الطاهر المعز:

(1) الطبقة العاملة في ظل انتشار وباء “كوفيد 19”: بعض تجارب ونجاحات وإخفاقات النقابات العُمّالية

(2) أمريكا- الإجماع المُقدّس لإنقاذ الرأسمالية

● ● ●

(1)

الطبقة العاملة في ظل انتشار وباء “كوفيد 19”

بعض تجارب ونجاحات وإخفاقات النقابات العُمّالية

سبب الفيروس التاجي، وانتشار الوباء “كوفيد 19” أزمة صحية، وأزمة اقتصادية عميقة، أضَرّت بمصالح الطبقة العاملة، واستغلت الرأسمالية الوضع، بسرعة فائقة، بدعم من الحكومات، في معظم دول العالم، ما أدّى إلى تسريح ملايين العُمّال في العالم الذين خسروا وظائفهم، ومصدر رزقهم (الراتب)، وأصبحوا عاطلين عن العمل، بشكل صريح، أو بأشكال مُقَنّعَة ومُلتوِية، بذريعة انخفاض الطلب والإستهلاك، وبالتالي انخفاض نشاط كافة القطاعات الإقتصادية، ولم تكن النقابات مستعدة، ومُهيّأة للتّكيّف مع الوضع وتنفيذ خطط ناجعة للدفاع عن مصالح الأُجَراء، كما لم تكن الأحزاب والمجموعات السياسية والهيئات الإجتماعية قادرة على مجاراة النسق السّريع لزيادة تدهور الوضع، وهي غير قادرة على تنظيم عملية المُقاومة والدّفاع عن مصالح العُمال، وتنسيق التضامن الإجتماعي (المُجْتَمَعي).

أما من واصلوا العمل، في المتاجر ومؤسسات الرعاية الصحية، وتأمين تنظيف الشوارع والمُحيط، وتأمين إيصال السلع، وغير ذلك، فإنهم يعملون في ظروف محفوفة بالمخاطر، ويفتقدون للكَمّامات وأدوات الوقاية والتّعْقِيم، ولم تتمكن النقابات من تأمين الحد الأدنى من الوقاية والحماية للعاملين، إذ استغلت الحكومات الوضع بسرعة لتُلْغِيَ أو لِتُعَطِّلَ القوانين الإعتيادية (وهي ليست في صالحنا أصْلاً) وتستبدلها بقوانين استثنائية، تُعلِّق الحقوق الفردية والجَمْعِيّة، وتُطلق العنان لقوات الشرطة والجيش، لتكثيف مراقبة المواطنين واعتقالهم وتغريمهم، ومَنْعِهِم من الحركة، وإخضاعهم لقوانين استثنائية، ولحَظْر التّجوال، والتّجمّع والتظاهر، في حين لم تُولي هذه الحكومات اهتمامًا لتوفير تجهيزات الإختبار والوقاية والمُطَهِّرات والمُعقّمات، وتجهيز المستشفيات لاستقبال المُصابين…

تُشَغّل شركة “بريدغستون” اليابانية لإطارات السيارات، نحو ثمانية آلاف شخص في مصانعها الأوروبية، وأوقفت الإنتاج، منذ انتشار وباء “كوفيد 19″، في مصانع فرنسا وإيطاليا، وخفضت وتيرة العمل في بلجيكا والمجر وبولندا وإسبانيا، وفي نفس القطاع، أوقفت شركة “ميشلان” العابرة للقارات (ذات المَنْشَأ الفرنسي) مواقع صنع الإطارات في أمريكا الشمالية، لفترة أسبوعين، ثم وقع تمديدها لفترة غير مُحدّدة، في كندا والولايات المتحدة وأوروبا، كما أغلقت شركة “غوديير” جميع مواقع تصنيع الإطارات الخاصة بها، وتوقف حوالي ثلاثين ألف عامل عن العمل، في أوروبا وأمريكا الشمالية، ويتهدد عمال شركة “كونتيننتال” الألمانية، التي توظف حوالي ثمانية آلاف عامل في أوروبا وفي الولايات المتحدة، وعمال شركة “بيرلّلي” الإيطالية (سبعة آلاف عامل في أوروبا)، نفس المصير، بذريعة “حماية العاملين من الوباء التّاجي، كورونا”، بينما أعادت بعض هذه الشركات العمل في المصانع التي تمتلكها في الصين، بعد حصر انتشار الوباء، وعودة الحياة تدريجيا وبحذر في العديد من المُقاطعات الصينية…

