أرى في عينيك قشة ولا أرى في عيني خشبة .. واقع الجدل والتسويق للتمويل الأوروبي المشروط، خالد الفقيه

كتب الإعلامي خالد الفقيه : تدور حالة من الجدل في الشارع الفلسطيني منذ أواخر العام الماضي حول الاشتراطات الجديدة للإتحاد الأوروبي بخصوص تمويل المنظمات الأهلية الفلسطينية ورافق ذلك حالة من الإنقسام بين هذه المؤسسات بين من يرى بالتمويل المشروط إنقلاباً على إرث ومقاومة الشعب الفلسطيني وتضحياته وبين من يحاول تجميل الأمر وتسويقه تحت لافتات متعددة ومنها أن هذه الشروط كانت سابقاً موجودة دون تفعيل أو بروز في عقود التمويل أو أن رسالة الرد من الإتحاد الأوروبي ليست كما يجري تسويقها من الرافضين في أوساط المجتمع الفلسطيني وبين أكثرية الشارع الفلسطيني بحيث وصل الأمر لإتهام أصحاب الموقف الأول بالمتخشبين والمتصلبين الذين لا يتقنون التكتيك.

وساق أصحاب وجهة النظر المسوقة للقبول “القابلون” تفسيرات غير قانونية في محاولتهم للتأثير على الرافضين من قبيل أن الظرف الذي تمر به فلسطين والعالم من تفشي لجائحة كورونا تستدعي توفير المال لمواجهة الجائحة ومواجهة آثار ممارسات الاحتلال وأن الإتحاد الأوروبي في مذكرته التوضيحية للشروط لا يشترط على المتمولين سوى عدم تحويل الأموال للقوى السياسية المصنفة ضمن لوائح الإرهاب على قوائم الإتحاد الأوروبي.

وحمل القابلون الرافضون مؤسسات وأفراد المسؤولية بشكل مسبق ضمن تهديد خفي بملاحقة من يتناول المتمولين في حال وافقوا على هذه الشروط وفي تقديرنا أنهم أيضاً يهددون الحكومة ضمناً وهي صاحبة القانون الذي يمنع التمويل المشروط بكل أشكاله. فالتهديد هنا يطال قادة الرأي والأفراد والحكومة والمؤسسات الأهلية المتمترسه خلف مبادئها في الرفض.

إن توجه القابلون بتجريم من ينتقدهم هو بمثابة محاكم تفتيش لمن يدلي برأيه، وهو يعيب عليهم دورهم في حماية حرية الرأي أحد أسس وجود المجتمع الأهلي وأدواره في الحياة العامة وبمثابة تراجع منهم عن مواقهم السابقة تجاه قمع الحريات في الضفة وغزة من جهة ومن جهة ثانية تنصل من مواقفهم الناقدة والمنتقدة لبعض توجهات وإتفاقات السلطة الفلسطينية المختلفة وعلى رأسها إتفاق أوسلو وما ترتب عليه من تمويل دولي للكيان السياسي الفلسطيني وكذلك الحال بالنسبة لإتفاق باريس الاقتصادي وشروطه والتي لطالما وصفوها بالمذله والظالمة والمرتبطة بالشروط.

ثم إن التسويق بأن الشروط الجديدة لا تطال المناضلين من أبناء شعبنا ومقاومته بحسب قانونيين يسوقون للقبول بالتمويل بشروطه الجديدة إستشارهم القابلون هي ذر للرماد في العيون فهل للمسوغين القانونيين القدرة على وقف الإتحاد الأوروبي عن تصنيف أفراد وكيانات أخرى ضمن قوائم “الإرهاب” مثلاً ويملكون إلى ذلك سبيلاً؟ وهنا لا بد من موقف لنقابة المحامين الفلسطينيين لزجر هؤلاء والخروج بموقف قانوني جامع يستند للقانون الأساسي الفلسطيني وقانون الجمعيات الأهلية وباقي القوانين المعمول بها فلسطينيناُ.

