خواطر من وحي الحَجْز المَنْزِلِي، الطاهر المعز

(1)

استهتار الولايات المتحدة بمواطنيها الفُقراء

فاق العدد الرسمي المَعْلُوم لحالات الإصابة بوباء “كوفيد 19”  قرابة 1,78 مليون، فيما فاق عدد  الضحايا سبعين ألف حالة وفاة، يوم الأحد الخامس من نيسان/ابريل 2020، في المستشفيات، من بينهم أربعين ألف في قارة أوروبا، وقد يعود ارتفاع العدد في أوروبا عائد إلى الدّقّة النسبية للحسابات، لأن العديد من البلدان لا تقوم بالإختبارات، وأحصت منظمة الصحة العالمية 243300 حالة شفاء من الوباء.

أنكر الرئيس الأمريكي، لعدة أسابيع حقيقة انتشار الوباء، وكان يُسميه، باستخفاف، “الفيروس الصّيني”، إلى أن فاق العدد الرسمي لحالات الإصابة ثلاثمائة ألف، والعدد الرسمي لحالات الوفاة عشرة آلاف، من بينهم 4200 في مدينة “نيويورك” لوحدها، لغاية يوم الأحد 05 نيسان/ابريل 2020، وقد يكون العدد الحقيقي أعلى من ذلك بكثير، بحسب وكالة “أسوشيتد برس”، ويتوقع مدير المعهد الوطني للأمراض المعدية أن يرتفع عدد حالات الوفاة، خلال الأسبوع الثاني من شهر نيسان 2020…

تُؤَثِّرُ الأمراض في الفُقراء أكثر من غيرهم، بسبب انخفاض الدّخل وما ينجم عنه من سُوء ظروف السكن والتغذية والرعاية الصحية، وغير ذلك من ظروف العيش، وتسبب انتشار وباء “كوفيد 19” في إضافة مليون شخص إلى عدد الفُقراء في الولايات المتحدة، قاطرة الإقتصاد الرأسمالي وصاحبة الرقم القياسي في الإنفاق على الجيش والسلاح والحُرُوب العدوانية، وعمّق الوباء الفجوة الطبقية، بسرعة، خلال ثلاثة أسابيع، بسبب التسريح المُكثّف من العمل ( حوالي 3,3 ملايين عاطل جديد عن العمل خلال أسبوع واحد، من 23 إلى 28 آذار/مارس 2020)، وارتفع عدد العاطل عن العمل، غير المسجلين في مكاتب العمل، إلى قرابة عشرة ملايين، خلال الأسبوعَيْن الأخيرَيْن من شهر آذار/مارس 2020، ويلتجئون إلى الجمعيات الخيرية للحصول على الغذاء، لأنهم أصبحوا بدون دَخْل، مع التذكير أن عدد الفُقراء الأمريكيين يفوق 43 مليون شخص، بنهاية سنة 2019، في موطن “النيوليبرالية”، حيث لا يتمتع عشرات الملايين من المواطنين بالتأمين الصحي والإجتماعي، وارتفعت دُيُون الأُسَر، واستدان الكثير من أجل العلاج، وحيث تُحول الدولة اتجاه المال العام (2,2 تريليون دولارا)، من الفُقراء والأُجَراء، إلى الأثرياء والمصارف والشركات الكبرى.     

(2)

ضيّقَت الولايات المتحدة الخناق وشَدّدت الحصار ضد إيران وفنزويلا، زمن الوباء، ودعمت بعض دول أوروبا (بلغاريا ورومانيا وبولندا…) الموقف العدواني الأمريكي، عبر احتجاز  شحنات أدوية وتجهيزات طبية مُوجّهة إلى إيران، ولم تتضامن دول ومؤسسات الإتحاد الأوروبي، ولا حلف شمال الأطلسي (ناتو) مع الشعوب الأوروبية المنكوبة في إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، فيما تضامنت معها كوبا بإرسال عشرات الأطباء (أربعين طبيب كوبي إلى إيطاليا) وتضامنت معها الصين وروسيا، عبر إرسال مُعدّات صحية وأطباء، لكن أوروبا الإستعمارية “اللّئِيمَة” سارت وراء الولايات المتحدة، ووافقت على تشديد العُقوبات ضد كوبا وإيران وفنزويلا وسوريا وغيرها…

قتلت “الحُمّى الإسبانية” بنهاية الحرب العالمية الأولى عشرات الملايين (سنتَيْ 1918 و 1919)، وتقتل الأنفلونزا كل سنة حوالي 600 ألف شخص في العالم، خصوصًا في فصل الشتاء. أما وباء “كوفيد 19” فلا يزال متواصلاً ويعْسُرُ حَصْرُ عدد الضحايا، لأن الأرقام المُعْلَنَة تقل كثيرًا عن الأرقام الحقيقية، في الوقت الحالي.

