مقابلة مع الفيلسوف آلان باديو: «لا يمكن للفيلسوف أن ينافس عالم الرياضيات في مساره صوب الحقيقة»

 آلان باديو: «لا يمكن للفيلسوف أن ينافس عالم الرياضيات في مساره صوب الحقيقة»

 بقلم فيليب دوركس وماتيو بلارد

ترجمة: مرسلي لعرج، قسم علوم الاعلام والاتصال، جامعة وهران 1 أحمد بن بلة ،الجزائر

آلان باديو، الفيلسوف الذي يحب الرياضيات، المراجع والمصوب من طرف بيير كارتييه، عالم الرياضيات الذي يحب الفلسفة؟ هذا هو الرأي المقدم من «ليبراسيون» بشأن الباحثين. فإذا كانت الحقيقة تشغل الاثنين معا، فإن عالم الرياضيات هو الوحيد الذي سيعرف يوماً ما بأنه على حقً. ومن هنا يأتي هذا الافتتان والرغبة في التقريب بين هذين العلمين، والذي يتباعد كل واحد منهما عن الآخر بشكل متواصل.
في الرياضيات، يجب أن نعترف بنظرة الآخرين الذين يبحثون عن العيوب والثغرات في تحليل رياضي. لذلك طلبنا من بيير كارتييه، وهو مساعد بورباكي منذ فترة طويلة، عالم الرياضيات المتعدد الرؤوس(مجازا) الذي أعاد صياغة الرياضيات الحديثة، قراءة كتاب “مديح الرياضيات “، الذي نشره للتو آلان باديو. ولهذا فإن الفيلسوف الماركسي دعا في هذا الصدد إلى التذكير بترتيب الخمس نقاط التالية: دور التاريخ، تجاوز الحقيقة الرياضية، والأرستقراطية التي يرسخها علماء الرياضيات، ونشر الرياضيات، وتقدم الفكر. ولكن كيف يستطيع عالم الرياضيات أن يدحض فكرة تحول الرياضيات إلى شيء ما «غير العامل المزعج في الانتقاء والاصطفاء الاجتماعي» وأن تندمج في الثقافة شأنها شأن ملحمة هوميروس؟

نص المقابلة مع آلان باديو

لماذا الافتتان بالرياضيات؟

كان والدي عالم رياضيات، وهو السبب الذي يشكل دليلا على ذلك، ولكنه ربما كان السبب الأقوى. ثم كان لدي أساتذة جيدون في الصفوف الأولى والثانية والنهائي. وأثارت هذه الاهتمام بالمشاكل وليس فقط بالنتائج الصحيحة. أعتقد أن هذا هو العنصر المفتاحي إلى تعلم الرياضيات. وأخيراً، كنت أتصور في وقت مبكر للغاية أن هناك صلة عميقة بين الرياضيات والفلسفة. أفلاطون وليبنز وديكارت كانوا علماء رياضيات رفيعي المستوى. ويؤكد كانت وسبينوزا أن الفلسفة بما هي كعلم والراغبة في العقلانية ترتبط ارتباطاً وثيقا بالرياضيات. وألاحظ أن هذا الارتباط غير مشدود.

هل نحتاج إلى إعادة ربط الفلسفة بالرياضيات؟

علينا أن نفعل ذلك. وفي محادثة أجريتها مع جان ديودونيه [عالم الرياضيات في قلب مجموعة بورباكي التي أعادت إحياء الرياضيات الحديثة بعد عام 1945، ندلر]، وهو المحافظ قال: «إن الفلاسفة يتصرفون كما لو كان من المستحيل تماماً اختراق الرياضيات، وهذا خطأ مطلق، إذا عملت قليلا، فبوسعك أن تحقق ذلك». أعتقد أن هذا صحيح. كانت الرياضيات دوماً قارة يصعب ولوجها. الهندسة في الفضاء كانت معقدة للغاية بالنسبة ليونانيي زمن أفلاطون. كما هو الحال بالنسبة لحسابات التفاضل في وقت ليبنيز،الهندسة الجبرية بعد غروثنديك ليست ابتدائية على الإطلاق، ولكن يجب أن نحاول.

هل ينبغي أن نفهم جوهر الرياضيات، ودقة علماء الرياضيات؟

يجب تقبل عدم التمتع بنظرة خارجية. لا يكفي أن تكون متفرجا، يجب أن تجرب المسار، جوهر الرياضيات هو مسار التفكير، تعاطي فلسفة الشعر أو الموسيقى الذي يمكن القيام به لا يقود المرء إلى أن يصبح شاعرا أو موسيقيا، ولكن لا يمكنك أن تخترق الطبيعة العميقة للرياضيات من دون أن تكون خبيراً رياضيا. إنها مسألة تجربة العلاقة الخاصة جدا بين المسار والنتيجة، بين الظلام والضوء، إذا لم يكن لديك متعة فهم التحليل الرياضي للنظرية، وبعد أن تضل، لا يمكنك أن تقول إنك في مجال الرياضيات.

