ما خَدَعوا وما خُدِعوا والتزموا بالصهيونيتين: ملاحق راكاح أحزاب برلمانية لا وطنية، (حلقة 3 والأخيرة)، عادل سمارة

ضمت القائمة المشتركة ثلاثة قوى أخرى، أتت من مشارب مختلفة عن الحزب الشيوعي، لكنها اتفقت مع أطروحته الأساسية وهي أن الكيان الصهيوني مسألة خارج اي نقاش وأن الفلسطينيين في وطنهم ليسوا سوى رعايا من الدرجة الثانية للكيان وعليهم أن يتصرفوا بهذا المفهوم إذا ارادوا ان يكون لهم مكانا في السياسة الداخلية لهذا الكيان بشرط استثناء مسألة الأرض تحديداً، وللمفارقة هي المسألة المركزية.

والطريف هو تساوي مواقف أعضاء الكنيست هؤلاء سواء من الحزب الشيوعي أو من أزلام السلطة من الرجال التقليديين والوجهاء…الخ في مسالة “شرعية” الكيان!

جاء عدوان 1967 واحتلال بقية فلسطين والجولان وسيناء هدية لأعضاء الكنيست الفلسطينيين حيث عوَّض هؤلاء الكنيسيتون تواطئهم تجاه الأرض أي الصمت عن وجوب تحرير الوطن  وإبقاء وجودالكيان فوق النقاش عبر السماح لهم بشن هجوم ساخن ومتواصل ضد سياسة الكيان في المحتل 1967 مما يغطي على التزامهم بالصهيونية وفي هذا لم يختلفوا عن كثير من اجنحة الصهاينة اليهود وخاصة التروتسك. وساعدهم كثيرا في هذا بالطبع موقف ومطلب الأنظمة العربية بالعودة إلى حدود الرابع من حزيران والحديث الرخو عن حق العودة الأمر الذي لعب دورا خطيرا في إعادة هندسة موقف الكثير من الشارع العربي والدولي بان الصراع هو فقط على المحتل عام 1967. وإن كان هذا التنازل الخطير قد جرى رفضه من المقاومة الفلسطينية، إلا أن معظم هذه المقاومة تساوقت مع الكنيسيتيين فتحاشت نقدهم بل وقامت بالإطرا على كثيرين منهم، وتضخيم عزمي بشارة لدى المقاومة وحزب الله وسوريا خاصة نموذجا على ما أزعم،  إلى أن تورطت م.ت.ف في اتفاق أوسلو الذي أعطى دفعة هائلة للتغطية على أساس الصراع وهو استيطانية الكيان!

على هذه الأرضية التزم مختلف فلسطينيي 1948 الذين ترشحوا للكنيست منذ عام 1967 بواحد من شعارين أو  بكل واحد منهما تبادليا:

  • الدعوة لدولة واحدة في كل فلسطين بين المستوطنين وأهل البلاد
  • والدعوة لدولتين لشعبين.

شكل الشعاران مادة للحديث والتعبئة الانتخابية وتجنيد أصوات لصالح هؤلاء وخاصة في مناخ استسلامي رسمي عربي بدأ ، كما اشرنا،  منذ هزيمة 1967 حيث رفع شعار: “العودة إلى حدود 1967” حيث تضمن هذا عمليا الاعتراف بالكيان الصهيوني الأمر الذي خدم أطروحة راكاح التي عمودها الفقري الماركسية الصهيونية، وجعل من كل حزب أو كتلة جديدة تترشح للكنيست مجرد ملحق لأطروحات راكاح، حتى لو ادعى بعضهم غير ذلك.  أما اتفاقات أوسلو فكانت مثابة دعوة من م.ت.ف بأن فلسطينيي 1948  هم رعايا للكيان وعليهم ترتيب وضعهم كما يرون.

وهكذا، اصبحنا أمام دافعين أساسيين يغطيان تواطؤ الداعين للتصويت والترشح في انتخابات الكيان وهما:

  • موقف الأنظمة العربية الرسمي الداعي للعودة إلى حدود حزيران فقط
  • واتفاقات التطبيع والاعتراف الرسمي بالكيان والتي يدفع الشعب العربي وخاصة فلسطينيوه ثمنها اليوم بشكل هائل.

وفي هذا الصدد علينا أن نتذكر بأن هذين العاملين أديا إلى تغييب ومحاصرة الحق الأساسي للفلسطينيين وهو التحرير  والعودة حيث تم نقل الأمر إلى التطبيع والاستدوال.  وقد ترتب على هذا  تغييب حق العودة من الثقافة السياسية اليومية لدى الشعب العربي وخاصة مع :

  • شعار الأنظمة الخبيث: نقبل بما يقبل به الفلسطينيون”
  • وتوظيف هؤلاء للطابور الثقافي السادس وخاصة جناحه متخلف الوعي والمستوى الثقافي  بالثرثرة لصالح الكيان حيث وصل بعضهم لاتهام الفلسطينيين بالاعتداء على ما وصفوه ب “أرض إسرائيل”!
  • وحصول صعوبة هائلة لإعادة تفهيم الرأي العام العالمي، الشعبي خاصة، بان الصراع ليس على حدود 1967 بل هو نضال شعب لعودته إلى أرضه وممتلكاته.

