“كنعان” تتابع نشر كتاب “فلسفة المواجهة وراء القضبان”، تأليف: محمود فنون، الحلقة (6)

التغلب على المحقق

ان هذه العوامل التي قدمت كنموذج يمكن التغلب عليها ببساطة، وخاصة أن المناضل الذي يجري اعتقاله، سوف يجري تعذيبه في جميع الأحوال ، وان لم يكن من اللحظة الأولى أو اليوم الأول ، ففي الأيام التي تلي. وما دام المناضل يصر على حماية نفسه وانتمائه من الاجراءات التي تتمخض عن اعترافاته ، وما دام يتجنب ذكر أي معلومات مهما كانت طفيفة فإن مسألة التعذيب سوف لن تكون ذي بال لمكافح مسلح بالصبر والصلابة ، وجملة من المعارف البسيطة ، كمناضل أعد للكفاح اعداداً معقولاً.

ويجري التغلب على مسألة الانهيار والتعاون مع المحقق على النطاق العام بما يلي:

1- رفع درجة العضو المنتمي لعضوية المنظمة أو الحزب سياسياً وفكرياً واجتماعياً، وتعبئته ايديولوجيا بحيث يصبح مناضلاً نشطاً وصلباً وعقائدياً ، وهذا يجعله قطباً فاعلاً وصلباً وقوياً أمام رجال التحقيق.

2- إن عملية انتماء الأعضاء لا يمكن فصلها عن عملية اعدادهم وتربيتهم ، وأيضاً فإن صحة الأطروحات السياسية والأساسية ، والنضالية ، لا يمكن أن تنفصل عن عملية تعميق ايمان المناضل ، وربطه عضوياً بالنضال والكفاح بمختلف أشكاله. وكذلك فإن علو هيبة المنظمة النضالية في أعين المناضلين تجعل ارتباطهم بها أكثر تعمقاً بحيث يصعب على رجل التحقيق احداث هزة أو ثغرة في العلاقة بين المناضل ومنظمته أثناء عملية التحقيق.

 وهذا ضروري للرد على الحالات التي يتمكن فيها المحققون تشكيك ضحلي الانتماء بمنظماتهم وقادتهم من خلال ايهامهم بأن (قادتهم هم الذين وشوا بهم) ومن خلال عمليات المقارنة بين وضع المناضل في ظل ظروف التحقيق القاسية ، والمعاملة السيئة، بينما رفاقه أو قادته في أوضاع مريحة، وربما يتلهون في المقاهي أو يتنزهون في الحدائق؟!

إن رجل التحقيق لن ينجح في هذه الألاعيب إذا كان يواجه شخصاً واثقاً من أهداف وسياسة منظمته ، وواثقاً من رفاقه، وقانعاً بانتمائه.

3- تثقيف المناضلين بكل مجريات عمليات التحقيق ، وشرحها بتفصيل وعمق، وتبيان وضعيته جهاز التحقيق، والمناضل المعتقل عبر مراحل التحقيق المختلفة ، وتكرار هذا الشرح باستمرار مترافقاً مع التعبئة الضرورية من خلال التركيز على النماذج الصلبة التي تجاوزت التحقيق بنجاح تام كأمثلة ملهمة بوصفهم أناس مناضلين شقوا الدرب، وبوصفهم برهاناً ودليلاً على واقعية امكانية الصمود، وايلاء هذه المسألة ما تستحقها من اهتمام ومتابعة.

 مع ضرورة شرح الظروف العامة التي سبق وان كانت تعيشها فصائل المقاومة والتي أحاطت بحالات الاعتراف والانهيارات التي كانت تقع في مرحلة 67 وما تلاها، ومن ثم كيف أخذت حالات الاعتراف تتقلص. مع الإشارة أيضاً إلى النماذج الصلبة التي انتصرت على المحققين في السنوات الأولى للاحتلال وتجنب بالتالي المصير القاسي الذي واجهه المناضلون الذين اعترفوا والأضرار التي لحقت بهم وبمن اعترفوا عليهم، والأضرار التي لحقت بسمعتهم وسمعة الثورة على أيديهم.

