“كنعان” تتابع نشر كتاب “فلسفة المواجهة وراء القضبان”، تأليف: محمود فنون، الحلقة (8)

 الحالة النفسية : هي شيء ما داخلي يظهر من خلال تقاطيع الوجه وتقلباته، وطريقة النطق والتعبير وتصرفات وكلمات وردود فعل ميكانيكية أو آلية، وعلى ذلك فإن اخفاء الحالة النفسية الحقيقية أمر ميسور، خاصة اذا حافظ المعتقل على توازنه، ومظهر وجهه ما أمكن أو امتنع عن استجابات، أو قاطع المحقق في الأحاديث التي يدلي بها، أو منع نفسه من الانخراط في مظاهر الانفعال التي يتعمدها المحقق، أو رد بسخرية أو بفظاظة على تصرفات أو كلمات المحقق، أو استخدم نفس الردود على الأسئلة المتنوعة ( كأن يقول باستمرار لا أعرف ولا يهمني ذلك ) ان ردود فعل كهذه سوف تربك المحقق وتضعه في دوامة.

 وتجدر الاشارة هنا أن كافة أساليب التحقيق ( التي سنذكرها فيما بعد)  تهدف بالأساس الى خلق نقطة انطلاق، ينطلق منها المحقق بنسق معين للوصول إلى حالة ملائمة لبداية مرحلة التعاون والاعتراف. فحتى الأساليب الجسدية والنفسية والعصبية أو أية أساليب أخرى من أساليب الارهاب والتعذيب، يراد منها الوصول الى هذه البدايات، ومن ثم الحصول على المعلومات.

وليست نادرة الحالات التي فشل فيها المحققون، ولجأوا صراحة إلى الاعلان عن مطالب محددة، (أريد ادانة، أريد معلومات عن التنظيم وأنا على استعداد لانهاء التحقيق. ان كل ما قيل حتى الآن لا يشكل لك مجرد ادانة تحاكم عليها، نحن مقتنعون أنك مدان بأشياء كثيرة، أعطنا ادانة بأية شكل ومهما كانت كاذبة وغير صحيحة ومختلفة عن الواقع وسوف نتركك) ويستمر ضغطهم وتعذيبهم من أجل الحصول على الادانة ولو كانت بكلمتين (أنا منظم) وينتهي التحقيق اذا كانوا لا يأملون بشيء آخر، أو يبدأون من جديد اذا اعتقدوا أن هذه بداية جيدة.

وغالباً ما تحصل هذه الحالة في المرحلة النهائية من التحقيق، فإذا استمر صمود المناضل يوماً آخر فإنهم سيتركوه بعد تهديدات مرعبة وفارغة بالانتقام، وربما أودعوه السجن إدارياً لغم القدرة على محاكمته إذا كانت معلوماتهم عنه خطيرة. ولكن كل تهديداتهم وسجنهم لا يساوي شيئاً أمام الصمود الحديدي وحماية شرف الحزب وأعضاءه وصيانة شرف الثورة وقضية الشعب.

 ومرة أخرى على سبيل التأكيد فإن الادلاء بالمعلومات يعني إفشاء الأسرار والادانة وبالتالي الاضرار بالحزب والمناضل نفسه،

وفي السجون نماذج متعددة: أناس قدموا عن أنفسهم ادانات واعترافات عن أفعال لم يقوموا بها مطلقاً وحوكموا وأدينوا في المحكمة ومنهم من يقضي سجناً مؤبداً، ونماذج أخرى عن مناضلين اعترفوا بما قاموا به وتعرضوا للجزاء، وآخرين ناضلوا، ولكنهم كمّوا أفواههم في التحقيق وأصروا على الصمود وكانت النتيجة مختلفة. ان الصمود لا يعني فقط وسيلة للخلاص الشخصي من نتائج الاعتراف، فهذه نظرة ضيقة، بل ان عدم الافشاء بأسرار الحزب، والثورة يتضمن في نفس الوقت حماية الحزب وحماية المناضل نفسه، وهكذا فإن مصير المناضل في أقبية التحقيق يلتحم التحاماً عضوياً بمصير الحزب والثورة والوطن، هذا الالتحام الذي إن تعرض لأي خلل، وقعت النتائج على كلا طرفيه في آن معاً مهما كان هذا الخلل بسيطاً.