ما هدفنا التأكيد عليه في هذه المسألة هو أن مختلف الأحزاب  أو القوى أو الأفراد الفلسطينيين الذين ترشحوا للبرلمان الصهيوني أو نظَّروا لهذه المسألة قد  فعلوا ذلك على أرضية هجران حق العودة واعتبار الكيان كيانا شرعيا، وبالتالي أكدت هذه الأحزاب والقوى بأنها أحزاب برلمانية لا أرقى وعلى هذه الأرضية صار يجب نقاش موقفها وليس على أرضية أحزاب ذات التزام بالتحرر والتحرير الوطني.

فيما يخص الملاحق، بدأ تيار عزمي بشارة كمنافس لحزب راكاح حيث خرج بشارة من أوساط راكاح، لكنه استخدم المسألة القومية العربية لتمييز نفسه عن راكاح مع أن منطلقه وهدفه لا يختلفان. لكنه باستخدام القومية والناصرية تحديداً تمكن من استقطاب جمهور عربي مما يؤكد أن العروبة كامنة في اوساط الفلسطينيين، ولكن ما خذلها هو مواقف المعترفين والمطبعين، وهذا ما جعل نضال رافضي الكنيست أكثر صعوبة. ولكن المفارقة أن جمهور بشارة شارك في الانتخاب (كقوميين وناصريين) في برلمان الكيان الذي اغتصب وطنه!

وكان الطرف الثالث بقيادة د. احمد الطيبي وهو من عائلة أقامت تقليديا علاقات قوية مع زعماء صهاينة قبيل احتلال 1948 وواصلت علاقتها بقيادات الكيان وخاصة مع عيزر وايزمن حينما شغل منصب وزير حربية الكيان، كما عينه ياسر عرفات مستشارا له بهدف دعمه للكنيست، وبالطبع، فإن الطيبي لم يكن بحاجة للمناورة في تغطية موقفه لأن موقفه وعلاقاته لم يقوما على تناقض ولو ظاهري مع الكيان. لذا كان من الطرافة بمكان أن يلجأ الرجل إلى شكلانيات من طراز إقامة الآذان في قاعة الكنيست.

يستغرب البعض انضمام جناح من الحركة الإسلامية إلى الإنتخاب والترشح لعضوية الكنيست. ولكن إذا قرأنا هذه الحركة على أرضية الدين السياسي وخاصة منذ تفجير شبكة ألغام “الربيع العربي”، بعيدا بالطبع عن الاحتجاجات الشعبية المحقة،  يصبح من السهل  فهم موقف هذه الحركة على اعتبار أن قوى الدين السياسي  لا تقيم مواقفها على الوطن بل على الإيديولوجيا والمواقع السياسية وتحديداً السلطة وبأنها معادية علانية للعروبة بعكس جميع قوى الدين السياسي في العالم كالصهاينة والمحافظين الجدد وحتى الهندوس في الهند وبولسانيرو في البرازيل. وإذا كانت شكلانية الطيبي هي الأذان في الكنيست، فإن شكلانية الحركة الإسلامية أتت لنا بالافتخار بإدخال سيدة محجبة إلى الكنيست.

هذا ينقلنا إلى كلمة عن رفض الانتخاب والترشح للكنيست والذي يتمثل في مبادرة حركة أبناء البلد برفض تسمية نفسها حزبا وبالتالي لم تطلب ترخيصا من السلطة ورفضت الانتخاب والترشح، باستثناء تورط قيادتها عام 1996، لمرة واحدة حيث تراجعت عن التورط، في السماح لمن رغب من اعضائها بالتصويت وكان ذلك حين تمكن عزمي بشارة من اختراقها مدعوماً من يسار ويمين م.ت.ف وبالطبع فاز بعضوية الكنيست وجرَّ معه انقساما في الحركة ضم إليه المنشقين/ات. وهنا اذكر انني دخلت في نقاش مع عشرين من اللجنة المركزية للحركة باقتراح من وليد سالم، وكان لا يزال في الجبهة الشعبية حينها قبل أن يصبح مع التطبيع بالمطلق، وكان معظم الحضور مع المشاركة في الانتخابات. وهنا استذكر المناضل الرفيق صالح برانسي الذي كان يوافقني الرأي بالرفض التام.

كما ظهرت مؤخرا “حركة كفاح”  التي ترفض التصويت والترشح ايضا. وهنا تجدر الإشارة إلى أن هاتين الحركتين قد تمكنتا من التأثير في قطاع لا باس به من فلسطينيي المحتل 1948 وارست مبدأ وإمكانية مقاطعة الانتخابات، وهو الأمر الذي لم يكن على أجندة الحركة السياسية في المحتل 1948، وهذا يعتبر إنجازاً كبيرا في مناخ استدخال الهزيمة على مستوى السياسة الرسمية والإعلام العربيين اللذين  كرَّسا التطبيع.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.