ان متابعات كهذه قد أدت وسوف تؤدي إلى تقليص ملموس في حجم الانهيارات ، بحيث يصبح المعترفون في التحقيق حالات استثنائية ويصبح الصمود هو القانون.

 هذا اذا استمرت عمليات التثقيف والتعبئة بصبر، ومثابرة، وخاصة أن سلطات الاحتلال لن تصبر على الحركة الوطنية حتى تتمم استعداداتها بهذا الشأن ، وهذا يعني أن حالات معينة غير مهيأة بإعداد كافٍ في المراحل الأولى لحملة التعبئة قد تنهار جزئياً أو كلياً. مع التأكيد بأن الانهيار هو نوع من الخيانة الحزبية المخزية التي يرتكبها ليس عملاء محترفون بل أعضاء من الحزب أو المنظمة نفسها، وبالتالي معاملة المعترفين على هذا الأساس، وعدم إظهار أي احترام أو تقدير لهم.

4- اتخاذ الاجراءات العقابية ضد المنهارين المعترفين : ان عدم اتخاذ الاجراءات ضد المنهارين قد جعلهم ويجعلهم نماذج سيئة في أعين الآخرين إذا استمرت المنظمة أو الحزب في معاملتهم معاملة عادية ، بالاضافة إلى ابرازهم كأبطال سجون، وليس المقصود هنا تركهم لقمة سائغة في يد العدو، بل معاملتهم (وخاصة بعد خروجهم من السجن) بالاستناد إلى خلفية اعترافاتهم ودرجة صلابتهم. 

إن موقف فصائل الحركة الفلسطينية المائع، وغير العلمي من هذه المسألة أثّر تأثيراً سلبياً ومخزياً على مواقف المناضلين أثناء عملية التحقيق بحيث ظلت قضية الاعتراف في نظر العديد جداً من المناضلين المبتدئين على أنها مسألة مفروغ منها (كل من يعتقل يعترف) وسوى قلة قليلة أدركت المسألة بصورة أخرى.

إن رسم صورة صحيحة عن مجريات التحقيق مراحله وأطواره، وترسيخ موقف الصمود والصلابة، وادانة موقف الاعتراف (جزئياً أو كلياً) وترسيخ نهج ثابت لمعاملة المعترفين، ومعاملة الصامدين الأبطال سوف يجلي الموقف، وتزول مقولة (الكل يعترف تحت التعذيب) وتستبدل بمقولة (الكل يصمد في التحقيق، وربما انهار بعض الأفراد القلائل الذين يمكن تقليص خطرهم على المنظمة باتباع فنون خاصة في التنظيم).

حيث تبرز سمعة عامة ايجابية لصالح المنظمة (أعضاء هذه المنظمة لا يعترفون في التحقيق) وبالتالي تزداد طمأنينة الجماهير لهم، ويزداد الاقبال على خطهم السياسي، بينما تدان المنظمات التي تنهار باستمرار على أيدي رجال التحقيق وعلى أيدي أعضائها أنفسهم.

وباجمال شامل، فإن صياغة المنظمات وأبنيتها بطرق صحيحة، واعداد المناضلين سياسياً وتنظيمياً وايديولوجياً، وتمريسهم على كافة أشكال النضال بما يتلائم مع خصوصياتهم الفردية، ومستوى تطورهم، واطلاعهم على كافة أساليب العدو في مطاردة الثوريين  في شتى المجالات والمناسبات بما فيها ظروف التحقيق. سوف يسلح العضو بالصلابة الثورية الضرورية التي تجعله قطباً ثورياً قوياً أمام رجال التحقيق.

 فينتقل المناضل عبر مراحل التحقيق من دور ثانوي أمام قطب فاعل إلى دور أو قطب فاعل أمام قطب فاعل، وبالتالي إلى مرحلة الحسم التي يصل فيها المحقق إلى درجة اليأس وينتهي دوره بانتصار المناضل بما يقلص حجم الاعترافات والانهيارات والمعلومات التي يحصل عليها العدو إلى الحد الأدنى.