من يحمي العُمال الذين تم تسريحهم، بشكل نهائي أو مؤقت، ومن سوف يُسدد الفارق في الرواتب، ومن يحمي العُمال الذي يواصلون العمل في ظروف صعبة، تحت الضّغط المُستمر…

في بريطانيا، اعترضت نقابة “يونيت” على إغلاق مصانع الصّلب، وفاوضت أرباب العمل، مع الإستعداد لتهديد احتلال المصانع، ونجحت في ضمان تسديد رواتب العُمال كاملة، خلال الفترة من 27 آذار/مارس إلى 13 نيسان/ابريل 2020، وحاولت بعض النقابات ضمان الدخل الكامل للعاملين، طيلة فترة “الأزمة الصّحّيّة”، لأن ضمان وحماية صحة العاملين والمواطنين، من مسؤولية أرباب العمل والدّولة…

في إيطاليا، أضرب عمال المعادن في إيطاليا، ثماني ساعات، يوم الإربعاء 25 آذار/مارس 2020، بمبادرة من ثلاث نقابات، في منطقة “لومباردي”، شمال إيطاليا، وهي المنطقة الأكثر تضرُّرًا من انتشار وباء “كوفيد 19″، وبلغت معدلات المُشاركة في الإضراب، ما بين 60% و 90% من العاملين، في جميع محافظات المنطقة، احتجاجًا على الإجراءات المُطبقة، والتي تُجبر العمال على العمل في ظروف سيئة، وبدون حماية صحية…

أدى الإضراب إلى مفاوضات بين ثلاث اتحادات نقابية إيطالية، والحكومة، وتمكنت النقابات من إعادة تعريف “الأنشطة الإنتاجية الأساسية” المصرح لها بالعمل خلال الأزمة الصحية، واضطرت الحكومة، تحت ضغط الإضراب، لإصدار قرار جديد (25 آذار/مارس 2020)، وإلغاء مرسوم يوم 22 آذار/مارس 2020، الذي يُعَرّضُ حياة العاملين للخطر، من أجل مواصلة الإنتاج بدون توفير الحماية ووسائل الوقاية للعمال، وشجعت النتائج الإيجابية النقابات والعاملين في مناطق أخرى من البلاد، وفي بلدان أوروبية أخرى، للتمرد على القرارات الحكومية الفَوْقِية، التي تُراعي مصالح رأس المال، وتستهتر بحياة وصحة ومصالح العُمّال.

تُطالب اتحادات النقابات في إيطاليا، باتخاذ إجراءات ناجعة لاحتواء مخاطر العدوى، وتقليل إمكانية الإحتكاك بين الأشخاص، وتوفير متطلبات الصحة والسلامة وإيقاف أنشطة الإنتاج غير الضروري، لمدة عشرة أيام، مع ضمان رواتب العاملين، وحماية صحة وسلامة جميع العمال الذين يواصلون العمل ويقدمون الخدمات الأساسية أو يعملون في الصناعات التحويلية الحيوية، بالإضافة إلى ذلك، وإغلاق المصانع، إذا لم يتم تأمين سلامة العمال، وهو أمر مفيد لصحة المواطنين، ويُجنب منظومة الرعاية مصاريف إضافية لعلاج المُصابين…