 ان المحققين الذين عرفوا بحكم أوضاعهم وتجاربهم أهمية الارتباط بين المناضل والحزب، بين مصير المناضل ومصير الحزب، يسعون بكل ما لديهم من وسائل لخرق الارتباط عن طريق ايهام العضو بأنه لا أهمية له من وجهة نظر الحزب، أو أن الحزب يضحي به من أجل سلامة القادة، أو أن هذا الحزب فاشل ولا يمثل طموحات الشعب… الخ

 وكل أساليب الدس الخسيسة من شأنها أن تدفع (فيما لو نجحت) بالمناضل للتفكير بشخصه لخلخلة ارتباطه الحزبي كمقدمة لعزله عن الاطار الذي يحميه. ان بضع كلمات كافية لشل هذه الأسلوب (لا أعرف هذا الحزب، لست منتمياً لهذا الحزب، ولا يهمني أمره) أو تمجيد الحزب رغم أنف المحققين، ومقاطعة المحقق وعدم اتاحة الفرصة له لنفث سمومه.

ايجازاً لكل ما سلف: فإن التحقيق هو عملية صراع بين قطبين متضاربين :

رجل التحقيق الذي يمارس كافة الأساليب المتاحة لارغام المتهم على الادلاء بما لديه من معلومات عن نفسه وحزبه وثورته.

 والمتهم مناضل محترف أو غير محترف، يتلقى أشكال التعذيب وأساليب التحقيق ويصمد أمامها ساعياً لتشويشها وافشالها، ويمارس دورا مؤثراً على عملية التحقيق لانهائها بنجاح، ودفع المحقق إلى ممارسات غير مجدية وبالتالي ايصاله إلى حالة اليأس من إمكانية الحصول على أية معلومات.

 تجري هذه العملية بين قطبين : من جانب المحقق وفقاً لمخطط يضعه وقابل للتعديل بحيث يتلاءم مع المعتقل والمراحل التي قطعها التحقيق معه، وطبيعة ردود فعله وصلابته ومواقفه ونوعيته، بهدف التأثير على المتهم وحالته النفسية والعصبية بغية خلق نفسية ضعيفة تمكن المحقق من الانطلاق منها نحو اخضاع المناضل وخلق حالة من التعاون بينه وبين محققه كمقدمة لانهياره وسقوطه.

ومن وجهة نظر المناضل: تجري العملية بردود فعل معينة وهادفة إلى افشال التحقيق والتأثير على المحقق وايصاله لإحدى قناعتين (اما أن المتهم بريء مما ينسب إليه، أو أنه صعب ولا يمكن ارغامه على الكلام).

ويستند كلا قطبي التحقيق على جملة من العوامل والدوافع التي تمتلك أثراً على صبر واستمرارية كل طرف. فالمحقق متأثر بقابلياته الشخصية ورضاه عن عمله، وحنكته ودرايته، والأساليب العملية والهمجية التي تعلمها. والرقابة التي تشرف عليه ونوعية علاقته مع مرؤوسيه ورؤسائه، وشخصيته بينهم، والتعبئة الخاصة التي تلقاها، وعمق مبدئيته وعقائديته، كما يتأثر المحقق بدوره في عملية التحقيق بوصفه السلطة أو ممثلاً عنها بالنسبة للمتهم.

أما المناضل فيتأثر بعدة عوامل: شخصيته الصلبة، وعدالة قضيته وقضية الطبقة والجماهير التي يناضل من أجلها وإيمانه بها، والتربية السياسية التي تلقاها، وكيفية تعامله مع المحقق، وثقته بنفسه، ووعيه، وحنكته في التعامل مع الآخرين ووضعه الاجتماعي، ودرايته ووعيه بمسائل التحقيق وأساليبه، والهدف القبْلي الذي يحدده للصمود في التحقيق والتربية التنظيمية والفكرية التي تلقاها.

وبين هذين القطبين تجري عملية الصراع، صعبة وقاسية، ويبدأ المحقق في البداية قيادة عملية الصراع والتحقيق ويسعى إلى:

1- أخذ وجمع كل ما يمكن من معلومات ومن أي مصدر كان، تتعلق بالشخص، وحياته ووضعه الاجتماعي وأهدافه الحياتية وطموحاته، ومواهبه وهواياته، واهتماماته ونوعية أصدقائه وثقافته ووعيه وخبراته ومزاياه في التحقيق… الخ من المعلومات التي يطلق عليها عادة المعلومات الاجتماعية أو الحالة الاجتماعية.