وبالمناسبة نذكر هنا شهادة الرفيق كاسترو عن الشيوعيين الكوبيين الذين وصفهم (برغم مواقفهم إلا أنهم مستعدون للموت، ولكنهم غير مستعدين للادلاء بأية معلومات، وأن صلابتهم في التحقيق هي نموذج يحتذى به) وفي ذهننا أيضاً عدد هائل من الأمثلة التي أطلعنا عليها الأدب السوفياتي الذي يتحدث عن الحرب العالمية الثانية وصمود الأبطال الشيوعيين كالجدار أمام العسف النازي الذي لم يكن يتوانى عن اطلاق الرصاص على كل من لا يبدي روح تعاون في مجال اعطاء المعلومات لمجرد وجود شكوك لدى السلطات النازية في انتمائه لعضوية الحزب الشيوعي السوفياتي.

وفي ذهننا أيضاً فشل سافاك الشاه بكل أساليبه العسفية التي كانت تصل لحد تحطيم الجسم وتشويهه في التحقيق ، دون أن تحصل عل شيء أمام صلابة وصمود الأبطال الثوريين الايرانيين ، فحال صمودهم دون انهيار الثورة وظلوا ولا يزالوا شديدي الفاعلية. وأقرب إلى ذهننا نماذج الوطنيين الفلسطينين إبّان الاحتلال البريطاني وعسفه في التحقيق، حيث كان يشوي المناضلين على الصاجات المحماة، ولا ينبسون ببنت شفة. وكذلك عسف التحقيق الأردني الذي استخدم الأساليب البريطانية وأضاف عليها.

أناس بسطاء، ومناضلين، وثوريين مؤهلين ، تلك النماذج التي صمدت لتعذيب متواصل استمر عشرة أيام متتالية دون أدنى استراحة، وجولات شبيهة لاحقة وهجمات من شتى الأشكال كلها تحطمت على صخرة صمود الأبطال.

 في سنة 69، اعتقلت سلطات الاحتلال حوالي 25 مواطناً من قرية يطا ليس بينهم متعلم واحد وأجرت معهم كل أشكال التعذيب القاسي في ذلك الوقت، وخرج جميعهم من التحقيق دون إدانة مع أن التهم التي وجهت لهم ثابتة عليهم وفيها أسلحة وعمليات عسكرية أي شديدة الخطورة والحساسية بالنسبة للاحتلال. وما لا يقل عن 1500 مواطن بين سنوات 68 – 70 أودعوا بالسجن الإداري بسبب ثبوت تهم خطيرة ضدهم، ولم تستطيع السلطات محاكمتهم لأنهم لم يعترفوا بشيء رغم قسوة وشراسة التحقيق.

وفي تجربة الاعتقال الفلسطيني فقد اعترف (سليم) على (حسن) بأنه اشترك معه في عملية مسلحة وأن لديه أسلحة وأموال تخص الثورة، أما (حسن) فقد أصر على الإنكار حتى نهاية التحقيق. وفي النهاية حوكم سليم بالسجن المؤبد، ونسف بيته، أما حسن فقد أودع بالسجن الإداري ولم يدل بأي معلومات عن نفسه وبالتالي لم يدل بأي معلومات عن علاقاته وارتباطاته وظل مصراً على موقفه يتلقى أشكال التعذيب بالعصي، والماء البارد والساخن، والكهرباء، وأساليب الاقناع والاغراء، والمواجهة بينه وبين سليم، ولكن كبرياؤه كانت أكبر وشرفه الوطني كان أعظم.

ان تحرر المناضلين من الوهم القائل بحتمية الاعتراف في مراحل التحقيق (هذا الوهم الزائف) سيمكن أبسط المناضلين وأقلهم خبرة ودراية بالحياة ، وأضعفهم بنية، من الصمود والانتصار على رجال التحقيق، وبالتالي اضافة تأكيد جديد على عدم صحة هذا الوهم.

