بعض الدروس والإستخلاصات من انتشار وباء “كوفيد 19”: الأولوية لإنقاذ البشر أم لأرباح رأس المال؟ الطاهر المعز

 أدّى انتشار وباء “كوفيد 19” إلى إحداث تغيير جذري، سَلْبِي، في الحياة الإقتصادية والإجتماعية، وإلى تدمير العلاقات البشرية، وكل مقومات الحياة، كما أدّى إلى إبراز عجز الأنظمة القائمة عن الإهتمام بحياة الناس ومستقبلهم، حيث سمحت معظم الحكومات لنفسها بنهب المال العام، من أجل دَعْمِ الأثرياء وأرباب العمل، والمصارف، وأهملت العاملين والفُقراء، عبر إصدار أوامر فَوْقِية، دون الإهتمام بما تُحدِثُهُ هذه القرارات من تدمير الحياة…

أعلنت حكومة الصين خطة طوارئ وفرضت حجْرًا تامًّا وصارمًا، لكن الدولة تكفلت بتسليمُ الضرورات الحياتيّة إلى المنازل، ما جعل السّكّان يتجاوبون مع الحَجْر الصحي، في المقابل، انتهجت حكومة بريطانيا سياسة “مَلْتُوسِيّة”، أي ترك الطبيعة تفعل فعلها، فيصاب 60% من السّكّان بالفيروس (يتوقع أن لا تتجاوز الإصابات نسبة 50% من أفراد الشعب على أقصى تقدير)، يموت منهم كبار السن وذوي الوضع الصحي المتدهور، وتؤدي هذه السياسة (نظريا) إلى زيادة المناعة والمقاومة لدى الـ40% المتبقّية من الشعب، وتعزيز المناعة ضد الفيروس في حال عودته.

قررت حكومات الدول الأوروبية إغلاق الحدود من جديد، ولم تتضامن دول الإتحاد الأوروبي مع إيطاليا زمن الكوارث (كما تنص الوثيقة التّأسيسية)، بل وقَعَ التراجع عن اتفاقية “شنغن” (فَتْح الحدود بين 26 دولة أوروبية)، للحدّ من انتقال البشر (الطبقة العاملة)، ومن انتقال الفيروس، ما سينعكس على الإنتاجية، لكن حركة رأس المال والتّراكم مستمرّة، وقد يتراجع حجم التراكم، لكن الطبقة العاملة تتضرر كثيرًا وينخفض دخل أفرادها، بسبب إجراءات العزل والحجر الصحّي، كما يرتفع ثمن القيود على حركة السكان وعزلهمن في الدول الفقيرة، حيث يتراجع معدّل النّمو، وتنخفض صادراتها من المواد الأولية ومن الإنتاج الزراعي (القابل للتّلف) وينقطع الرزق عن حوالي 40% أو 50% من السكان البالغين، الذين يعملون في القطاع الموازي…

أقامت الولايات المتحدة الدّليل على وحْشية النظام الرأسمالي، وعلى الإنحطاط الإنساني والأخلاقي، حيث منعت دخول المواد الغذائية والأدوية والتجهيزات والطواقم الطبية والمساعدات إلى إيران، رغم تفشي وباء “كوفيد 19″، ورغم حكم لصالح إيران، صادر عن “محكمة العدل الدولية” في لاهاي (هولندا) يوم الثالث من تشرين الأول/أكتوبر 2018، بشأن دعوى إيرانية ضد العقوبات الأميركية، عقب انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، بل جَدّدت الحكومة الأمريكية تهديداتها، بنهاية شهر كانون الثاني/ يناير 2020، للشركات الأجنبية العاملة في المجال الطبي، في حال التعامل مع إيران، وفرضت عقوبات على تسع كيانات من الصين ومن جنوب إفريقيا، بسبب دعم جهود حكومة إيران في مكافحة وباء “كوفيد 19″، ولم تأبه حكومات كوبا والصين لهذه القرارات الأمريكية الأخيرة، وقدمت مساعدات لإيران، لمكافحة الوباء…

أعلنت كريستالينا جورجيفا، مديرة صندوق النقد الدولي، أنّ الصندوق يعتزم تقديم الدّعم (أي قُرُوض بفائدة) للبلدان المتضررة من الفيروس التّاجِي، شرط عدم وجودها على لائحة العقوبات الأميركية (إيران وفنزويلا وروسيا…)، لأن أمريكا تتحكم بسياسة الصندوق، وكتبت بعض وسائل الإعلام (مثل “واشنطن بوست” الأمريكية، يوم الثلاثاء 17/03/2020) أن الحكومة الأمريكية تعتبر انتشار الوباء في فنزويلا فَرصة لخَنْق النظام، ولتنصيب عُملائها في الحكم، ورفض الصندوق طلب القرض الذي تقدمت به حكومتا إيران وفنزويلا…

