أي نظام اقتصادي عالمي بعد “كوفيد 19″، الطاهر المعز

عند انتشار وباء “كوفيد 19″، اتخذت حكومات العالم إجراءات وتدابير قَلّلَتْ من إنتاج السلع والخدمات ومن حركة النقل والتجارة والاستهلاك، إلخ، كما أغلقت المؤسسات التعليمية ومعاهد البحث، وغيرها من الأنشطة الأخرى، وكانت لهذه التدابير نتائج سلبية على الكادحين والفُقراء وذوي الدّخل المحدود، وسوف تكون النتائج بمثابة الكارثة، خلال الفترة المُقبلة، اعتمادًا على ما نُشِرَ من معلومات في الوقت الحالي، وهي معلومات قليلة ومنقوصة، وأحيانًا مُضَلِّلَة، ففي الولايات المتحدة، زعيمة الرأسمالية النيوليبرالية والإمبريالية العالمية، فَقَد الملايين من العاملين وظائفهم ومدخراتهم، وفقد البعض منازلهم، لأنهم لم يتمكنوا من تسديد مبلغ الكراء أو أقساط القُروض العقارية للمصارف، ومن مظاهر انتشار الفقر، البادية للعيان، الطوابير الطويلة أمام محلات توزيع الطعام، وأمام  مكاتب البطالة، خلال شهر نيسان/أبريل 2020، في حين أصبحت العديد من المدن الأمريكية الكبيرة على وشك الإفلاس، وعلى سبيل المثال، بلغت ديون مدينة نيويورك، سنة 2019، نحو 92 مليار دولارا. أما مواطنو الولايات المتحدة الأمريكية (الإمبريالية السائدة) فقد ارتفعت قيمة ديونهم بشكل حاد، وتجاوزت ديون بطاقات الإئتمان المصرفي للأُسَر الأمريكية تريليون دولارا، وترفض المصارف خفض أسعار الفائدة على ديون هذه البطاقات الائتمانية.

على مستوى الدّول، عجزت العديد منها على سداد الديون وفوائضها الباهظة التي يفرضها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

في الهند ، قبل “الكوفيد 19″، يموت ثلاثة آلاف طفل من الجوع والمرض كل يوم، فكيف يصبح حال أطفال الفُقراء  في دول مثل الهند أو غيرها من الدول الفقيرة، بعد انتشار الوباء التّاجي؟

 يتزايد الفقر والبطالة في البلدان المسماة “نامية”، فقد كان لأزمة الصحة العامة، عواقب اقتصادية واجتماعية خطيرة، وما زلنا في بداية الطريق، وربما لم نُدْرِكْ بَعْدُ النتائج الخطيرة لفترة ما بعد الوباء، “فالأسوأ لم يأت بعد”، ولم تكن القُوى التقدّمية والنقابات، مُتحفّزة لتُدرك أو لترد على مخططات المؤسسات المالية والشركات الإحتكارية، التي كانت تُعدّها منذ فترة طويلة، من أجل عولمة القمع والفقر، لزيادة ثروتها.

قبل جائحة “كوفيد 19″، أدت “برامج التَّكَيُّف الهيكلي” وتدابير التقشف إلى خصخصة قطاعات الإنتاج والخدمات، وأدت إلى انخفاض قيمة العملات المحلية للبلدان الفقيرة، وإلى انهيار القيمة الحقيقية للأُجور. تسببت الدّيُون وشُرُوطها (ومنها الخصخصة ) في انهيار اقتصادي، زاد من معدل الفقر والبطالة، وتم تفكيك أنظمة الحماية الاجتماعية والصحة العامة، وانخفضت ميزانيات المستشفيات العامة، ما أدّى إلى خراب تجهيزاتها، وإفلاسها، في حين اضطر أطباء هذه البلدان للهجرة نحو الدول الإمبريالية التي لم تنفق فلسًا واحدًا على تعليمهم وتأهيلهم…