فالعدو أثناء التحقيق ينشر جملة من الاشاعات، ويقوم بعملية تعبئة متواصلة للمناضل قيد التحقيق، بأن (الصمود مستحيل، وأن الجميع هنا يعترفون، لن تختلف عن السابقين الذين وضعوا كل ما لديهم بالعنف أو باللين، تكلم أحسن واستريح…) خالقاً بذلك وهماً معقولاُ مرتكزاً في بعض الحالات على أمثلة ونماذج منهارة محاولاً خلق تبرير وهمي أمام المناضل ووضعه في حالة (ما دام الجميع تكلموا، سأتكلم) بحيث يربط المناضل نفسه لا بالنماذج الثورية بل بالنماذج المنحطة، وكأن حقيقة، أو وهم ان فلان اعترف، كافية لدفع الآخر ليحذو حذوه.

 وهذا عادة أسلوب لا ينجح إلا في حالات نادرة، حيث يحصل لدى العديد من المناضلين موقف عكسي تماماً فحينما يميل أحد المناضلين إلى تصديق المخابرات بأن غيره قد اعترف، تنشأ لديه ردة فعل قوية بأن يصمد ويحاول انقاذ ما يمكن انقاذه ، ويتخذ من أبطال معروفين نموذجاً ورمزاً له.

وعليه فإن إعداد الأعضاء ، إعداداً كافياً ، وتفسير حالات الاعترافات التي تمت في الماضي تفسيراً علمياً لهم (بدلاً من التبرير السخيف القائل بأنهم اعترفوا لأن التحقيق قاسٍ، وكأن هناك تحقيقاً غير قاس) وتقديم النماذج الصلبة كأدلة أمامهم سوف يمكنهم من نبذ هذا الوهم الزائف ويحررهم من أحابيل التحقيق والوقوع في براثنها الخطيرة.

ان المحقق الذي يلجأ لايهام المعتقل بأن الاعتراف آتٍ لا محالة، وأن الصمود مستحيل، والذي يباشر في تعبئة من هذا النوع مستنداً إلى بعض الوقائع ، يسعى لايهام المعتقل نفسه بأنه سيعترف أولاً وأخيراً ويضعه أمام سؤال صغير وبسيط ولكنه على غاية من الأهمية (أأعترف أم لا).

 هذه الحالة التي يسعى المحقق جاهداً وبكل أساليب التعذيب والتضليل لخلقها على أنها درجة من زحزحة المناضل عن موقفه الأول (لن أعترف مهما كان الثمن ومهما كانت التضحية)، هذه الحالة يستغلها المحقق عندما يدرك أنها أخذت تجول في نفس المناضل ليعززها لأطول فترة ممكنة بأقوال وأفعال وتعذيب واغراءات وخيالات وغير ذلك إلى أن يعترف المناضل أو يدرك المحقق أنه حسم الموقف مرة ثانية (لن أعترف). وهذه الحالة شبيهة بحالة خلق التعاون المباشر انطلاقاً من أسئلة وأجوبة ونقاشات غير مباشرة، وبعيدة عن جوهر التهم التي يجري التحقيق حولها.

إن التعاون مع المحققين يبدأ من أتفه الأشياء (سواء تطور هذا التعاون أو انقطع) هذه الأشياء التي قد لا يكون لها أية صلة مباشرة بالمعلومات التي لدى المناضل، ومن ثم يبدأ رجل التحقيق في تعزيز هذا التعاون وتطويره، وتحويله خطوة فخطوة عبر أساليب من الخداع والتعذيب إلى تعاون ذو علاقة مباشرة بالمعلومات والاخبار والمعارف التي لدى المناضل.

وهكذا فإن أي شكل من أشكال التعاون مع المحقق يعتبر خطوة لا بد من الخلاص منها لافشال أساليب التحقيق وتوصيله إلى إحدى قناعتين: إما أن المناضل هذا بريء تماماً، أو أنه لن يتكلم أبداً.

 وفي هذا نهاية التحقيق بانتصار المناضل انتصاراً حاسماً يحطم معنوية رجل التحقيق ويشككه في قدراته، أو يشغل نفسه بالتحقيق مع آخرين أو يشغل نفسه بأشياء أخرى.