2- التعرف على المعتقل عن قرب، من خلال أحاديث قصيرة وأسئلة، والتعرف على بنيته وملامحه ومظاهر شخصيته العامة وربما حالته الصحية، أو أي أحاديث ممكنة في اللحظات الأولى، ويهدف المحقق لربط معلوماته وتكوين صورة متكاملة ما أمكن عن الشخصية المقابلة والتي سيبدأ معها الصراع العنيف قريباً.

3- يقوم المحقق بجولة أولى حول الموضوع كأن يبدأ بشروحات عن التحقيق وصعوبته ونصائح بالاعتراف. ويوهمه بأن كل شيء معروف وأن لا فائدة من الصمت… وربما يبدأ الأسئلة عن بعض الرفاق المعتقلين هل يعرفهم أم لا؟ وهل يعرف أنهم معتقلون أم لا؟ وأية أسئلة أخرى، والاستماع إلى إجابات المتهم أو أي كلام صادر عنه وتكوين فكرة عن الموقف في التحقيق، وتحضير أو بلورة خطة التحقيق معه ليجري التحقيق أو جولاته الأولى وفقها.

4- دراسة نتائج الجولة الأولى وما يتجمع من معلومات ومحاول التعرف على الحالة النفسية للمعتقل، وذكائه وسرعة بديهيته..الخ ودراسة الفرضيات التي يكونونها عن نفسيته وشخصيته لتقرير أساليب التحقيق اللازمة (ربما تجري هذه الخطوات الثلاث في نفس الجولة أو في نفس اليوم أو بطريقة أخرى).

ان المعلومات التي يحصل عليها المحقق في اللقاءات الأولى التي تبدو عادية، وليس لها أهمية خاصة، هي التي تشكل نقطة الانطلاق للتحقيق التالي، كما أن المحقق يحتفظ بها لاستخدامها في أي وقت يشاء، وربما من خلال الاستجوابات الأولية يحصل المحقق على معلومات عن أشخاص آخرين (إذا كان المناضل مطيعاً) كحالتهم، وضعهم الاجتماعي، نوعية لباسهم، الأطعمة التي يتناولوها، الصحف التي يقرأونها ، عن سلوك محدد في يوم محدد في مكان محدد، حدث عادي وقع للمناضل ومعه أفراد آخرين.

كل هذه المعلومات تدون وتحفظ وتستخدم عند الحاجة ضد الذي أدلى بها أو ضد آخرين، وربما تستخدم كوسيلة خداع ضدهم وكأن المحقق يعرف عنهم كل شيء. يبدأ المحقق في التعرف على الحالة النفسية للتأثير عليها، ووضع المعتقل في وضعية معينة لخلق نفسية معينة عبر جملة من الممارسات والأحاديث.

5- بعد التعرف وتقرير شكل التحقيق وخطوطه العامة وخطواته الأساسية يبدأ المحقق في استخدام وممارسة الأساليب اللازمة.

ويجدر ملاحظته هنا أن المعتقل الذي يعي دور وهدف وأساليب المحقق، يمكنه أن يربكه ويدفعه باستمرار إلى استخدام أسلوب آخر والضرب أو الشبح أو الصلب أو الإهمال  محطماً بذلك كل المخططات ، حيث أن اعادة المحقق إلى الضرب تعني اجباره على استخدام أبسط الوسائل (ضرب.. سؤال: تريد أن تتكلم أم لا… ضرب، تريد أن تتكلم أم لا… ضرب) ومن ثم عودة إلى الزنزانة. وعودة إلى التفكير بأساليب جديدة وكأن شيئاً لم يكن من التفكير والتخطيط السابق.