من جهة أخرى، قدمت بعض النقابات، في عدد من بلدان العالم، مقترحات ومخططات دقيقة وعَمَلِيّة، لتغيير طبيعة الإنتاج، وصناعة تجهيزات الوقاية من وباء “كوفيد 19” وأجهزة التنفس، وغيرها، بتكاليف منخفضة، والمُحافظة على الوظائف والرواتب، خلال فترة “الأزمة الصحية”، كمساهمة من العُمّال ومن النقابات في مكافحة الوباء، وتوفير إنتاج (“سلعة”)، بسعر معقول، يكثر عليه الطلب، في ظل وضع أزمة، وأوردت الأخبار تجارب، في هذا السّياق، من مصانع “جنرال إلكتريك” في الولايات المتحدة، ليتولى العُمال النقابيون تلبية زيادة الطلب، عبر تصنيع آلات التخدير، وأجهزة التنفس وبعض التجهيزات الضرورية لحماية صحة الأطفال، خلال فترة ثلاثة أشهر، وأبرمت النقابات عقدًا مع وكالات صحية حكومية، لشراء الإنتاج، فيما تحول عمال العديد من شركات المنسوجات الأمريكية لتصنيع الأقنعة، والكمامات للعاملين في قطاع الرعاية الصحية، ويقوم عمال بعض شركات المعادن في البرازيل بتصنيع أجهزة تنفس، تعهدت وزارة الصحة بشرائها، فيما يصنع عُمّال “فورد” لصناعة السيارات الأمريكية، نحو 75 ألف من واقيات شفافة للوجه، لموظفي المستشفيات، وفي إسبانيا، أبرمت نقابات قطاع النسيج عُقودًا لتصنيع ملابس عمل واقية للعاملين في قطاع الصحة، بدلاً من الملابس الحالية…

يمثل قطاع النسيج قطاعًا هشًّا، تقع مصانعه في بلدان فقيرة في آسيا وفي إفريقيا، وتتعاقد الشركات المحلية مع شركات عابرة للقارات، من الدول الرأسمالية الإمبريالية، وتبيع محلات الملابس والأحذية والحقائب الفاخرة، هذا الإنتاج بعشرات أضعاف سعر التكلفة لإنتاجه في بنغلادش أو فيتنام أو الحبشة، من قِبَل عاملات وعُمال يعملون برواتب ضعيفة، وفي ظروف سيئة جدًّا، ولما انتشر وباء “كوفيد 19” توقفت عمليات الشحن ونقل السلع، وانخفض الطلب، وأغلقت متاجر التجزئة، في ظل إجراءات الحَجْر الصّحّي في الدول الرأسمالية المتطورة، أغلقت آلاف المصانع، وسرحت ملايين العُمّال، بدون تعويضات، وأحيانًا لم يتمكن العاملات والعُمال من قبض رواتبهم، لعدة أَشْهُر، في بلدان لا توجد بها تأمينات اجتماعية وصحية، وترفض الشركات العابرة للقارات تحمل أي مسؤولية، وترفض المساهمة في دعم مصانع الدول الفقيرة، بل ترفض تسديد ثمن الإنتاج الذي طلبت تصنيعه، خصيصًا لها والمتاجرها في اليابان أو أوروبا أو أمريكا الشمالية، وتطالب نقابات عمال النسيج في شبه القارة الهندية (الهند وبنغلادش وباكستان) تسديد رواتب العاملين والعاملات، وضمان رواتبهم أيضًا، طيلة فترة الإغلاق، لأن العمال غير مسؤولين عن ظروف الإغلاق…