إن نظرة مقارنة بسيطة يجريها المناضل بين أن يكون منهاراً ومتعاوناً مع رجال التحقيق وبين أن يكون صلباً وصامداً ويصنع من نفسه بطلاً خلال تجربة قاسية، إن نظرة كهذه تكفي لأن تعزز صموده، وتجعله أكثر عناداً من كل رجال المخابرات ، وبالتالي سيد الموقف.

ويجدر بنا أن نلاحظ أن جل اهتمام رجال التحقيق عبر الأساليب المختلفة تنصب على هدف خلق جو التعاون، والأخذ والعطاء، ودرجة من الانسجام في المواقف مهما كانت طفيفة وفي أي مجال كان، كمقدمة لا بد منها، وأنه دون أن ينجح في هذا الهدف لا يمكنه أن يحصل على بغيته، وهذا ما يحدد منطلقه الأساسي لاستخدام أي من الأساليب التي بين يديه وأي منهما يستخدمه بعد أو قبل أو مع، وكم من الوقت سيستمر في استخدام هذا الأسلوب أو ذاك.

 وبالمقابل فجل اهتمام المناضل السياسي، أن تنتهي فترة التحقيق مهما طالت، ومهما كانت قسوتها دون أن يتعاون بأي شيء مع رجل التحقيق، دون أن يقدم له أية معلومات، غير متلفتاً لما يحدث بجسده من آثار التعذيب والتشويه التي غالباً ما تزول في الأسابيع الأولى التي تلي عملية التحقيق، والتي وإن لم تزل – كما حصل في بعض النماذج لا تساوي شيئاً أمام صموده وحماية حزبه وقضية شعبه.

وعبر هذا التضاد العنيف بين الهدفين الذي يتجسد من خلال قطبي الصراع وسلوكهم، وفعلهم، وردود أفعالهم، وبين عقائديتهم المتضادة، واعدادهم لخوض المعركة، يأخذ رجل التحقيق الدور القيادي الأول بيده على الأقل في البداية

ويأخذ في الانتقال من شكل إلى آخر، ومن أسلوب إلى آخر، مرتدياً هذا المظهر أو ذاك (كأن يظهر بمظهر المجرم، السفاح، أو الناجح الواثق من نفسه والذي لم يخرج من بين يديه ولا واحد دون أن يبيع بضاعته. وربما تواجد أكثر من رجل تحقيق في آن واحد، فيظهر كل شخص بمظهر من المظاهر – ضابط كبير جنرال، متعلم مثقف ولطيف، لا يحب الظلم ولا القسوة، وهمجي وقاسٍ جداً، عالم نفس خبير وعارف بالخفايا) كل ذلك حتى تتم التهيأة لخلق جو لبداية تعاون مع إحدى هذه الأنماط من الشخصيات أو بعضها.

 فحالة التعاون هي المطلوبة ، لأنها المناخ الملائم لنمو جرثومة التساقط، وفي سبيل ذلك لا بأس أن يتجاوز المحقق عن أي قضية يحقق بها إذا لاحظ صمود وعناد المناضل ازاءها، متجنباً بذلك أية مسألة أو أية خطوة تتعارض مع هدفه مهما كانت مهمة ليعود لها فيما بعد إذ وصل المعتقل لحالة السقوط في فخ الاعتراف.

 وإذ تنبه المناضل لسرعة حركة المحقق، واستعداده للتنازل عن نقطة معينة يحقق بها (دعنا من هذه المسألة فهي غير مهمة حتى ولو اعترفت بها، ولننتقل إلى مسألة كذا…) إذا لاحظ المعتقل ذلك فمن السهل عليه أن يدرك الهدف ويفوته بنجاح تاركاً المحقق يبحث في قاموس رأسه وخبراته عن طرائق أخرى. ان المحقق الذي يتجاوز مسألة معينة تتعارض مع هدفه في خلق جو التعاون سيعود لها إذا سنحت الفرصة، ولن يعود لها أبداً إذا استمر صمود المناضل الا في المرحلة النهائية من التحقيق، مرحلة (يجرب للمرة الأخيرة، كتصفية واغلاق ملف) من خلال بضع أسئلة عابرة.

