“كنعان” تتابع نشر كتاب “فلسفة المواجهة وراء القضبان”، تأليف: محمود فنون، الحلقة (7)

أساليب التحقيق

استناداً إلى الاستعراضات السابقة، يسهل علينا أن نستنتج بأن أساليب التحقيق المختلفة تعتمد على نوعية المناضل وموقفه ودرجة صلابته ووعيه، وموقعه في عملية الصراع. وما إذا كان منتمياً أم على هامش الضربة، وما إذا كان سميناً في نظر رجال التحقيق، أو قليل المعرفة، أو انه طويل النفس وعالي التصميم ويعي ما يقوم به أم أنه ضعيف الارتباط قليل الاعداد وذاتي النزعة.

 وبالاجمال فإن أساليب التحقيق واستخدامها وطرائق تطبيقها تعتمد على نوعية المعتقل الذي يقع بين أيدي المحققين، وكذلك على نوعية رجال التحقيق ومجمل صفاتهم ونفسياتهم ونظرتهم لعملهم في وقت من الأوقات.

ويمكننا أن نقسم المعتقلين إلى نوعين شاملين، وذلك حتى يسهل طرح المسألة وتعميقها، وحتى يسهل ايضاح العلاقة القائمة بين أساليب التحقيق ونوعية المحقق معهم. وكذلك بين نوعية المحقق معهم، وأساليب التحقيق المتبعة من جهة، ونتائج التحقيق من جهة أخرى…

وإذا كانت نتائج التحقيق مع نوعيات مختلفة من البشر خاضعة للدراسة والتمحيص، فيجب أن لا يغيب عن البال مطلقاً أن الصمود والصلابة والخروج من حرب التحقيق بسلام ليس حكراً على نوعية محددة من الناس أو المناضلين. فكثيرً من الناس العاديين جداً والذين ليس لديهم أي تأهيل أو اعداد نضالي سوى فطرتهم، واستناداً إلى فهمهم البسيط ولكن الأصيل (الأرجل، الأحسن، الأشد، الأشرف لا يعترف، وان الاعتراف والاقرار عار وعيب)، (الحكومة تدينك من لسانك) نتيجة لهذه المعارف البسيطة والهامة جداً، كثير من الناس العاديين اجتازوا التحقيق بكافة مراحله دون أن ينبسوا بكلمة واحدة ومهما كانت دوافع الاعتقال سياسية أم غير سياسية فالمعتقلون نوعين :

1- الصدفيين  2- المحترفين.

مع ملاحظة أن اختلاف الأساليب المتبعة مع كل فريق ليس اختلافاً مطلقاً لأن هدف الأساليب المختلفة في النهاية ينحصر في ايصال المعتقل قيد التحقيق إلى مرحلة التعاون والاقرار و تقديم المعلومات، أي ايصاله إلى حالة الانهيار، وتحويل العلاقة الجوهرية بينه وبين محققيه إلى علاقة يتخللها تبدل في موقع المعتقل باتجاه موقع المحقق، وانسجام وتطابق معه بدلاً من الصراع الحاد والوقوف على طرفي النقيض.

المعتقل الصدفي

ليس غريباً أن يقع بين أيدي المحققين أناس ليس لهم خبرة ودراية بما قاموا به، ولا سابق تصميم وتصور عن الأحداث ونتائجها، أو ليس لهم معرفة بأهمية مرحلة التحقيق والصمود فيها، ونتائجها في مجال الادانة والتعرض للحكم والعقاب، وفي معرفة مغزى عمليات التحقيق في الحصول على المعلومات المختلفة.

وربما يقع أناس قاموا بأعمال عن طريق الصدفة مثل القتل الخطأ، أو مشاهدة ثوار أثناء قيامهم بعمل مسلح، أو الصاق مناشير وملصقات على الجدران، أو ربما مساعدة شخص ما (فدائي) في المرور من مكان ما أو تقديم الطعام له بدافع الحماس أو دافع انساني أو اجتماعي، أو ربما يقع شخص بين أيدي المحققين نتيجة قيامه بعمل ما، أو مشاهداته لأشياء معينة دون أن يكون طرفاً حقيقياً في هذا العمل لا من باب المشاركة ولا من باب الانتماء، واندفع عن وعي أو غير وعي للتستر أو المشاركة، وفي وقت من الأوقات ونتيجة لشبهة، أو وشاية، أو اعتراف عليه، وقع بين أيدي المحققين.

