الفكر الإخواني .. كمشروع تفكيك خادم للأطماع التركية، السيد شبل

الفكر الإخواني .. كمشروع تفكيك خادم للأطماع التركية

السيد شبل*

يكتشف المتابع لسيرة جماعة الإخوان أنها تستّرت بفكرة الأممية المبنية على وحدة الدين لمناهضة انتماء أبناء شعبنا في العالم العربي لمجتمعاتهم وأوطانهم، فتاجرت عبر ورقة “عالمية الدعوة” لنفي الانتماء القومي، وسعت جاهدة إلى تشويه سمعة الدعوات والأفكار التي تجذّر من انتماء الفرد إلى أرضه، كما تابعت على نفس النهج لهدم أي محاولة لتوحيد أبناء تلك الأرض العربية في كيان واحد، وكما هو معلوم فبدون تماسك أوطاننا ووحدتنا كعرب، فإننا نصبح جميعا وجبة دسمة تثير شهية أي قوة طامعة.

والحقيقة أن هذا النهج الإخواني الذي امتطى ظهر العاطفة الدينية ووظفها لم يكن يستهدف عمليًا سوى خدمة 《القومية التركية》، وقد كشف هذا الهدف عن نفسه تماما في العقود الأخيرة، أي أن تلك الجماعة لم تكن تبتبغي أي شكل من أشكال العالمية، حسب زعمها، بل استهدفت إضعاف ثقة العربي في ذاته، لصالح التركي، وحكمت على وطنيتنا نحن وقوميتنا نحن بالكفر والتحريم، وكان هذا تمهيدًا لقبول سيادة الأتراك على المنطقة، عبر توفير المقومات النفسية والفكرية لذلك.

ويمكن أن نستدل على ذلك ببساطة عبر الإشارة إلى تركيز مفكري الجماعة على تمجيد “الخلافةالعثمانية”، وليس أي “خلافة” أخرى كان مركزها الوطن العربي كالفاطمية أو العباسية أو الأموية، ثم عبر رصد هوس أعضاء الجماعة بدراسة اللغة التركية وولعهم بالتاريخ التركي ومتابعتهم المكثفة للفن التركي، رغم تحريمهم للفنون فيما مضى، بما يكشف أننا بصدد جماعة غير عالمية وأبعد ما تكون عن أي طرح ديني أممي، وإنما جماعة شوفينية بامتياز، لكنها، كما أوضحنا في مقال سابق: “شوفينية العبيد”، أي أنها تشبه الشخص الذي يُفتتن لدرجة التعصب لكن ليس بوطنه وتاريخه وإنما بوطن آخر وتاريخ لا يخصه. وإن كانت الشوفينية فعل رجعي ويتسم بالحماقة عموما، فإنه في هذه الحالة يتسم بالرجعية والحماقة مضافا إليهما المهانة ومذلة النفس.

ولقد أحسن العثمانيون الجدد في تركيا استخدام الإخوان في تحقيق مآربهم التوسعية في جميع البلدان العربية، بما يتفق تماما مع الأجندة الغربية، كما استخدموهم أيضا في مناطق مشتعلة لخدمة أغراض أمريكية، كما حدث في أفغانستان والقوقاز ويوغوسلافيا أو في شينجيانج شمال غربي الصين.

وبعيدا عن ضبابية ولا واقعية فكرة الوحدة المبنية على مجرد الدين من الأساس، فإن المتأسلمين بدورهم آخر من يستطيعون تحقيقها، والسبب هو ببساطة أفكارهم الطائفية والمذهبية والمتعصبة، والتي ستنتهي بهم إلى تكفير وتفسيق وتبديع شركائهم في ذات الدين، أي أنهم بذلك ليسوا فقط دعاة تخريب وتفكيك على المستوى الوطني، وإنما على المستوى الثقافي الديني أيضا، وهذه نقطة رغم وضوحها إلا أنه يتم تجاهلها في العادة.

فإقامة علاقات تضامنية وتآزرية بين الدول التي يشكل نفس الدين جزءا مركزيا في ثقافتها أمر يحتاج إلى انصراف عن العقليات الدينية المتعصبة وقدر من التفكير العملي والقائم على المصلحة، لكن العقليات المتزمتة تفكر وفقا لمذهبها وفقهها الخاص، وبالتالي ستجر العلاقات من دوائر التعاون المفترض إلى دوائر النشاط التبشيري أو التناكف والصراع، كما أن التعصب لا يمكّن صاحبه من التفكير بشكل واقعي ودنيوي وعملي، وبالتالي هيهات له أن يدرك أهمية التكتل والتضامن، وسيفضّل الإخلاص لما “يعتقد أنه خلاصه في الآخرة” على حسابات الدنيا التي تشترط البحث عن المشتركات والتكاتف من أجل حياة أفضل .

:::::

*كاتب وباحث السياسي

المصدر: صفحة الفيس بوك للكاتب

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.