إن عملية الصراع بين هدفين، بين قطبين تمكن المحقق في البداية من أن يلعب أدواره بقدر كبير من الحرية والانتقائية وفقاً لخطة مسبقة مرسومة أو مطورة بعد المقابلات الأولى، فيتعامل مع المعتقل من موقع القوي القادر.ويستخدم هذه الميزة عملياً بإخضاع المعتقل لشروط حياة التحقيق عامة، واستخدام التعذيب. ولكنه يتعامل بآفاق علمية مستخدمة بشكل متكرر ومجربة، ومفهومة تماماً بالنسبة للمحقق، وهو قادر على صبغ ممارساته بصبغة علمية مهما كانت بدائية وعادية وإظهار نفسه بأنه عالم نفس (لما لعالم النفس من منزلة مهولة في نفسية الإنسان العادي قادر على معرفة كل شيء من تقاطيع الوجه ، أو ردود الفعل الانعكاسات).

 وهو يظهر بوصفه الضابط القادر على كل شيء ، قادر على استخدام شتى أنواع التعذيب ، وقادر على الكف عن أية إهانة، قادر على ابقاء المناضل في التحقيق قدر ما يشاء، وانهاء التحقيق معه فوراً والافراج عنه، أو ايداعه السجن أي مدة يشاء، وأنه هو الذي يطعم أو يمنح الطعام والشراب والتدخين وهو قادر على الشبح والتعليق، وربما وهب الحياة أوقبضها وغير ذلك من هذه المحاولات التي إن انساق وراءها المناضل وقع في الهاوية، وإن أدركها وأدرك مغزاها تمكن من تجاوزها بصبره وصموده ووعيه، ونجا.

 إن المحقق يهدف بذلك لايهام المعتقل بأن إرضاءه هو الضمان من كل هذه الشرور، بل هو الخير العميم. هذا من وجهة نظر المحقق. أما المعتقل فهو يلعب دوره بصورتين فقط: إما أنه بريء ولا يعرف شيئاً، أو أنه في جميع الأحوال مصمم على عدم قول أي شيء مهما كانت الأساليب المتبعة ومهما كانت النتائج. هذا مع العلم أن المعتقل بإمكانه أن يصر على الإنكار وعدم إعطاء أية شيء مهما كانت الأساليب ومهما كانت الأدلة المقدمة ضده دامغة أو معقولة أو واقعية، بما فيها المواجهات والشهادة وجهاً لوجه (عندما يتبرع معتقل لجهله، أو لأنه منهار بالإدلاء بشهادة على زميل له مواجهة، أو عندما يوضع جاسوس في زنزانة المعتقل ويسترق منه بعض المعلومات ثم يواجهه فيها أمام المحقق).

 فإذا ما وضع المناضل نفسه في مكانته الصحيحة، كقطب مناقض ومعاد لرجل التحقيق، يخوض معه صراعاً ذا أبعاد عقائدية وأرضية وطنية أو طبقية، فإنه سينتصر حتماً ويسخر من كل الأساليب والأدلة، ويسخر من وهم الانهيار، ويرفض كل “منح وعطايا” الجلاد وبالتالي يضرب مثالاً ثورياً في البطولة ولا يخون زملائه المناضلين الذين يمثلون طليعة الشعب والذين يكافحون من أجل الحرية والمبادئ السامية من أجل تحرير الشعب والوطن.