في ميدان العمل الفلسطيني، اندفع الكثيرون وبدافع الحماس الوطني الأصيل إلى المشاركة في النضال بشكل من الأشكال دون أن يكون لديهم تصور  شامل عن نتائج تصرفهم على انفسهم، ساعد بعض المناضلين المطاردين لأنهم أقربائه أو لأنهم عبروا أرضه أو بالقرب من بيته…الخ وكل هؤلاء معرضون أو تعرضوا فعلاً للاعتقال والتحقيق حالما تعرف السلطات عنهم لسبب من الأسباب. وكذلك الحال مع عامة الناس الذين يشتركون في أعمال نضالية جماهيرية – مظاهرات، اضرابات، اعتصامات، ويصادف أن يلقى القبض عليهم.

هؤلاء جميعاً لدى اعتقالهم يتأثرون وحتماً ستتأثر مواقفهم: بالوضع المعنوي العام الذي يحيط بالحركة الوطنية، سمعتها، سمعة الأحزاب أو المنظمات التي احتكوا بها، مستوى الوعي السياسي والثقافي عند الجماهير، الخلفيات الذهنية عموماً التي تشربوها في حياتهم من المجتمع، ومدى الخبرة الاجتماعية التي تتناقلها الألسن عن سلوك العدو في التحقيق ومواقف المناضلين، والموقف الاجتماعي من نتائج التحقيق سواء على مستوى البيئة الخاصة أو البيئة العامة والقيم الاجتماعية التي يحملونها هم أنفسهم كل هذه العوامل وغيرها ستؤثر على مواقفهم في التحقيق ونوعية ردود فعلهم على أساليبه وأطواره بالاضافة الى الصفات الشخصية التي يتحلون بها داخل أقبية التعذيب.

 ولدى تحليل نتائج التحقيق مع هذه النماذج فانها تتراوح بين الانهيار التام واعطاء كل شيء والانكار التام ونفي كل شيء، وبين بين.

 فمثلاً منهم من لا يشعر بضير أن يقول بأنه شاهد كذا وكذا على اعتبار أن الفعل أصبح ماضياً، وأن مشاهدته كانت عابرة وصدفية، بينما موقف المحقق يختلف فهو يريد أية معلومات عن الحدث ويطالبه بها ويطالبه بأشخاص آخرين شاهدوا مثله بالاضافة الى أنه يحاكمه بتهمة “عدم اخبار” وهنا ترتفع العقوبة بقدر خطورة الشيء الذي شاهده.

 وفي ميدان العمل الوطني أيضا هناك من يلتحق بصفوف المنظمات والأحزاب حديثاً أو لم يتلق أية تدريب واعداد، ويقع في التحقيق لسبب من الأسباب.

هؤلاء جميعاً هم من نطلق عليهم المعتقلون المناضلون بالصدفة أو الصدفيين.

 كيف يعاملهم رجل التحقيق؟

من المهم الاشارة أولاً أن المحقق عندما يقف أمام المعتقل انما يقف أمام سر مجهول ومرهوب أيضاً، فهو لا يعرف نوعيته، ومدى صلابته، وهو لا يعرف إن كان محترفاً أم صدفياً، ولا يعرف ان كان ذا شخصية متماسكة وقوية وواعي أم أنه ساذج وعلى (باب الله) هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فسواء كان المعتقل صدفياً في وضعيته، أم محترفاً وعن سبق اصرار، فإن السمات الشخصية للفرد وتربيته وعقائديته تظل فعالة في جميع الأحوال، وبالتالي لا يمكننا بوجه القطع أن نقول بأن المحقق سيتبع هذا الأسلوب أو ذاك، ولكنه سيحاول جهده أن يفك الرموز الأولى حول شخصية المعتقل. من هو؟ وما دوره؟ وهل المعلومات الأولية عنه بأنه شارك في كذا فقط، أو أطعم، أو أرشد هي كل نشاطه ووضعيته أم أن هذه الحالة فقط هي التي انكشفت؟

 ان المحقق يرى في المعتقل الصدفي انساناً بسيطاً (حتى ولو كان شديد الصلابة والعناد) ولذا، وبناء على هذه التقديرات، يلجأ الى أساليب من شأنها أن تؤثر على هذه النوعية حسب اعتقاده. كأن يثير عواطفه، يشرح له بأن لا خطورة من اعترافاته وانما هذه اجراءات روتينية تقوم بها الحكومات عادة عندما تصلها معلومات، فقط بهدف اغلاق الملف، وأنه سيفرج عنه حال الانتهاء من التحقيق، وما عليه الا أن يستعجل اذا رغب في العودة الى أهله