في بيرو، فرضت الحكومة حظر التجول، وأعلنت حالة الطوارئ، لمدة أسبوعيْن، قابلة للتمديد، بداية من 15 آذار/مارس 2020، ولكنها سمحت للشركات بمواصلة العمل ( والعديد من العاملين قاصرون، لم يبلغوا الثامنة عشر من العمر) دون أي تدابير وقائية ضد وباء “كوفيد 19″، كما استثنت الحكومة صناعة التّعدين، من التدابير الوقائية، فأجبرت شركات التعدين العابرة للقارات، والشركات المتعاقدة من الباطن (شركات المُناوَلَة) العمال على مواصلة العمل، في غياب الرقابة وفي غياب التدابير الصحية وتدابير الوقاية والسلامة، رغم مخاطر التلوث والغبار والأترِبَة، التي جعلت العديد من عمال المناجم يعانون من الأمراض، ومنها أمراض الجهاز التنفسي، والتزم الإتحاد الوطني لعمال المعادن والناجم مخاطبة الحكومة وأرباب العمل بلغة لطيفة ومُهذّبَة، لم تؤَدِّي إلى تغيير سياسة الإستغلال المُفرط وعدم احترام حياة وكرامة عُمال المناجم…  

في نفس قطاع المناجم، ولكن في قارة إفريقيا، دعت نقابات عمال المناجم في بلدان أفريقيا جنوب الصحراء إلى تطبيق معايير الصحة والسّلامة المهنية، واتخاذ الإجراءات الضرورية للحد من العَدْوى، ومن انتشار وباء “كوفيد 19″، بعد معاناة المواطنين، في عدد من بلدان إفريقيا، من الأوبئة (إيبولا والسّل والملاريا ونقص المناعة البشرية، وغيرها).

في زامبيا، نجح اتحاد عمال المناجم في فرض توزيع أجهزة تنفس على العاملين، في مناجم النحاس، ثم في المناجم الأخرى، واحتج الإتحاد النقابي على الإجراءات القمعية الأخرى، والتي تحاول الحد من الحريات النقابية، والإستهتار بكرامة العمال…  

في مدغشقر، رفضت شركات المناجم (معظمها شركات أجنبية عابرة للقارات) تطبيق الإتفاقيات الدّولية بشأن السلامة والصحة في المناجم، ونظمت نقابات العمال دورة تدريب ( 09 و 10 آذار/مارس 2020) من أجل تطوير التشريعات الإجتماعية، وتطبيق اتفاقيات منظمة العمل الدّولية بشأن صحة وسلامة العُمال، والتي لم تصادق عليها دولة مدغشقر، قبل لقاء النقابة مع وزير العمل، وحث الحكومة على توقيع الإتفاقيات التي تحمي العمال، وتحد من الإستغلال الفاحش الذي تمارسه الشركات متعددة الجنسية، التي تستخرج الإحتياطيات الضخمة من العديد من المعادن، ومن بينها البلاتين والفضة والذهب والنحاس والحديد والنيكل والزنك والكوبالت، وغيرها، بالإضافة إلى صناعة الألماس والأحجار الكريمة والزينة والمجوهرات، في ظل نظام تشريعي ضعيف، لا يَحْمِي العُمّال، ولا يهتم بصحتهم، وفي ظل نقابات ضعيفة، لا تمتلك مقومات مجابهة الحكومة وأرباب العمل، من أجل الدّفاع عن مصالح العُمّال…

في جنوب إفريقيا، عقد الاتحاد الوطني لعمال المناجم (NUM) اجتماعا مع نقابة أرباب العمل “مجلس جنوب أفريقيا للموارد المعدنية”، وطالبت نقابة العاملين بتحسين تطهير مواقع العمل، وتوفير القفازات والأقنعة، وبتكثيف الفحوصات الطبية وبتوفير مواد التنظيف، وتجهيزات الوقاية، للحد من انتشار وباء “كوفيد 19″، وبتسديد المرتب كاملاً للعمال الذين يصابون بالمرض في العمل.