 ذكر آنفاً أنه في حيثيات التحقيق ومداخلاته يسعى المحقق لخلق حالة من التعاون والاستجابة بينه وبين المعتقل – وبدون هذا يستحيل الوصول للاعتراف – وبالتالي أن هدف شتى الوسائل النفسية والعصبية تنحصر في تهيأة المعتقل للتفسخ الداخلي، حالة إمكانية خلق التعاون، وان الجلاد يبتعد عن القضايا التي يلاحظ أن استمرار طرقها من شأنه أن يخرج المناضل من الجو المقصود، واستطراداً فإن المحقق الذي من ضمن محاولاته اصدار أوامر عادية في جو ارهابي مثل (اجلس على الكرسي، انهض لماذا انت جالس يا حمار، اخلع ملابسك، البس ملابسك، اجلس على الأرض، تشقلب على رأسك بجانب الجدار وغير ذلك… ) يهدف الى دمج المعتقل في الموقف. واذا ما رفض المعتقل الانصياع لهذه الأوامر فإنه يضع المحقق في امتحان صعب وتهتز الأدوار، وحينها سيسعى المحقق لاخضاع المعتقل لأوامره – علماً بأنها ليست لها دلالة مباشرة على المعلومات المطلوبة – ولكنه يريد الدخول في معركة اخضاع ان نجح فيها فسيستخدمها لأهداف أخرى. ولذلك ليس غريباً أن يقضي المحقق ربع ساعة أو نصف ساعة وربما اكثر في محاولة للضغط على المعتقل ليقول (أنا كذاب، أو أنا حمار، أو حتى يضغط عليه ليشرب ماء، وربما ليدخن سيجارة) و يستعمل الضرب والصراخ واللكمات  وكل ما بين يديه ليرغم المعتقل على الطاعة.

واذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الضرب واقع لا محالة في معظم مراحل التحقيق أو بدون حجج، فإن المناضل الواعي الذي يدرك أبعاد ممارسات المحقق، سيصر على رفض تقبل الأوامر من هذا النوع وإذا أصر فإن المحقق لن يرجع لها ثانية الا في سبيل التجربة أو التأكد من ثبات الموقف. وإن عاد فليس صعباً على المعتقل أن يدرك أنه صاحب الموقف الأقوى في هذه المرحلة.

إن ترديد العبارات وراء المحقق أو الانصياع لأوامره عبارة عن موقف هادف إما للإذلال وإضعاف النفسية ، أو خلق جو أكثر ملائمة للتحقيق ، وقد دفع الرفيق شهدي عطية حياته ثمناً لموقف كهذا في السجون المصرية حينما أصر عليه الجلادون ليقول أنا (مرة) وأصر هو بصلابة الشيوعي الثوري على الرفض، وظلوا يضربوه حتى استشهد بطلاً لن ينساه التاريخ.

 قد تكون أوامر رجل التحقيق مجرد طلب السكوت أثناء حديثه – بصفته هو ضابطا ، كنوع من التعالي وتركه يصب حممه السامة من تعبوية وتشكيكية، وإرهابية على المعتقل ظناً أنه ينصاع ويحسن الاستماع ويرفض أن تجري أي مقاطعة حتى ولو كانت لصالحه لسببين:    1- فرض الطاعة  2- التشويش على أفكار المعتقل وتركه عرضة للتشتت الذهني ومتابعة الأفكار المتناقضة المطروحة لشل فاعلياته الفكرية ومن ثم الهجوم عليه بما هو مخفي أو لدفع المعتقل للانسجام مع حديثه والتساؤل الداخلي حوله ( قد يكون صحيحاً أن أصحابي هم الذين وشوا بي…) وبالتالي يدرك المحقق الحالة نفسية المعتملة في المعتقل ويتفاعل معها بما يراه مناسباً.

واذا ما تفهم المعتقل هذه المناورات و رفض الانصياع وأصر على مقاطعة المحقق (أو على الأقل عدم الانتباه لما يقوله) فإن المحقق سيفشل في طرح ما يريد ، وإذا لاحظ أن المعتقل غير متنبه فإنه يحاول أن ينبهه لصالح اللعبة، وإذا دمر المعتقل هذه الخطط فان المحقق سيكشف عن شخصيته الحقيقية، شخصية الجلاد ويستأنف الضرب كأمر طبيعي، و بعد الجولة يضطر لاعادته الزنزانة.