. وهنا من المناسب أن نورد حادثة (فقد اعتقل شاب من نابلس مع آخرين زملائه بناء على وشاية وتقدير أجهزة الأمن بأنهم منظمون ولديهم أسلحه قديمة من زمن الأردن. وقد عانى الشابين من أبشع أساليب التحقيق دون أن يتفوهوا بشيء. وهنا خطر على بال ضابط التحقيق أن يعتقل والد أحدهما وكان شهر رمضان، ووالده هذا شيخ مسن يصلي الأوقات ويصوم الشهر. وبعد وضعه في الزنزانة، مر عليه ضابط مخابرات فأظهر الدهشة لوجوده وأخذ يشتم ويسب على اسرائيل، مجرمين، كفرة، فاسقين وفجأة سأله هل صليت؟ لا، اذاً تعالى لنصلي معاً فلا يوجد أحد هنا وأنا أصلي بالسر ولو اكتشفوا بأني مسلم لفرموا رقبتي. وهكذا صلوا جماعة، وأوهمه بأنه سيسعى له بطعام الافطار…. ثم قال له ان قضيته بسيطة وأنهم فقط يريدوا منه (الحديدة) أي قطعة سلاح، وان ما عليه الا أن يسلمها حتى يفرج عنه رأساً وخاصة أنه حاول الافراج عنه فرفض اليهود الملاعين. فسأل الشيخ عن ابنه فوعده الضابط أن يفرج عنه وعن ابنه، في الليل ذهب الشيخ مع رجال الأمن وسلمهم البندقية. وبعد العودة طلب منه ضابط المخابرات ان يوقع على بضع أوراق كروتين حكومي حتى يتمكن من اغلاق ملفه والافراج عنه – وهكذا وقع على الافادة-  وبعد ذلك قال له بأنه لا يستطيع الافراج عن ابنه قبل ان يعترف وما عليه الا ان يقنع ابنه… وهكذا حصل… وبالنتيجة حوكم الرجل وابنه والشاب الآخر وبالطبع نسفت بيوتهم).

 وتدلل هذه الحادثة وغيرها على تفاعل رجال التحقيق مع الحالة أمامهم وقد ينجحوا ببساطة وقد لا يصيبهم النجاح. فكثير من الحالات لطمتهم على وجوههم بقوة ولم تنفعهم لا مشاعر الفوقية، ولا حتى أقسى أنواع التعذيب.

إن المعتقلين بالصدفة والذين لا يمكننا أن نجزم بنتائج التحقيق معهم معرضون دائماً لأساليب التبسيط، والتحجيم، والاغراءات والتشكيك بالثورة، والتشكيك بجدوى النضال، والنضال، وبالقادة

وهؤلاء هم الذين يعمد المحققون الى استخدام أساليب الضغط الخارجي عليهم كأن يحاول اغراؤهم، أو يهددهم بالاعتداء على نسائهم، أو يحضر أقاربهم  لنصحهم بالاسراع بالاعتراف حتى يسرعوا بالافراج عنهم.

 قد لا يجد المحقق صعوبة كبيرة في خداع هذا النوع من المعتقلين، وفي الواقع ان أساليب الخداع التي تتبعها أجهزه التحقيق مع مناضلي الحركة الوطنية الفلسطينية هي الأوسع انتشاراً، وبسبب النقص الكبير في أعداد المناضلين وتربيتهم وتثقيفهم والنقص في تشبيعهم بروح الصمود البطولي في التحقيق، وتعريفهم على أساليبه ولأن معظم المعتقلين تلقوا  فقط تربية المجتمع ونفسيته وايديولوجيته المتخلفة (حينما لا تكون الروح الكفاحية متأججة عند الشعب والجماهير كما هي الحال في سنوات النهوض الثوري) تلك الايديولوجيه التي ورثها من الاقطاع الشرقي وأشبعت بالروح البرجوازية الأنانية التي لم تتوان عن لعب أدوار مشبوهة في عهد الاحتلال البريطاني وحكم الاردن والإحتلال الصهيوني، هذا علماً أن بعضاً من الأحزاب الثورية قد أخذ يسعى لتجاوز نواقصه كما تشير الدلائل وكما حصل في السنتين الأخيرتين وبالأخص نهاية السبعينيات من القرن العشرين