أما المحاولة الأسواء في تسويق شروط الأوروبيين النقل عن الأوربيين دعمهم لنضال الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره وهنا لا بد من التذكير بالتاريخ لأصحاب الذاكرة القصيرة بمجموعة أسئلة موجهة لهم ومنها: هل بريطانيا وعد بلفور سبب مأساة شعبنا وشريكة الكيان الصهيوني في عدوانه على مصر جمال عبد الناصر مع نضال شعبنا؟، وهل فرنسا صاحبة النووي الإسرائيلي ومحتجزة حرية المناضل جورج عبدالله منذ عقود والتي لم تسير مؤسسات حقوق الإنسان “المؤنجزة” مسيرة واحدة للتضامن معه تناصر نضالات شعبنا؟ ثم هل الدول الأوروبية الداعمة لصفقة القرن وتلك التي تعترف بالقدس عاصمة للاحتلال داعمة لنضال شعبنا وهي كثيرة؟ وهل تتذكرون الإدانات والاستنكارات الأوروبية لعمليات المقاومة الفلسطينية والعربية؟ وبعد هذه الأسئلة يطل السؤال الأكبر قي مواجهة محاولة التبرير بالقبول والمتعلق بنضالات الشعب الفلسطيني ومقاومته ودعم حقه في تقرير مصيره هل يملك المسوقون لتمرير التمويل المشروط القدرة على تحديد جغرافيا هذا النضال وشكله؟ وماذا عن حق العودة أليس هو الجزء الأصيل والثابت في تقرير المصير؟ ماذا عن أراضي شعبنا المحتلة عام 1948؟

وسؤالنا الكبير ما الذي يختلف اليوم عن شروط أمريكا واستراليا وكندا بخصوص التمويل؟ ولماذا كانت المؤسسات المتمولة من هذه الكيانات سابقاً محط نقدكم وتشكيكم؟

لماذا تصمت القوى السياسية؟

تاريخياً تأسست المؤسسات الأهلية تحت أجنحة الفصائل الفلسطينية كأذرع جماهيرية ومجتمعية لها وتبوأ في معظمها مناصب الإدارة فيها شخوصاً دعمتهم قوى سياسية بعينها، ودرجت هذه القوى ولا سيما التقدمية على أن تكون في الصف الأول تنافح وتدافع عن كل محاولات شيطنة مقاومة الشعب الفلسطيني ووصمها بالإرهاب، فلماذا هي اليوم تصمت صمت أهل القبور في الإدلاء بموقفها؟ ولما لا تلجم المسوقين أو تدعمهم؟ كما أنه من غير المقبول التبرير للمؤسسات بالقبول تحت لافتة شح التمويل وعجز موازنات المؤسسات فهذا مرده إلى غياب المتابعة والمساءلة السابقة حول عدم الوصول للتمكين شعار العمل لعقود مقابل أكثر من خمسة مليارات دولار تمول بها القطاع الأهلي بحسب مصادر حكومية وبعضها يقول أنها سبعة مليارات دولار.

الموافقة على شروط التمويل الأوروبية الجديدة من قبل المؤسسات الأهلية في رأينا لن تتم إلا بغطاء من فصائل يفترض أنها الأب لبعض هذه المؤسسات إن لم يكن معظمها وهذا سيعني تكبيلها مستقبلاً عن نقد أي موقف يدين المقاومة الفلسطينية بكل أشكالها. وبالتالي يخنقها عن إدانة التطبيع المحلي أو العربي الذي يجرم المقاومة وكذلك يرفع من وتائر الدعوة لإنسحاب هذه القوى من الحياة العامة والبحث عن بدائل تلبي هوى ورغبة كل رأي.

في حال مر التمويل المشروط عبر المؤسسات الأهلية أو بعضها فهو في رأي الكثيرين والقطاعات  الأوسع في الشارع الفلسطيني عبارة عن شهادة وفاة للقوى راعية هذه المؤسسات وأن أي تبرير تحت مسمى التكتيك لا يذكرنا إلا بمقطع للفنان الملتزم عبد اله حداد ” كل شي فهمتوا فيك يا معود إلا التكتيك”.

القوى السياسية وخاصةً تلك التي تعد مرجعاً لبعض المؤسسات الأهلية بات مطلوباً منها حماية إرثها والدفاع عنه والمسائلة حتى لا تتكرر حالات إستقل بها بعض مدراء هذه المؤسسات وإنسلخوا بعمل أهلي طويل لصالحهم الشخصي وكأنها مؤسسات خاصة بهم دون أن تستطيع تلك القوى حتى الدفاع عن تاريخ دفعت في صناعته الكثير واليوم تمرير التمويل المشروط أوروبياً في مؤسسات يقودها قيادات صف أول وثاني في قوى سياسية لن يعفي هذه الفصائل من المسؤولية الوطنية والأخلاقية تجاه هذا الواقع المستجد.

:::::

موقع “وطن”

 _________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.