 وبعكس الأوامر، يلجأ المحقق لوضع المعتقل في حالة ما ، تظهر له فيها بعض الاحتياجات فيحرمه من السجاير أو الماء، لا يسمح له الذهاب الى دورة المياه… حتى يبدأ المناضل بالمطالبة وهنا تبدأ المساومة : قل كل ما عندك وأنا أعطيك سيجارة بل علبة سجاير كاملة! – لا بأس عشر سنوات سجن وعدد من الرفاق وكمية من الأسرار بسيجارة- ؟! قد يكون الموت أفضل من هذه التجارة بمئات المرات.

إن الامتناع عن طاعه الأوامر، والامتناع عن المطالبة بالاحتياجات البسيطة حتى ولا شربة الماء هي أسلحة قوية أقوى بكثير من الحرمان منها، وحتى أقوى من أشد الأساليب الفاشية المتبعة، فالمناضل لن يموت عطشاً فهم بأنفسهم سيقدمون له الماء عندما يشعرون بحاجته اليه، بل إنهم سيتحولون الى لطفاء ومعاتبين له لأنه وصل الى هذه الحالة دون أن يطلب الماء وفي نفس الوقت ستتفاعل في أنفسهم الهواجس بأنه مستعد للموت ولكن لن يقول شيئاً ولن يطلب شيئاً.

وقد يلجأ المحقق لاستخدام الحديث الاستنكاري كأن يقول أنا عارف ومتأكد 100% انك غير منظم، وإنك رفضت التنظيم، و انك لم توافق على نقل كذا…، أو الاجتماع مع فلان…، وهو يستغل فرصة مواتية لدفع هذه الألفاظ بعد مقدمات حتى يقع المعتقل على رأسه فوراً: لأنه إما  أن ينظر للمسألة على أنها بسيطة، أو قد ينساق ويعطي ولو كلمة بسيطة كأن يقول نعم (رفضت التنظيم) وهذا يعني أن أحداً عرض عليه التنظيم. فمن هو؟ ولماذا عرض عليه؟ وإن قال (رفضت اعمل كذا) إذن من الذي عرض، وأين؟ وفي أي ظروف وهذا معناه أن تصنف الوقائع.

 وهذه بداية الاعتراف وقد وقع عدد من السذج في هذا الشرك ولكن النجاة منه ليس بالأمر العسير ولا يحتاج إلى كثير من الذكاء، ولا حتى صمود ولا تضحيات تذكر، فإما عدم الإجابه والاستجابة، وإما القول (ان أحداً لم يعرض علي شيئاً) أو يغير اتجاه الحديث. ومن الأنسب ان لا يدع المحقق يتم حديثه في هذا الصدد واغلاق الطريق عليه كلياً. وعندما يتمكن المناضل من تفويت فرصة كهذه يكون في نفس الوقت قد انتصر انتصاراً مشجعاً على تجاوز وتفويت فرص أخرى.

ان تحطيم محاولات رجل التحقيق لخلق جو من التعاون من البداية سوف يدفع رجل التحقيق لتغيير أسلوبه باستمرار، مما يشعره باستنزاف طاقته وجعبته. وهذا يعني ان المناضل الصامد قد بدأ يأخذ زمام المبادرة وأخذ دوره في عملية الصراع يطغي شيئاً فشيئاً على دور رجل التحقيق. واذا ما دعم هذا باظهار الاستخفاف بالجلاد وبعض المواقف والعبارات التي تدلل على صلابة واستخفافه بالتحقيق وعدم جدواه فإن نفسية ومعنوية رجل التحقيق سوف تهتز وتتضعضع مما يدفعه الى انهاء التحقيق والخلاص منه – بصفته موظفاً

  وحتى لو جرى استبداله بمحقق آخر فإن تقارير المحقق السابق ستضعف من عزيمته مهما حاول الظهور بمظهر المنقذ للتحقيق، وخاصة اذا لمس نفس الاصرار والصمود من المناضل، ولم يمض وقت طويل حتى يعلن هزيمته لرؤسائه بشكل من الأشكال، محاولاً مداراة فشله بطريقة من الطرق سوف تكون حتماً لصالح المناضل.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.