 لقد أفرزت نشاطات الحركة الوطنية في اعوام 67 19- 1971 عدداً كبيراً من المعتقلين ومن بينهم نسبة كبرى من الصدفيين، حيث أودعت سلطات الاحتلال كل من (رأى، أو أطعم، أوسقى، أو سمع، أو آوى، أو قدم خدمة لمناضلين) بل قد أودعت كل من تواجد في منطقة عمليات أو أحداث نضالية، بهدف عزل المناضلين عن الشعب بممارسات تعسفية والإعتقالات شملت عدداً كبيراً من الناس. وطبعاً تعرض هؤلاء للتحقيق وشكلوا مادة خصبة للمخابرات واستثمرت المعترفين منهم ضد غير المعترفين، وعسفت بهم ونسفت بيوتهم وسجنتهم بتهمة عدم الاخبار أو ألصقت بهم أية تهم أخرى ليكونوا عبرة لغيرهم حتى ولو كانوا (أبرياء مئة بالمئة).

لقد خلقت الفترة ما بين 67-71 بالرغم من تأجج الأوضاع النضالية خلالها، أزمة ثقة للمناضلين والصمود في التحقيق، حيث كانت نسبة الذين أدلوا باعترافات لا تقل عن 95 بالمئة ممن أدخلوا إلى زنازين التحقيق، بالاضافة إلى ذلك كانت تسود آمال التحرر السريع حيث لا يهم مقدار الحكم في السجن، ولكن النسبة الأخرى تمكنت من الافلات بسبب صمودها وصلابتها.

غير أن تغيرات جوهرية واسعة النطاق قد أدخلت على بنية وطرائق العمل التنظيمي للمنظمات الثورية أدت إلى تقليص حجم الاعترافات وبالتالي حجم المعتقلين سنوياً. وقد تنامت قابليات المناضلين وقدراتهم على الصمود بالتوازي مع تطور المنظمات وصيغ عملها وأبنيتها، وتناميها، وتحسين نوعية أعضائها، وهذا بدوره يؤدي بشكل أوتوماتيكي إلى تقليص عدد المعتقلين من المناضلين الصدفيين. طبعاً دون أن يعني ذلك أن عسف الاحتلال سيتوقف عن المواطنين واعتقال أي عدد منهم بسبب تواجدهم  أو احتمال مشاهدتهم لشيء مخالف وخاصة في الأوقات التي يتنامى فيها حجم العمل السياسي.

2- المعتقل المحترف

يختلف المعتقل المحترف عن المعتقل بالصدفة، فالمعتقل بالصدفة ضمن الحركة الوطنية أو لعلاقة ما معها هو مواطن اثارة حسه الوطني البسيط، وعمل هذا العمل أو ذاك، نتاج تأثير الوضع العام دون أن يتلقى اعداداً أو تربية، أو انه انتمى لإحدى المنظمات لأنها اتصلت فيه أولاً أو لأن صديقه أو قريبه عضو فيها، أو لأنها الأقرب الى فهمه الخاص او لأن دعايتها وصلته دون غيرها أو قبل غيرها، وبعد أن ارتبط بها لم تجر له عملية تربية سياسية واعداد، يمكنه من فهم مجريات الأحداث السياسية والعلاقات السياسية، واللوحة المتفاعلة في الساحة. وبالتالي لم يجري تحويله الى سياسي محترف أو مناضل محترف يعي بما يقوم ويؤمن به ويتطور فهمه وحسه الوطني العام.

أما المعتقل المحترف فهو مواطن ينتمي فكرياً وسياسياً وتنظيمياً، ويربط مصيره نهائياً بعجلة النضال من خلال الحزب أو المنظمة ويندمج فيها اندماجاً نهائياً، بحيث يتوحد مصيره بمصير الثورة، ويصبح مصير الثورة والحزب الثوري أو المنظمة هي قدره ومصيره. ومن خلال انتمائه يتشرب الروح الثورية الكفاحية وترتفع وتائر استعداده للتضحية، ويرتفع مستوى وعيه ونضوجه ويدرك أن كافة أفعاله وتصرفاته محكومة في النهاية بالوضع التنظيمي والوطني. وأن مصيره الشخصي لا يهمه بحال من الأحوال بقدر ما يهمه مصيره بوصفه عضواً بهذا الحزب أو التنظيم.