تسببت سياسات التقشف في انخفاض المخزون الإستراتيجي للدول من الأَمْصال واللقاحات والكمامات والأقنعة وأجهزة التنفس وغيرها، لأن صندوق النقد الدولي (والحكومات) يعتبر تخزين المُؤَن والمواد الإستراتيجية، تجميدًا لأموال وجب إنفاقها لتستفيد منها الشركات متعددة الجنسية، وأد تطبيق برامج “الإصلاح الهيكلي” إلى نقص حاد في الأقنعة والكمامات، في أوروبا وأمريكا الشمالية، وإلى اضطرار هذه الدول لاستيراد المُعدّات من الصّين، التي أعلن الرئيس الأمريكي عليها الحرب التجارية، وافتكّ الجيش الأمريكي بالقوة، تجهيزات صينية كانت موجهة إلى فرنسا وألمانيا، وتم تحويل وجهتها نحو القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في العالم، وإلى الولايات المتحدة…

شكّل انتشار الوباء امتحانًا للتقسيم العالمي للعمل، وللتبادل غير المُتكافئ، كما يُشكل فُرصَةً للرأسمال الإحتكاري لإعادة هيكلة العديد من القطاعات الإقتصادية، في فترة وجيزة، بهدف خفض التكاليف، وتعاقدت الشركة العابرة للقارات مع شركات صغيرة في الصين والهند وماليزيا وفيتنام والفلبين وغيرها من بلدان آسيا، وأدّى إغلاق الحدود إلى شُحّ العديد من المواد المُسْتَوْرَدَة، ومن بينها المواد الغذائية  (مثل الأرز في بلدان جنوب شرقي آسيا) التي تخصصت بعض الدول الفقيرة في تصديرها إلى الدول الغنية، ما حَوّل صغار المُزارعين، من زراعة المواد الضرورية لحياتهم اليومية، إلى عمال زراعيين أو إلى مُزارعين من أجل تلبية طلبات أوروبا وأمريكا الشمالية، وانتشر الإنتاج المُعدّل وراثيا والمُلَوّث بالمُبيدات، في جميع أنحاء العالم، كما أعلنت الدول الغنية المُصدرة للحبوب (روسيا والولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي)، ودول أخرى مُصدّرة للإنتاج الزراعي (كندا وتشيلي ونيوزيلندا وغيرها)، إلى إعادة تنظيم أو تعليق تصدير إنتاجها…

في الولايات المتحدة، نُذَكِّرُ مُجَدّدًا بوضع القوات المُسلّحة والحرس القومي في حالة تأهُّب لقمع أي احتجاج قد يقوم به الجائعون من فُقراء أمريكا، وسبق أن قمعت هذه القوات (العائدة من العراق) الفقراءَ المنصفين في خانة “العدو الدّاخلي”، سنة 2006، خلال فترة رئاسة “جورج بوش البن”، في “لويزيانا” و”نيو أورليانز”، لحماية المتاجر الكُبرى التي نَهب منها الجائعون المواد الضرورية، بعد الفيضانات التي سببتها عاصفة “كاترينا”…

انتشر الجيش، ومعداته، في شوارع العديد من المدن العربية، من المغرب إلى العراق، ولا أَظُنُّ أن هذه الجيوش دُرِّبَتْ لكي تُدافع عن الوطن، أو لكي تُحرّر فلسطين، بل لقمْع “العدو الداخلي”، فحذار من شعارات “الوحدة الوطنية”، عندما تُسْتَخْدم في غير محلها، ولخدمة الأثرياء الذين ينحصر وطَنُهُم في حساباتهم المصرفية وفي مُعدّل الربح الذي يحصلون عليه من استغلالنا ومن اضطهادنا، باسم “المصلحة الوطنية”…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.