إن تخفيض الإنتاج وتعطيل حركة المرور والتجارة، بسبب انتشار الوباء، حدَثٌ غيرُ مسبوقٍ في التاريخ، وأدّى على الفور إلى البطالة الجماعية، وإفلاس المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وانهيار ما يُسمّى “القدرة الشرائية” (أي القدرة على الإستهلاك)، وانتشار الفقر والمجاعة. إنها عملية إعادة هيكلة للاقتصاد العالمي تهدف إلى تركيز أكبر للثروة لدى عدد قليل من الأثرياء، وإلى مزيد من هيمنة الشركات الإحتكارية على قطاعات الإنتاج الصناعي والزراعي، وقطاع الخدمات، والنقل، والتجارة الدولية والمحلية، وما إلى ذلك. كما تُشكل إعادة الهيكلة فرصة لقمع حقوق ومُكتسبات العمال والمواطنين، إذ تعمل الرأسمالية، باستمرار، على تخفيض تكلفة العمالة، عن طريق تعميم هشاشة العمال، وعدم الاستقرار وزيادة وقت العمل، مع تخفيض الأجور، وإلغاء أيام الراحة والعُطل…

أي نظام اقتصادي وسياسي عالمي الجديد؟

تهدف هذه التدابير “الصحية” إلى تدمر الأضعف، سواء على مستوى الدّول، أو داخل كل بلد، باستهداف قطاعات اقتصادية معينة، والشركات الصغيرة، واستهداف بعض الفئات من السكان…

بدأ هذا النظام العالمي الجديد، خلال أزمة 2008/2009، حيث سمحت الحكومات لنفسها بتوزيع حجم هائل من المال العام على المصارف والشركات الخاصة، بدون فائدة (فائض)، بموازاة الحد من الإنفاق الاجتماعي للدولة، ما أدّى إلى تغيير في المشهد الاقتصادي والاجتماعي للبلدان، على نطاق عالمي، حيث أصبحت الوظائف الثابتة وبراتب معقول، وظروف العمل الطيبة، استثناءً والهشاشة والعمل الجُزْئي وغير الثابت، وبرواتب منخفضة، والعُقُود الوقتية، قاعدة…

بعد حوالي عقد واحد، وبمناسبة انتشار وباء “كورونا”، أصبحت الولايات المتحدة تُمارس “القرصنة” لسرقة الإمدادات الطبية والأدوية الموجهة إلى دول “صديقة” أخرى ، عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو) أو الاتحاد الأوروبي، ونُذَكّرُ أن السفن الحربية الأمريكية تَلّلت ب”مكافحة القَراصنة في البحر الأبيض المتوسط”، لقصف المدن الساحلية في المغرب العربي، من ليبيا إلى الجزائر، بين 1805 و 1815، على بُعْد آلاف الكيلومترات من أراضي الولايات المتحدة، حديثة النّشْأة، على أنقاض الشُّعُوب الأصلية التي وقعت إبادتها، عبر المجازر التي ارتكبها المُستعمِرون والمستوطِنُون الأوروبيون…

تعلّلت الأنظمة الحاكمة، في مختلف دول العالم، بوباء “كوفيد 19” لتتخذ إجراءات قمعية (دون نقاش في البرلمانات)، ولا يتوقّع أن تتخلّى عنها بعد انتهاء الوباء، فيما تستغل شركات المُختبرات وصناعة الأدوية لِفَرْض التلقيح الإجباري (دون التّأكّد من نجاعة اللّقاحات) على فئات عديدة من السكان، ما يجعل هذه الشركات تُجرّب الأدوية بصورة قانونية، وتجني مزيدًا من الأرباح، وتهدف القرارات الحكومية، وطُرُ ق تنفيذها، تَرْوِيض المواطنين، وإخضاعهم للرقابة البوليسية والعسكرية، وللرقابة الإلكترونية المُسْتَمِرّة، وإخضاع وسائل الإعلام، لتصبح بُوقًا يُردّد الدّعاية الحُكُومية، واستبدال المدارس والمُستشفيات والخدمات العمومية بالخدمات عن بُعْد، بواسطة وسائل الإتصال الإلكتروني التي تُديرها وتُشرف عليها برامج ومنصات الشركات الخاصة (يُشكّل “سُوق التعليم عن بُعد” حوالي عشرة تريليونات دولارا في دول الإتحاد الأوروبي)، ما يُعمّق الفجوة الطّبقية بين الأثرياء الذين يعيش أبناؤهم في مساكن واسعة، ويمتلكون حواسيب وتجهيزات إلكترونية، ويتمتعون بمساعدة أفراد عائلاتهم، والفُقراء الذين يعيشون في مساكن ضيقة، ولا يمتلكون وسائل الإتصالات الحديثة، ولا يمكن لأفراد أُسْرَتِهم مُساعدتهم على فهم واستيعاب قواعد اللغة أو الرياضيات، واستغلت الحكومات وأرباب العمل والأثرياء الحبس المنزلي، والقوانين الإستثنائية، لتقويض أُسُس العمل النقابي، ولِنَسْفِ قوانين وضوابط العمل، وتَوْسِيع دائرة الإستغلال والقمع، لتُشكّل أزمة الوباء التاجي، فرصة لوضع المجتمعات تحت الرقابة، في الحبس المنزلي، ونسف العلاقات الإجتماعية، بهدف تصفية كل رأي مُخالف أو مُقاوم للإيديولوجية السّائدة، وكل فعل أو نشاط لا يخدم مصالح رأس المال.