ان المناضل المحترف هو نتاج الوضع السياسي الموضوعي الذي جعله يدرك ولو بصورة جزئية أهمية الانتماء. هذا الوضع الذي تتفاعل فيه نشاطات الأحزاب والمنظمات السياسية مما يطور الوعي الجماهيري بصورة عامة ووعي الأفراد المنتمية بصورة خاصة. وبطريقة ملموسة أكثر فإن انتماء الفرد إلى منظمة سياسية تطرح شعارات ومواقف تعبر عن الظرف الموضوعي ومتطلباته، وأماني الجماهير، يجعله أكثر ارتباطاً بهذه المنظمة مما يسهل عليها القيام بنشاطات تنظيمية تعبوية خاصة على أعضائها بحيث يتطور انتماؤهم واستعدادهم لأن يكونوا مناضلين محترفين، عميقي الارتباط، يجري تصليبهم وتقويمهم عبر الممارسات النضالية اليومية، وتجري توعيتهم بأمور التحقيق ومختلف أشكال التوعية التي تجعل منهم عقائديون شديدو الصلابة ومدافعون حازمون عن مبادئهم متصلبون بالتمسك بها.

وبالإجمال فإن المناضلين المحترفون هم معتقلون محترفون، وهم نتاج التفاعلات الاجتماعية والوضع الطبيعي المتفاعل مع المناخ الحزبي، بالاستناد الى قابليات فردية للنمو والتطور هذه التفاعلات التي تندمج مع نشاطات وتفاعلات المنظمة الحزبية التي ينتمون اليها بوصفهم أفراداً ومناضلين.

أن العضو الذي تجري تربيته على هذه الأسس سوف يدخل زنازين التحقيق طوداً شامخاً يقف أمام المحقق مسلحاً بوعي وصلابة كافيين لتعزيز مكانته في الصراع البطولي، يتصرف بوعي وردود فعله هادفة.

 هل يمكن خداع المناضل المحترف وتوريطه؟

 لقد أكدت مئات بل وآلاف التجارب في الوطن الفلسطيني وفي كل البلدان أن المناضلين المحترفين المعبئين في مأمن تام من خدع وأحاييل المحققين، وأنهم ببساطة يضعون المحقق في وضع صعب، وليست قليلة الحالات التي يحاول فيها المحقق الخلاص من الورطة بطريقة من الطرق وربما عدم اللجوء الى التحقيق نهائياً بعد أن يكتشف الواقعة الصلبة التي أمامه. وكثيراً ما يدخل المحقق الى عملية التحقبق و التعذيب والاستجواب مثبطاً سلفاً، ينفخ ويفرك يديه ولا يدري من أين يبدأ ولسان حاله يقول (لا داعي لأن أتعب نفسي) فمستنداته على الخلفية الاجتماعية العامة، وأساليب تبسيط القضية أو التشكيك في الوضعية الثورية والاغراءات ليس لها نفع هنا. ويظل فقط التعذيب الجسدي علّه يعطي نتيجة. هذا التعذيب الذي يتحول الى روتين ميت لا حياة فيه أمام استعداد المناضل للتضحية حتى النهاية والصمود مهما كان الثمن.

فعندما يدرك المحقق أنه أمام مكافح صلب، يصعب عليه التحكم فيه، وادارة موقفه النفسي، ويصعب عليه (التفاهم معه) سيلجأ إلى أساليب مختلفة عن تلك التي اتبعها مع المناضل الصدفي لأن المناضل المحترف سيجتازها بسهولة وبنجاح تام ، مما يعزز معنويته ويشوش خطط المحقق.

 وهنا لا بد للمحقق من اللجوء إلى العمل المكشوف، ويبدأ في محاصرة المعتقل عن طريق تقديم الأدلة والبيانات والبراهين (وهذا يساعد المناضل على معرفة حجم التهم الموجهة له ونوعية الأدلة ضده فتفقد رهبتها بدلاً من أن تظل سراً) فخلاف المعتقل الصدفي الذي تكفي إشارة من بعيد إلى إحدى تصرفاته النضالية أو حتى الشخصية حتى يعترف، فإن المناضل المحترف سوف يجتاز هذا الأسلوب ويفوته ويدفع بالمحقق لكشف كل أوراقه واحدة واحدة إلى أن يفرغ كل ما في جعبته ويقف أمام المعتقل عارياً إلا من عصاته.

أي أنه يمارس كل ما من شأنه زيادة الهوة بينه وبين المعتقل الصامد دون أن ينجح في خلق أي صورة من صور التعاون وبالتالي دون أن ينجح في وضع المعتقل في المسار الذي يؤدي به الى الانهيار.