أنت تشير إلى موقف أرستقراطي من علماء الرياضيات

أنا أتحدث عن المؤسسين، ولكننا لا نستطيع أن نتمسك بذلك كمأخذ عليهم، ووضع مطلب اشتراط راديكالي، بالإضافة إلى ذلك، يجب على أولئك الذين يحللون النظرية أن يوافقوا على الحكم عليهم من قبل عدد صغير من الزملاء القادرين على فههم. وهذا يعني أنها لا محالة أرستقراطية. وفي المقابل إن ما يمكن القيام به هو تعليم المزيد من الناس طعم الرياضيات، ولكن من المؤسف أن الرياضيات أصبحت عامل انتقاء اجتماعي مزعج. نحن نضيع كنزا من التفكير، وسيلة لتحقيق فرحة عظيمة ونقية جدا.

هل المنهج الرياضي قابل للتطبيق على الفلسفة؟

علاقة الفلسفة بالرياضيات ليست علاقة تقليد. ولا يستطيع الفيلسوف أن ينافس عالم الرياضيات في رحلته ومساره صوب الحقيقة. عندما يقدم ديكارت دليلاً على وجود الله، لا أعتقد أنه يعتبر هذا الدليل هو بنفس طبيعة الدليل في الجبر الهندسي. في الرياضيات، البرهان هو البرهان. في الفلسفة، يشكل البرهان اقتراحاً بتقديم تفسير معقول، أنا لست متأكدا من أن سبينوزا يبني “الأخلاقيات” كتفكير هندسي عند كتابتها، إنه مقتنع بإنجاز عمل مماثل لمبادئ إقليدس. سآخذ نظرية أحبّها كثيرا: «الندم ليس فضيلة»، أنا لست متيقنا من أنّ سبينوزا يعتبر بأنه قد برهن على هذه النقطة بالمعنى الرياضي. وأود أن أقول إنه وضعها في نظام وترتيب، مصدره المبادئ لإٌقليدس.
الرياضيات علم ديمقراطي والتي نجعل منها أداة للانتقاء الاجتماعي.
وهذا التناقض هو الذي يجب النظر فيه. فكيف يمكن لتخصص والذي تكتمل فيه المساواة بين الناس أن يصبح نخبويا إلى هذا الحد.

ما سبب ذلك؟

التعليم على نطاق واسع غير ملائم، فهو غير موجه على الإطلاق لدمج الرياضيات كعنصر من عناصر الثقافة العامة، على غرار الأدب. إن جعل شخص ما يفهم العرض الدقيق لنظرية مهمة هو أمر ضروري للثقافة العامة مثلما هو الحديث عن الأوديسيا.

وعلى العكس من ذلك، فأنت لست مقتنعاً بديمقراطية علم الحساب؟

إشراك عدد في دالة،أين يتعين علينا قبول بأنها تبسيط اتفاقي. ولا يوجد سبب بأن الأغلبية هي على حق. وعلى أية حال، فإن عالم الرياضيات سيرفض التفكير في ذلك. هذا يقودنا إلى القول، بأن التجربة أثبتت أننا عندما عندما نلامسها، لا نعرف جدا إلى ما يمكن أن تفضي إليه، بالفعل يجب أن تكون لديك فكرة توجيهية، توجيه.

هل تقوم بالرياضيات؟

أحاول القيام بذلك بشكل منتظم. في الوقت الحالي، يهمني أحدث التطورات في نظرية اللامتناهي، أو بالأحرى اللامتناهيات، لأن هناك العديد من الأنواع.

هل جربتم فرحاً مماثلاً لفرح علماء الرياضيات؟

بالتأكيد. لقد حدث في سن مبكرة للغاية، عندما أدركت الطبيعة الحقيقية لنظرية إقليدس: “هناك نهاية للأعداد الأولية”. وهذا ما زال مستمراً إلى يومنا هذا، حينما أعطي الاعتبار للمنظر الطبيعي المهيب للامتناهيات المأريضة.أنا أدخل في آخر تطورات نظرية اللامتناهي.

كفيلسوف، هل اختبرت هذا النوع من الفرح؟

كلا نوعيا إنه ليس نفس الفرح. في الفلسفة، الفرح غير مباشر. نحن نسعد عندما نفهم سبب الفرح. تفرح عندما نفهم سبب وجود فرحة رياضياتية. أعتقد، اغفر لي التعبير، إن الفيلسوف هو اسقمري الحقائق. إن عالم الرياضيات يلمس الحقيقة في حد ذاتها.

INTERVIEW
Alain Badiou : «Le philosophe ne peut pas rivaliser avec le mathématicien dans le cheminement vers la vérité»
Par Philippe Douroux et Mathieu Blard — 16 septembre 2015 à 17:06 Journal Liberation

:::::

موقع “كوة”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.