في باب الإقتصاد، يتوقع خُبَراء صندوق النقد الدولي ( تقرير بعنوان “آفاق الإقتصاد العالمي” – الثلاثاء 14 نيسان/ابريل 2020 ) أن تُؤَدِّيَ القُيُود المفروضة على النشاط الإقتصادي والتّجاري إلى دخول الاقتصاد العالمي “في أسوأ ركود له منذ الكساد الكبير” (أزمة 1929)، ويتوقع أن يتأثر اقتصاد العالم باضطراب شبكات الإنتاج والتسويق والتبادل التجاري العالمي، وأن تكون آثار هذا الرّكود أَقْسَى مما حصل بعد أزمة سنة 2008، خاصة في مجالات التعليم والسكن والنقل والسياحة والخدمات الغذائية والتجارية، وهي القطاعات الأكثر تضررا، وأن يكون النمو سلْبِيًّا بنحو 3% بنهاية سنة 2020، وقد تكون النتائج أسوأ بكثير، سنة 2021، إذا ما استمر انتشار الوباء وفترة حبس السكان في بيوتهم، وأن يتراجع الناتج الإجمالي العالمي بحوالي تسعة تريليونات دولار، خلال سنَتَيْ 2020 و 2021، وأن ينخفض دخل الأفراد، خصوصًا في البلدان الفقيرة (“النامية” بلغة صندوق النقد الدولي)، وفي حوالي 170 دولة.

فَرَض التقسيم العالمي للعمل (كنتيجة حتْميّة لتطور الرأسمالية ) منافَسَة شرسة بين الدّول وبيْن الشركات، خلافًا لما تدعو له التقارير الدّولية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية أو حتى صندوق النقد الدّولي، بشأن ضرورة التّعاون بين الدّول لحل المشاكل الصحية والإقتصادية الناتجة عن انتشار وباء “كوفيد 19″، ووردَ في أحد تقارير “معهد بِترْسون للإقتصاد الدّولي” (واشنطن) أن قِلّة التعاون بين الدّول سوف يؤدّي إلى المزيد من حالات الإصابة والوفاة بوباء “كوفيد 19″، في ظل تخريب قطاع الصحة العام، عبر الخصخصة وتحويل صحّة البشر إلى سلعة تُباع وتُشْتَرَى وتَدُرُّ الربح الوفير على أصحاب أسهم شركات المُختبرات والأدوية، بدعم من الحكومات والمصارف المركزية التي أقَرّتْ ضَخَّ ضخت ما لا يقل عن ستة تريليونات دولارا، خلال ثلاثة أسابيع، وقد يفوق المبلغ تسعة تريليونات دولارا، تستفيد منها المصارف والشركات الكبرى، في حال تواصل الحجر الصحي وتعطيل النشاط الإقتصادي، في حين تسرّبت نحو 100 مليار دولارا، من البلدان الفقيرة ومتوسطة الدخل، نحو الدول الغنية والملاذات الضريبية، خلال نفس الفترة…

كانت هذه الأزمة فُرصة أُخرى ضائعة، وكان يمكن أن تكون نقطة تحول للتغلب على النيوليبرالية، لكن القوى البديلة ضعيفة، على مستوى كل بلد، كما على المستوى العالمي، ما يُتيح للرأسمالية، في عصر الإمبريالية والعَوْلَمَة تحديث وسائل الإستغلال والهيمنة، دون معارضة تقريبًا، وإصدار القرارات والمراسيم، دون نقاش (ولو شكلي في البرلمانات)، ليقترب شكل الحكم من الحكم العسكري، والسيطرة على جميع دواليب المجتمع، وقمع الحريات وتقويض المكتسبات الديمقراطية والاجتماعية.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.