إن المعتقل المحترف يعي ما يقوم به، ويعي ما يواجهه، ويعتبر نضالاته ونشاطاته واجباً ملزماً، كما يفهم أن خدماته النضالية عاملاً من عوامل تحقيق أهداف الحزب والطبقة التي يمثلها والشعب الذي ينتمي إليه، وهو مشبع فكرياً وعقائدياً، وهكذا فإنه يمثل قطباً قوياً أمام المحقق، وان عمق ارتباطه وعقائديته سوف تجعله ينتصر في عملية الصراع إذا استمر على صلابته، مع معرفته بأساليب التحقيق واستعداده لها بكل عنفها وقسوتها.

وهو اذا أدرك أنه أثناء التحقيق يخوض صراعاً عنيفاً بين ما يمثله كاتجاه سياسي وبين ما يمثله رجل التحقيق كاتجاه سياسي آخر فإنه سينتصر حتماً لأن النصر حقاً للأقوى عقائدياً فيهما مهما كانت البنية الجسدية.

ولا بد من الاشارة قبل كل شيء إلى أن المعتقل المحترف بخلاف معتقل الصدفة لا يفكر مطلقاً بمصيره الشخصي، ولا يعتبر مجرد وقوعه بين أيدي المحققين (ورطة لا خلاص منها)، انه يعتبر التحقيق، ومعركة التحقيق والصمود البطولي فيها، استمراراً لوضعه الكفاحي ولانتمائه النهائي الذي اختاره وارتبط فيه نهائياً وبلا عودة.

وفي هذه الحالة فإن مواقف المعتقل أثناء التحقيق تتضمن ليس نجاته الشخصية فحسب، بل كونه مدافعاً صلباً بجسده ولحمه ودمه عن رفاقه وحزبه دون أن يشي بهم أو ينبس بكلمة واحدة تلحق بهم الضرر وتؤدي بهم الى الوقوع بين أيدي المحققين. وكثيرون هم الذين أباحوا أجسادهم حتى النهاية، حتى الشهادة دون أن يقولوا كلمة واحدة تسر خاطر الجلاد، أو تكشف سر من أسرار الحزب، ومنهم من تعرض الى تشويهات فعلية يعتبرها وسام شرف، وشهادة صمود وبطولة، وليس أشرف من أن يقضي المرء شهيداً في الدفاع عن الحزب وأسراره وما يمثله.

 إن الاستشهاد البطولي في التحقيق هو قمة المجد والشرف الثوري للمناضل والحزب والثورة، ورمزاً شعبياً لا ينسى.

يغذي المواطنين والرفاق والثورة روحيا، ويزيد من سخط الجماهير واستعداداتها للتضحية والعطاء ويقدم نموذجاً رائعاً للبطولات الثورية. ولا يزال ابو عكر الذي استشهد في المسكوبية سنة 69 والخواجا الذي استشهد سنة 76 في زنازين رام الله منارة يهتدي بها أمام المناضلين الحقيقيين.

ومن الجدير ذكره هنا أن التحقيق ليس مأمون العواقب دائماً من ناحية الأضرار الجسدية وتلك الاضرار ليس من نصيب الصامدين فقط، وهناك معترفين، بل منهارين تماماً تعرضوا للأضرار ولم تحمهم أضرارهم من نتائج اعترافاتهم. وبالمقابل فإن معتقلين جرحى، أو حتى مصابين اصابات خطيرة قد استعملت معهم أبشع وأقسى الأساليب بما فيها التعذيب في المناطق المصابة وتوسيعها، دون أن يفوه الواحد منهم بحرف واحد.

 وقد غيب أحد الجرحى اسمه الحقيقي، وطبيعة مهمته التي دخل البلاد متسللا من أجلها، ولم يدل بأي شيء عن أعضاء مجموعته رغم أنهم استخدموا جراحه وكسوره كنقاط ضعف، وخرج المحققون بالنتيجة المفجعة لهم (لورتسي لدبير)، أي لا يريد أن يتكلم، وخرج وهو بطل عظيم وقد صان شرف الحركة الوطنية وحمى رفاقه.

ان البطولة تتجلى في الأوقات الصعبة ولو بعمل بسيط، و ان بطولة التحقيق فخر لا يوازيه فخر حينما يقاسي المناضل شتى ألوان العسف والقهر والتعذيب و لمدة طويلة ويظل ثورياً وبطلاً وفي صف الشعب، دون أن يكل أو يمل، دون أن ينبس ببنت شفة.