أصاب وباء “كوفيد 19″، 116 شخصًا، في جمهورية جنوب إفريقيا، لغاية يوم الخامس عشر من آذار/مارس 2020، وفي قطاع الملابس، يقوم الاتحاد عمال المنسوجات والملابس والأحذية، بحملات توعية للعاملين حول مخاطر الفيروس التاجي (كوفيد 19)، أما الحكومة فقررت، منذ يوم 15/03/2020، تعليق الرحلات الجوية، وفرض قيود على حركة تنقل المواطنين، وحظر التجمعات العامة لأكثر من 100 شخص، وإغلاق المدارس والحدود والموانئ…

تمكنت النقابات من وضع خطط للعمل بنظام الدوام، وتغيير ساعات العمل واستراحات الغداء من أجل تقليل عدد العمال في نفس المكان، وفي نفس الوقت، وفرضت لجان الصحة والسلامة، في بعض المهن ومواقع العمل، توفير المطهرات الصناعية ومعقمات اليد، وملابس العمل الآمنة…

تمكنت نقابات العمال في جنوب إفريقيا من فرض قانون عمل يُلْزِم أرباب العمل بحماية العمال من الأمراض والأوبئة، ويمكن اتهام المُقَصِّرِين بخرق التزامات العمل بموجب قانون الصحة والسلامة المهنية، وفرضت النقابات، حاليا، تسديد رواتب العاملين الذين اضطروا إلى التوقف عن العمل، بسبب الإصابة بالفيروس التّاجي (كورونا)، وأدرجت النقابات هذا الإجراء ضمن “حماية الفئات الأكثر ضعفًا، وتجنيب العاملين الإرهاق، وتجنيب زملائهم مخاطر العدْوى…”

في قطاع النسيج والملابس والأحذية، توصّلَ اتحاد عمال الملابس والمنسوجات في جنوب إفريقيا (SACTWU)  إلى اتفاق يضمن حصول حوالي ثمانين ألف عاملة وعامل، على رواتبهم كاملة، طيلة ستة أسابيع من الحجر الصحي، ومن توقف العمل في المصانع التي تُشغّلهم، وأعلنت النقابة العمالية “إن الإتفاق يتضمن نواقص كثيرة”، ويعكس هذا الإتفاق موازين القوى الحالية، ودرجة الوعي لدى العاملين والنقابيين، أما أرباب العمل، فإنهم يعتبرون أن الإتفاق “ضمان لاستدامة عمل القطاع، بدون مشاكل”… 

(2)