ان المحقق يلجأ إلى الضرب أو اللطم أو الشتم  كلما فشل في أساليبه، محاولاً تبرير ضربه (كنوع من التأثير) فمثلاً، يشرح للمناضل أنه لو تكلم لما ضربه، وفي أحيان أخرى يخلق مبررات سخيفة كأن يطلب من المتهم أن يقف، ومن ثم يستشيط غضباً ويسأله لماذا وقفت؟؟ وينهال عليه ضرباً لأنه وقف وربما يحاول ارغامه على أخذ سيجارة لأن قبولها يعتبر نوعاً من التفاعل الايجابي ويضربه إن رفض واذا لاحظ أن المتهم قبلها نتيجة الضرب فسوف يتشجع على استخدامه بوصفه عمل ناجع. أي أن أي أسلوب وأي سلوك مهما كان لابد وأنه يهدف إلى التعرف على الشخص، أو ايقاع أثر معنوي ونفسي وسياسي واجتماعي عليه.

 غير أن التوصل لايقاع مثل هذه الآثار يتم عبر جملة من الأساليب والممارسات التي تهدف في النهاية لا الى ايقاع الأثر الجسدي بعينه أو التشويه أو القتل، بل اخضاع المعتقل وخلق مناخ التعاون والانهيار ليدلي خلاله المتهم بالاعترافات.

فأساليب وسياسات التحقيق المختلفة والمتعددة ليست منفصلة عن بعضها البعض وهي إن استخدمت كلها أو بعضها، أو واحد منها يقوم بينها ترابط وصلات عميقة تكميلية أو تجميعية الأثر. فجهاز التحقيق يمثل وحدة واحدة مهما اختلفت أدواته، ومهما تعدد وتلاحق المحققون فهم يواجهون نفس الشخصية. وكذلك فإن طرفي التحقيق يحملون أهدافاً ثابتة: فأهداف المحقق وغاياته ثابتة وهي موجهة لمناضل، وأهداف المناضل وغاياته ثابتة وهي تخصه بالدرجة الأولى، ويواجه بها المحققين.

 أهداف المحققين نوعان:

 عامة وهي التي تهدف الى تحطيم الحزب السياسي المعادي من خلال أفراده الذين يقعوا بين يديه و استخدام أية معلومات منهم لمطاردة الحزب والتضييق عليه وقمعه.

 وخاصة: وهي التي تهدف الى الايقاع بالمتهم والحصول على اعترافاته واتخاذ الاجراءات ضده.

 وأهداف المناضل هي صيانة شخصيته النضالية الثورية وتجسيد استعداداته للتضحية خلال التحقيق، وترسيخ ارادة الصمود والصلابة لديه، وينتج عن ذلك حماية الحزب والثورة خدمة لهدفه السياسي وصيانته لعضويته كمناضل يخرج من محنته مرفوع الرأس منتصراً مبرهناً بذلك على قوه عقائديته أمام رجال التحقيق.

 وما دام التحقيق يسير بهذه الصورة، وأقطابه يحتلون هذه المواقع، والمناضل مصر على الصبر والصمود، فإن أساليب التحقيق المتنوعة تتداخل وتتوحد، وربما يجري اتباع أسلوبين أو ثلاثة أو أكثر في نفس الجولة وفي نفس السياق كأن يتعرض المعتقل للتعذيب الجسدي بغية النيل من نفسيته، وفي نفس الوقت اتباع أساليب نفسية أخرى كأن يحاول المحققون عقد صفقة مزيفة معه، أوتشكيكه أوتصغير قضيته أو تكبيرها..

ووحدة الأساليب تظهر من خلال الممارسات المتعددة التي تهدف الى فك الارتباط الداخلي العميق بين العضو وبين شعبه.  

فأسلوب التشكيك مثلاً يمارس والمناضل في وضع صعب، وتقديم أدلة ادانة وبدون تدخل محدد من المحققين تحت مظاهر متعددة ( صديق، انساني، مجرم، سفاح، وسط، مثقف) أي أنهم يستخدمون أسلوباً معيناً ويدعموه بعدد من الأساليب في محاولة لانجاحه. وسوف نتعرض الآن لجملة من الأساليب محاولين توضيحها كل بشكل منفرد لتسهيل الدراسة، ولبيان أثر كل واحد على الآخر، وآلية ممارسة كل أسلوب، وكيفية مقاومته مع العلم أن مقاومة وإفشال أساليب التحقيق ممكنة بطرق غير محدودة.

  1.  الأسلوب النفسي.

ب ) الأسلوب العصبي.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.