قلنا ان المعتقل المحترف يلحق هزيمة ساحقة بخطط وأساليب المحقق التي تعتمد على إثارة العاطفة، ودفع المعتقل للتفكير بمصيره الشخصي، أو ايقاعه بخدع وحيل، مما يضطر المحقق للكشف عن أوراقه والعمل على محاصرة المعتقل عن طريق تقديم الأدلة والشهادات الثبوتية، وربما جلب اشخاص معترفين أو غير معترفين للادلاء بشهادات بطريقة من الطرق قريبة أو بعيدة عن القضية، أو جلب الأهل والأقارب وخاصة النساء، غير أن المحقق سوف يظل يسعى إلى خلق التعاون الهادف، ولذلك وكلما وقف المعتقل بصلابة عند مسألة من المسائل كلما دفع المحقق لتجاوزها أو تأجيلها أو حتى اغلاقها نهائياً، وتظل العملية تجري على هذه الصورة و ضمن سياق الى أن يستنفذ المحقق كل وسائله ويعلن فشله.

 واذا ما جرى استبدال أحد المحققين أو مجموعتهم فإن عمليات التحقيق التالية والتي في الغالب تعتمد على الارهاب والقسوة لا تكون أكثر من اجراءات استكمالية إما على سبيل التجربة مره أخرى، أو حتى تكون اجراءات التحقيق معززة من مجموعة من الأفراد.

ان المحقق غالبا لا يستخدم أساليب التعذيب المختلفة من أجل التعذيب فقط ، بل يستخدمها ضمن سياق وخطة من أجل ارغام المعتقل على التعاون معه. ان هدفه النهائي من التعذيب بشتى أشكاله وصوره هو خلق الجو النفسي الملائم للحصول على المعلومات، ولذا فإنه عندما يلاحظ أن المعتقل يقدم معلومات مهما كان طفيفة، أو حتى مجرد ينصاع للأوامر فإنه سوف يعتبر أسلوب التحقيق المتبع مجدياً ويعززه.اما عندما يجابه بالصمود النهائي وبدون تعاون فانه سيلجأ الى أساليب أخرى، معنوية ونفسية (وربما مصحوبة بالضرب والصلب، والتجويع) وجملة من الحيل والألاعيب التي تشكل ممارستها حسب اعتقاده عاملاً مساعداً. وبمعنى آخر فإن المحقق يجرب كافة الأساليب التي بين يدي بغية الوصول الى نتيجة واحدة وهي الحصول على الادانات والمعلومات عبر خلق جو التعاون وتقليص الهوة بين موقفه كسلطة وموقف المعتقل كمناضل ودفعه نحو الانهيار.

 وأجهزة التحقيق عبر ممارساتها الطويلة وخبراتها المكتسبة أو المستوردة من أجهزه قمعية أخرى، قد اكتسبت خبرة واسعة النطاق وأدخلت أساليب مدروسة، وأدخلت العلم والتكنولوجيا وكل الامكانيات المتاحة بغية دفع المعتقل على تحريك لسانه والتلفظ بالكلمات الثمينة. غير أن كافة الأساليب المتبعة لم تنجح نجاحاً قاطعاً، وقد كشفها المعتقلون وكشفوا أدوارها الزائفة، ولم تتمكن كل هذه الأساليب من ايصال المعتقل المحترف الصامد والشريف الى حالة التعاون.

فالمحقق بالأساس يريد معلومات صحيحة ومفيدة، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا عندما يكون المعتقل في حالة من الوعي تكفي لذلك. ولذا فإنه لم تتم حالة واحدة في التحقيق أفشيت فيها الأسرار تحت التخدير أو في حالة الغيبوبة، وأن المئات تعرضوا لحالات الغيبوبة أثناء التحقيق ولم يدلوا بحرف واحد يؤثر عليهم، واذ كانوا قد تعاونوا مع محققين فليس أثناء الغيبوبة حيث لا يسمع الانسان ولا يحس بما حوله. مع ان  المحققون يلجأون الى خداع المعتقل وايهامه بأنه قال كل شيء أثناء الغيبوبة وقد يستشهدوا ببعض المعلومات التي يعرفونها، ولكنهم بقدر ما ينجحوا مع بعض البسطاء فقد فشلوا بكل الحالات، وأساساً فإنهم ينشغلوا أثناء غيبوبة المعتقل لإعادته الى رشده.

 ونضيف هنا أن كل حالات الاعترافات التي وقعت هي حالات واعية كان بإمكان المناضل أن يتجنبها بنجاح تام لو أنه أكثر ثباتاً وتصميماً و معرفة ودراية، بل لو كان أكثر عناداً بقليل.

