قصيدة: بغــداد، شعر عبداللطيف مهنّا

سبعة عشر عاماً مرت على غزو العراق واحتلال عاصمة الرشيد.. القصيدة أدناه القيتها في مهرجان الشعر العربي الثاني والعشرين في بغداد 26.28.1.2001، أي إباَّن الحصار وقبيل الغزو، وحيث جئتها لأول وآخر مرة في رحلةٍ نظَّمها اتحاد الكتاب العرب تحدياً للحصار وفي سياق محاولات كسرة.. اليوم، وبعد كل هذه السنين المريرة التي كابدها العراق ولا يزال، وقتامة وهول راهن سائر ربوع الأمة، لو أنني تصادف وأن أكتبها لأول مرة لما كانت قد اختلفت عن سابقتها بحرف واحد ولما وجدتني قد بدَّلت فيها تبديلا..

العُنْفُوانُ إذا جافاكِ يَنْعَدِمُ
وَسَيْفُ يَعْرُبِ إنْ أُغْمِدْتِ يَنْثَلِمُ
جِئْناكِ نَحْدو هُمُومَ العُرْبِ قاطِبَةً
واسى عِنادُكِ يا بَغْدادَ مَنْ قَدِموا
وإنْ شَكوْنا فَمَا تَشْكينَ شامِخَةً
يا “لاء” أُمَّتُنا في عَصْرِ مَنْ هُزِموا
يا نَكْهَةَ المَجْدِ يا أمْسَ الأُلى مَكَثُوا
فينا أواراً سَمَتْ مِنْ هَدْيِهِ القيَمُ
حَيَّيْتُ فيكِ بَني العَبَّاسِ مُلْتَمِساً
طَيْفَ الرَشيدِ فأبْدى ظِلَّهُ الشَمَمُ
ما أنْتِ مَنْ حاصَروا بَلْ أُمَّةٌ خُذِلَتْ
مُذْ سادَها الدُّونُ، يا لِلدونِ إنْ حَكَموا
ما أنتِ مَنْ جَوَّعوا بَلْ أُمَّةً هَزُلَتْ
أحوالُها فاسْتَباحَت ساحَها الأمَمُ
مُذْ غَيَّبوها عُقوداً شابَها وَهَنٌ
فاسْتَفْرَدَتْنا بُغَاةٌ ظُلَّمٌ لَمَمُ
يُضَمِّدُ الجُرْحُ جُرْحاً لا انْدِمالَ لَهُ
فالنَّزْفُ ثَرٌّ ولَيْسَ الجُرْحُ يَلْتَئِمُ
باعوا فلسطين والبازارُ مُنعَقِدٌ
أكْنافُ قُدْسُكِ يا بَغْدادُ تُلْتَهَمُ
فالدُّونَ تاهوا وتاهَ الدَّرْب فانْحَرَفوا
وضَيَّعوها، أضاعَتْ قُدْسَنا “اللعَمُ”
مَهْما انْحَنَوا لِطُغاةِ الغَرْبِ أو رَكَعوا
لَنْ يَدْرَؤَوا البَغْيَ أو مِن ذُلِّهِمْ سَلِموا
إنْ فاوَضوا فَرَّطوا، إنْ عانَدوا خَضَعوا
شأنَ العَبيدِ إذا ما هَمهَموا لُطِموا
خَوارِجٌ نَحْنُ يا بَغْداد مُذْ سَقَطوا
نُصارِعُ الكَوْنَ حَتى يُرْفَعُ العَلَمُ
عِشْنا بَراءً مِن المَهْزومِ نَخلَعُهُ
مُتْنا أُباةٌ إلى التَّحْريرِ نَحْتَكِمُ
نُرابِطٌ الدَّهْرَ حَدَّ الحُلْمِ نوقِظُهُ
ولا نُبالي بِمَنْ أحْلامَهَمْ رَدَموا
نُعاهِدُ الدَّهْرُ حَدَّ السَيْفِ نَشْحَذُهُ
لا مِنْ خيارٍ سِوى التَّحْريرِ نَلْتَزِمُ
بَغْدادُ لا تَحْزَني الأيَّامُ دائِرَةٌ
والحَقُ يَعْلو، هو التاريخُ يَنْتَقِمُ
شَعْبٌ الشَّهادَةِ يُزْري المَوْتَ، آيَتُهُ
حَجارَةُ القَهْرِ تَخْشى غِلَّها الحَمَمُ
والعادِياتُ إنْ غَشَتْ أو جَلَّ غادِرُها
أذْكَتْ عِناداً فَرَدَّت كَيْدَها الهِمَمُ
في الشَّامِ أهْلوكِ يا بَغْدادُ شيمَتُهِمْ
فَنُّ الصُّمودِ على التحريرِ قَدْ عَزَموا
زِنْداكُما رَوَّضَ التاريخَ ما التَقَيا
وَدونَ ذلكَ لَيْسَ الحالُ تَنْتَظِمُ
إنْ شِئْتُما شاءَ، عادَ النّيلُ سيرَتَهُ
والعَوْد أحْمَدُ، إنَّ النّيلَ يَضْطَرِمُ
لِدِجْلَةَ الخَيْرِ يا بَغْدادُ دَيْدَنُهُ
دَفْقُ الخُلودِ يُساقي فَيْضَهُ القِدَمُ
وأُمَّتي إنْ كَبَتْ لا تَنْحَني أبَداً
مِعْطٌاءةٌ حيَّةٌ ما مَسَّها عَقَمُ
وجْدانُها مُتْرَعٌ بالرَفْض ما بَرَحَتْ
فيها تَمورُ وعودٌ سَيْلُها عَرِمُ
إنْ هَزَّها مِنْ دواعي الضَّيْمِ نازِلةٌ
رَجْعُ الحَميّةِ في شَنْقِيطَ يَحْتَدِمُ
هل وَحَّدَ القَوْمَ غَيْر الحُلْمِ هَدْهَدَهُ
الهَمُ والضَيْمُ والأتْراحُ والألَمُ
كُنَّا بدأنا مَعَ التَّاريخِ سيرَتَهُ
يا لَيْتَنا بالذي كُنَّاهُ نَعْتَصِمُ
أُخْتَ الصُّمودِ سلام العُرْبِ قاطَبةً
حيَّا صُمودَكِ يا بَغْدادُ مَنْ قَدِموا