أمريكا- الإجماع المُقدّس لإنقاذ الرأسمالية

أعلنت منظمة الصحة العالمية، رسميا، تَحَوُّل فيروس “كورونا” إلى وباء، بعد ارتفاع عدد حالات الوفاة بالإصابة ب”كوفيد 19″ إلى الآلاف، عبر العالم، لكن الدول الصناعية الكُبرى (الدول الإمبريالية) التي تُنفق مبالغ طائلة على التسلّح والحُروب العدوانية ضد الشعوب المُضْطَهَدَة والفقيرة، ترفض تخصيص نفس المبالغ لمكافحة وباء يُهدد الإقتصاد، كما يُهدّد الإنسانية، ولا تتخذ إجراءات لحماية الطبقة العاملة والفُقراء، بل تُخصص مبالغ طائلة لحماية مصالح الأثرياء…
أقَرَّ قادة مجموعة الدول العشرين (التي تترأسها السعودية، حاليا) ضخّ خمسة تريليونات دولار لمواجهة تداعيات انتشار وباء “كورونا”، الذي يُشكّل خَطَرًا على اقتصاد العالم، وعلى حياة الأفراد، وأوْحَى رئيس الولايات المتحدة بتهدئة الوضع مع الصين، لكنه رَفَضَ إعلان وقف أو تعليق الحرب التجارية، وقبل ذلك أعلنت المديرة التّنفيذية لصندوق النقد الدولي “بداية انكماش الإقتصاد العالمي”، وأشارت إلى “حاجة اقتصاد وأسواق الدول الناشئة إلى ما يزيد عن 2,5 تريليون دولار، خلال فترة انتشار الوباء…”
أعلن مجلس النواب والرئيس الأمريكي في بداية شهر آذار/مارس 2020، عن قرارات تهدف “تخفيف الأثر الإقتصادي لوباء كوفيد 19″، وكانت وسائل الإعلام والحكومة الأمريكية تَدّعِي آنذاك أن “كورونا فيروس عابر”، وتضمّن الإعلان تخصيص مبلغ 2,5 مليار دولار لمواجهة هذا “الفيروسٍ العابر”، ثم تحول المبلغ إلى 2,2 تريليون دولارا (وليس 2,5 مليار دولار) أو أقل قليلاً من نصف قيمة الإنفاق الإجمالي للحكومة (4,7 تريليون دولارا)، بعد أن أصبحت الولايات المتحدة بؤرة رئيسية لانتشار الوباء (100 ألف حالة ووفاة 1500 حتى يوم الخميس 26 آذار/مارس 2020)، وسط الركود، وارتفاع عدد العاطلين عن العمل، مع وجود ثلاثين مليون مواطن بدون حماية اجتماعية، ولا تشملهم التغطية الصحية، وأقرّت مُؤسّسات الدّولة الأمريكية مضاعفة قيمة الدَّيْن الإتحادي (الفيدرالي) لتتمكن من تخصيص تريليُونَيْ دولار، للخروج من حالة الرُّكود، وتحفيز الإقتصاد، في ظل تداعيات انتشار وباء “كوفيد 19″، عبر توفير مُعدّات طبّيّة للمستشفيات التي لم تكن مهيأة لاستقبال عدد كبير من المرضى، وتقديم مساعدات مالية لينفقَها المواطنون الأمريكيون في شراء المواد الإستهلاكية الأساسية، مع تخصيص مبلغ هام لدعم الشركات “المتضرّرة من كورونا”، كما أقَرّ الكونغرس بالإجماع قُرُوضًا لأصحاب المشاريع الإقتصادية الصغيرة، وتقديم مساعدات غذائية، ومبالغ مالية لفئات عديدة من المواطنين، ومن بينهم “العاملين المستقلين وأصحاب المهن الحرة المُتَضَرِّرِين”، مع توجيه الجزء الأهم من المساعدات للصناعات الضخمة (بدون مُقابل) مثل قطاع الصّلب والتّعدين والطيران (بوينغ ) والسيارات، وشركات النقل الجوي التي هدّدت بتسريح العاملين إذا لم تحصل على مساعدات (وليس قروض).
للتذكير، بلغت مجمل ديون الولايات المتحدة نحو 22 تريليون دولارا، وارتفع حجم الدّيْن الإتحادي الأمريكي من نسبة 35% من الناتج المحلي الإجمالي، بنهاية سنة 2007، قبل أزمة 2008/2009، إلى نسبة 80% من الناتج الإجمالي المحلي، بنهاية سنة 2019، وقارب حجم ديون أمريكا خلال مرحلة نهاية الحرب العالمية الثانية، ما يجعل أمريكا تبحث عن حُلُول لازدهار الإقتصاد، ومن بينها شن حُروب جديدة، لإنعاش الإقتصاد عبر زيادة الإنفاق والتصنيع الحربي، وهي الحلول التي لجأت إليها الإمبريالية، كلما اشتدّت الأزمة الرأسمالية في دول “المَرْكَز” الإمبريالي…
أظْهَر انتشار الوباء خَطَأ استراتيجية الخصخصة، وتحويل أمر العناية بصحة المواطنين، من القطاع العام، إلى القطاع الخاص، بعد وُضُوح أَمْر عجز المنظومات الصحية، التي وقعت خَصْخَصَتُها، على مجابهة وباء “كوفيد 19″، وعدم اهتمام القطاع الطبي والصحي الخاص بغير الربح، فهو غير مَعْنِي بابتكار اللقاحات، وبإجراءات الوقاية والعزل، وسبل مواجهة الأزمات الصحية، فاتسعت الفجوة بين مصالح الرأسمالية، التي تُمثلها الأنظمة القائمة في الولايات المتحدة وفي أوروبا وفي معظم بلدان العالم، ومتطلبات سُكّان العالم، من غذاء سليم ومياه نقية ورعاية صحية، وغيرها…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.