إن المحقق لا يستطيع أن يعرف المدى الذي وصلته نفسية المعتقل أثناء التحقيق سوى تخميناً (أو إذا هو كشف عنها) ولا يستطيع أن يعرف ما إذا كان يفكر بالصمود حتى النهاية، أو يفكر بالاعتراف والخلاص من أقبية التحقيق، كما أنه لا يستطيع أن يدرك الاتجاه الذي تسير فيه آثار عملية التحقيق من جانب المناضل سوى ما يلحظه من صمود أو تردد أو انهيار، ولذا فإن ضابط التحقيق يكون باستمرار في حالة تشكك من الأسلوب الذي اتبعه، ومدى نجاعته، والى أي مدى يمكنه الاستمرار في استخدامه، وبأي كيفية، أي أن الحالة النفسية للمحقق لا تكون عادية أثناء التحقيق بل في حالة تردد مما يضطره لاستشارة مسؤولية باستمرار، فهو يتصرف وفقاً لأوامر مضبوطة ومدققة من جهات أعلى منه لا تشترك مباشرة في التعامل مع المعتقل بل تتبع أخبار التحقيق من خلال تقارير آنية أو دورية، والمحقق مطالب بالنجاح، واستخدام أساليب محددة، ولكنه لا يستطيع أن يدرك أثرها على نفسية المعتقل إذا صمم المعتقل على اخفاء ردود فعله وافتعال ردود فعل أخرى، أو أظهر ردود فعل تدلل على صلابته.

وليست قليلة هي الحالات التي يفلس فيها المحقق ويلجأ للترجي والاستجداء، والاستعداد التام لتقديم كل ما يلزم من جانبه للحصول على أي شيء، للحصول على أي ادانة أفضل من الفشل التام. وليس غريباً أن نقول أن بعض السذج قد وقعوا في هذا المطب، وساعدوا المحقق الانساني المسكين!

ولا بد من القول أن الحالة النفسية والانفعالات ومجموع العواطف والأفكار التي تتفاعل في ذات المعتقل، تملك أثراً كبيراً على وضعه، وسوف تملك أثراً أكبر فيما لو كشفها بطريقة من الطرق للمحقق الذي يحاول وباستمرار، وباستخدام كل ما لديه من مهارة لمعرفة الانفعالات والعوامل الداخلية المؤثرة على المعتقل والتنبؤ بها، حتى يستطيع استخدام أنجع العوامل الخارجية للتفاعل معها.

 والمحقق يعتمد في ذلك على فرضيات ونظريات يحاول تفحصها في شخصية المعتقل ومن ثم اتباع الأساليب المقابلة، وهنا بإمكان المعتقل أن يضلل المحقق اذا لزم الأمر وخاصة اذا انصرف كلية عن التفكير في شؤونه الخاصة وأولاده وبيته وأمه. واذا ما كان واقعياً، وتعامل مع نفسه وظروفه على أنه في مناخ تحقيق سوف ينتهي يوماً، ويجب أن ينتهي دون تساقط فإنه سيخدع المحقق، الذي بدوره وضع فرضيات خاطئة عن حالته النفسية، وتبعاً لذلك يتصرف تصرفات خاطئة تقوده إلى الفشل المحتم.

 هذه الاحتمالات المذكورة أعلاه، ونتيجة لطول تجربة المحقق، واستخدام معطيات العلم، تدفع المحقق الى القيام بنشاطات وحركات، وسلوكات، و اتباع أساليب من شأنها أن تخلق حالة نفسية معينة (كالخوف مثلاً) اذا قدر له أن ينجح (فالهجوم الذي يقابله هجوم مضاد عبر عملية الصراع يستدعي هجوم جديد) واذا نجح في خلق الحالة النفسية المرجوة يكون قد سار بالتحقيق على الطريق الذي يريده الا اذا تنبه المعتقل وطعن خططه.

 ان من أهم نقاط الانطلاق لدى المحقق في ذات المعتقل، ووسائله في ذلك هي تجريبية، وتعتمد على استجابات وردود فعل المعتقل، فالمحقق في جميع الحالات لا يستطيع تحديد الحالة النفسية أو خلقها إلا اذا تجاوب المعتقل مع المحقق بكيفية معينة وأبرز جملة من الممارسات والسلوكات التي يدرسها المحقق، ويحاول أن يتعرف على بواعثها النفسية.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.