دولارا، أو ما يُعادل 230% من الناتج العالمي، بنهاية سنة 2018، وتجاوزت قيمة الدين قيمة الناتج الإجمالي المحلي، في بعض البلدان، وبلغت ديون إيطاليا 134% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما قاربت قيمة ديون فرنسا وإسبانيا نسبة 100% من النتاج الإجمالي المحلي لكل منهما…

تُظْهِرُ هذه البيانات أن انتشار وباء “كوفيد 19” (كورونا) ليس سببًا، بل مُحركًا للأزمة، ويعتمد تقرير البنك العالمي على تباطؤ القطاعات الإنتاجية في أكبر اقتصادات العالم، ومنها الولايات المتحدة وأوروبا (ألمانيا وفرنسا وإيطاليا…) والصين واليابان والهند، بسبب سياسات خفض الإستثمار الحكومي، والتقشف في أوروبا، وخفض قيمة الرواتب والمعاشات، ما خفض حجم الإستهلاك، وأشارت صحيفة “واشنطن بوست” (18/03/2020) أن انتشار وباء “كورونا” عجَّلَ تدخُّلات معظم حكومات الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية في الأسواق، لفائدة الشركات والمصارف، في خطوة شبيهة بما حصل سنة 2008، وطلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الكونغرس إقرار مبلغ 850 مليار دولارا من المال العام، لدعم الشركات، فيما أشارت وكالة “رويترز” (18/03/2020) أن الإتحاد الأوروبي أقر مبدأ دعم الحكومات والشركات، فيما أقرّ المصرف المركزي الأوروبي خطة بقيمة 750 مليار يورو، لدعم بعض الشركات في مجالات صناعة السيارات (فولكسفاغن) والطائرات (إيرباص) والنقل الجوي “أليطاليا”، بالإضافة إلى المبالغ التي قد تخصصها الحكومات، بقيمة مُماثلة من المال العام (من الضرائب) لتمويل الشركات الخاصة، بدل استخدام المال العام في دعم التوظيف والإنتاج والصحة والتعليم والنقل العمومي والسكن، وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، ووزيرة الحرب السابقة في حكومة ألمانيا (أورسولا فون دير لايين) تخصيص أموال لشراء الديون العامة والخاصة، ولاحتواء التداعيات الاقتصادية لوباء “كورونا”.

يتوقع تقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) إن انكماش إنتاج الصين بنسبة 2% قد يتسبب بمضاعفات خطيرة على الإقتصاد العالمي، ومضاعفات سلبية على صناعة الأدوات الدقيقة والآلات ومعدات السيارات وأجهزة الاتصالات، لأن الصين أصبحت، منذ بداية القرن الواحد والعشرين، أكبر مصدِّر في العالم، والمزوّد الرئيسي للعديد من المنتجات وقطع الغيار للسيارات والهواتف المحمولة والمعدات الطبية، وغيرها.

تتوقع مراكز البحث والدراسات حدوث انكماش في الناتج المحلي الإجمالي لدول عديدة، وتَضَرُّر قطاعات النقل والسياحة والفنادق والمطاعم، والسينما والترفيه والتظاهرات الرياضية والفنية، وغيرها، ويقدِّر الاتحاد الدولي للنقل الجوي أن تنخفض إيرادات شركات النقل الجوي العالمي، سنة 2020، جراء انتشار وباء “كورونا”، بقيمة تتراوح بين 63 مليار دولار و113 مليار دولار…

أشارت دراسة نفذها باحثون من جامعة “هارفارد” الأمريكية إلى نتائج انهيار قطاع الرعاية الصحية، وإقصاء الفُقراء، وخفض الإنفاق على الوقاية، وخفض ميزانية الفحوصات المخبرية، وقدرت عدد الأمريكيين الذين يمكن أن يُصيبهم وباء “كوفيد 19” (كورونا)، بأكثر من خمسين مليون أمريكي، أو أكثر من 20% من السكان البالغين، خلال سنة ونصف، وفقًا لنسق الإصابات التي بلغت حوالي 14 ألف إصابة أدت إلى وفاة مائتَيْ مواطن، بحسب إحصائية وردت في برقية وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب 19/03/2020)، وقد يصل عدد المصابين إلى 150 مليون أو ما يعادل 60% من السكان البالغين، لأن المستشفيات الأمريكية غير قادرة على استقبال كافة المُصابين.