يتوقع بعض الباحثين (12 باحث ومفكّر) الذين نشرت صحيفة “فورين بوليسي” الأمريكية آراءهم، انغلاق العالم، وخفض النشاط الإقتصادي، وارتفاع خسائر أسهُم الشركات المُدرجة في أسواق المال العالمية، والتخلي عن فكرة “التّكامل الإقتصادي” (وهو عبارة عن إرساء علاقات متكافئة بين الدول، وبين مناطق العالم)، وزيادة عدم الإستقرار والتوتر بين الدّول، وتعزيز العقيدة الإنعزالية، وانحسار الإزدهار الإقتصادي، وكذلك الحُرِّيّات، بعد وباء “كوفيد 19″، لأن معظم الأنظمة سوف لن تتخلى عن السلطات “الإستثنائية” التي اتُّخِذت كإجراءات طارِئَة، تتطلب “انضباطًا عسكريا”، لا يعتمد على الحُجج والبراهين، لإقناع البشر، وإنما يتعلل الحُكّام ب”الظروف الخاصة” وب”ضرورة اتخاذ قرارات عاجلة”، ويحاول الحُكام دائمًا، عدم العودة إلى ما قبل “حالة الطّوارئ”، واستدامة الإستبداد، ما يُشكّل هزيمة لمبدأ التّشاور وللديمقراطية والتعددية، وهزيمة لخصخصة المرافق والرعاية الصحية.  

عمومًا استغلت كافة الحكومات انتشار وباء الفيروس التّاجي (كوفيد 19) لإقرار حالة الطوارئ، الشبيهة بالأحكام العُرْفية التي يُقرها الجيش، إثر كل انقلاب، وتُتَرْجَمُ حالة الطّوارئ بمزيد من القمع والرقابة المُشدّدة، وتعقّب المواطنين وتقييد حرية الحركة…

صرّحت “مادلين أولبريت” عندما كانت وزيرة خارجية الولايات المتحدة، خلال العقد الأخير من القرن العشرين: “إنّ الأمة الأميركية هي الأمة التي لا يمكن أن يستغنى عنها العالم”، وصرحت “هيلاري كلينتون”، وزيرة الخارجية، سنة 2012، خلال فترة حكم الرئيس باراك أوباما: “سوف يكون القرن الواحد والعشرون قرنًا أمريكيًّا” (أي لن يكون صينيا، ولن يكون متعدد الأقطاب، بل تحت هيمنة أمريكا دون شريك أو مُنازع)، لكن أظْهرت محنة انتشار وباء “كوفيد 19” (أو “كورونا”) أن الولايات المتحدة وأوروبا في حالة انحدار، مقابل صُعُود قوى أخرى، مثل الصين وروسيا، التي تتحالف مع خُصُوم الولايات المتحدة، مثل إيران وفنزويلا وكوريا الشمالية.    

تعاملت الدولة الصينية والمجتمع الصيني مع الوباء بجدّية، منذ البداية، عبر قرارات صارمة لكنها واضحة، ساهم الشعب الصيني في تنفيذها وتحقيق أهدافها، عبر التعبئة والانضباط لتعليمات الحكومة التي أعدت مُستشفى مُجَهّزًا بألف سرير، في فترة قياسية قصيرة، وفرضت حجرًا صحيا على أكثر من ستّين مليون مواطن، ونجحت مؤسسات الدولة والبلديات في تطهير وتعقيم كلّ الطرقات والمباني والمنازل، في المُدُن، وهي إجراءات مكلفة تتطلب نفقات باهظة، رفضت حكومات أوروبا وأمريكا الشمالية القيام بها، كما تكفلت الحكومة الصينية بتأمين الحاجيات الأساسية والضرورية للمواطنين، خلافًا للحكومات الأوروبية التي ركزت اهتمامها على التداعيات الإقتصادية، وأقَرّت تأمين الربح لرأس المال، فأقر المصرف المركزي الأوروبي مبلغ 750 مليار يورو (كدفعة أُولى) لدعم المصارف والشركات، وستخصص الحكومات مبلغا مماثلا، في مرحلة أولى، أما الولايات المتحدة فخصصت 1,2 تريليون دولارا، لدعم المصارف والشركات، مع إهمال حكومات أوروبا وأمريكا مشاغل وحاجات البشر، وتمكنت حكومة الصين، بفضل تلك الإجراءات، من محاصرة الوباء، وعدم تسجيل إصابات جديدة…      

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.