في روسيا، وخلافًا لحكومات أوروبا والولايات المتحدة، اتخذت الحكومة، منذ بداية ظهور وباء “كوفيد 19” في الصين التي لها حدود بَرّيّة بطول أكثر من 4200 كيلومتر مع روسيا، اجراءات صارمة لمواجهته، ضمن خطة تتضمن عدة فروع، ومن ضمنها المخاطر المتعلقة بسرعة انتشار الوباء عالمياً، ودرجات الحرارة المنخفضة شتاءً في روسيا، وكانت روسيا قد سارعت بخفض عدد الرحلات بين روسيا والصين، وبإغلاق حدودها البرية مع الصين، منذ نهاية سنة 2019، وأقرّت الحكومة إنشاءَ “مركز معلومات مراقبة فيروس كورونا”، وإلغاءَ تأشيرات دخول الأجانب، ووضْعَ قطاع الخدمات الصحية في حالة تأهب قصوى، وإغلاقَ مؤسسات التعليم حتى يوم 12 نيسان/ابريل 2020، والحدَّ من التجمّعات والتّظاهرات، وساهمتْ وسائل الإعلام في نشر عدد من المعلومات عن كيفية انتشار الوباء ووسائل تجنب الإصابة، وأهمية احترام شُرُوط “الحَجْر الصّحّي”، مع تسليط عُقوبات صارمة على المُخالفين، قد تصل إلى السجن خمس سنوات، ونَشرت صحيفة “كومرسانت” (18/03/2020) خبر ترحيل عشرات الطلبة الصينيين الذين خالَفُوا قواعد الحجر الصّحّي. من جهة أخرى، اتخذت الحكومة احتياطات لتعزيز الوقاية والحماية، عبر مساهمة مؤسسة “روسبوتريبنادزور”، ومراكز البحث، ومعهد أبحاث اللقاحات والأمْصال، في البحث عن اكتشاف لقاح، وكذلك عبر إنتاج ونشر مُعِدّات أدوات الفحص التي تُساعد على الكشف السّريع عن وجود الفيروس في جسم الإنسان،  وتعزيز احتياطيات البلاد من الأدوية والمعدات اللازمة، فيما تُعلن شركات المواد الإستهلاكية والغذائية عن حجم مخزوناتها من الغذاء ومن المواد الضرورية، بهدف الحد من الإحتكار، إلى جانب عمليات المراقبة الحكومية للأسعار، ما يُساعد على طمأنَة المواطنين…

في سوريا التي تعيش حالة عدوان مستمر منذ 2011، لم تُعلن وزارة الصحة عن وجود حالات إصابة بوباء “كوفيد 19” (كورونا)، رسميّاً، لكن الحكومة أقَرّت مجموعة من إجراءات الوقاية، من بينها حث السكان على خفض وتيرة تنقلاتهم، وإغلاق مؤسسات التعليم، والمقاهي والمطاعم والملاعب الرياضية…

هل تكفي هذه الإجراءات في ظل انهيار القطاع الصحي وكافة الخدمات، وفي ظل الحصار ونقص الغذاء والدّواء؟

ما يمكن قوله بشأن سوريا، ينطبق على الفلسطينيين، الواقعين تحت الإحتلال الصهيوني، وكذلك اللاجئين، والمُحاصَرين، وعلى مواطني اليمن وليبيا وربما السودان، وهي البلدان التي تعيش حالة حرب، وتفتقد إلى البنية التحتية والأدوية والمرافق الصحية…   

نجحت الدول التي نشرت إعلامًا جِدّيًّا وواضحًا، وقامت بحملات توعية، مع إجراءات الوقاية، في تطويق الوباء، كما حصل في الصين وكوريا الجنوبية وروسيا، خلافًا لما حصل في الدول الأوروبية التي تتشدّق حكوماتها بالديمقراطية، وتتواصل مع مواطنيها عبر أوامر وقرارات قَمْعِيّة، غير ناجعة، لأنها عمودية، من أعلى إلى فوق، ولأنها تتعامل مع المواطن باستعلاء، وتأخّرت حكومات هذه الدول في الإعتراف بخطورة الوَضْعِ، وفي اتخاذ قرارات فَوْقِيّة تمثلت في الحبس المنزلي، وفي توزيع المال العام على الشركات الكبرى والمصارف، كما حصل سنة 2008، فيما تفرض التقشف وخفض قيمة الرواتب والمعاشات وخصخصة المرافق العمومية وإلغاء الوظائف، ما يُبَيِّنُ أن حكومات أمريكا الشمالية وأوروبا تُمثّل مصالح أثرى الأثرياء، وتُدافع عن مصالحهم، بل تنهب المواطن، المُنتج والأَجِير والفقير، لتمويل الأثرياء مع إعفاء أصحاب الثروات من الضرائب، ومن المُساهمة في تمويل ميزانية الدّولة، وبدل فرض ضريبة خاصة على الثروات لمجابهة وباء “كوفيد 19″، يستفيد الأثرياء من الوباء لتزيد ثرواتهم…       

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.