خبر وتعليق: طبيعة الاتحاد الأوروبي، الطاهر المعز

على هامش برقيات وكالات الأخبار 

شكّل موضوع “وحدة أوروبا” حُلْم بعض الأدباء، منذ النّصف الثاني من القرن التاسع عشر (أي في أوج صعود الرأسمالية، وتحولها إلى امبريالية)، وكانت أوروبا المُتَخَيَّلَة مَبْنِيّة على نبذ الحروب بين شعوبها، واستبدالها بوِحْدة تقوم على التعاون والتضامن والمساواة، ودعمت الولايات المتحدة فكرة الوحدة الإقتصادية (وليس السياسية) بعد الحرب العالمية الثانية، وتمكنت الولايات المتحدة من الهيمنة على أوروبا المُدَمَّرَة من أثر الحرب (ساهم سلاح الجو الأمريكي في هذا الخراب)، عبر المال (مشروع مارشال) وعبر القوة العسكرية (القواعد العسكرية، خاصة في إيطاليا وألمانيا وبريطانيا واليونان)، وأصبحت أوروبا العمود الفقري لحلف شمال الأطلسي، واعترضت الولايات المتحدة، ولا تزال، على بناء أي قوة عسكرية أوروبية مستقلة عن الجيش الأمريكي، الذي لا يزال متواجدًا بقوة في القواعد العسكرية الأوروبية، ورفض فكرة “سياسة دفاعية أوروبية مشتركة، وسياسة خارجية مستقلّة عن الولايات المتحدة”، التي لا ترى في أوروبا سوى سوقًا للسلع وللثقافة والإعلام والدعاية الأمريكية، وسُدًّا أمام توسّع الإتحاد السوفييتي، بعد الحرب العالمية الثانية.  

تأسس الإتحاد الأوروبي ليكون سوقًا تجارية ضخمة، ولخدمة مصالح الأثرياء والشركات الإحتكارية العابرة للقارات والمصارف، ووعَدَ المدافعون عن بناء الإتحاد الأوروبي بصيغته الرأسمالية الليبرالية بالازدهار والرفاهية، وبأن حريات السوق والرأسمال والحريات الفردية هي أعلى مراحل تطوّر الديموقراطية، وأظهر انتشار وباء “كوفيد 19” زيف هذه الوعود التي تُصنّف الآن في باب الأوهام.  

يُشرف على الإتحاد الأوروبي مجلس غير منتخب، بل تُعيّن الحكومات ممثليها في مجلس المُفَوِّضِين، أما الهيئة المنتخبة الوحيدة (البرلمان الأوروبي) فلا وَزْن لها، ولا دَوْرَ في اتخاذ القرارات (التي تُعدّها شركات خاصة، ومجموعات ضغط، وتُقدّمها جاهزة للمُفوّضِيّة التي تُصادق عليها، كما هي)، ولا يتجاوز دَورُ البرلمان الأوروبي، المُصادقة على قرارات “المُفَوِّضِيّة” التي لا يستطيع البرلمان مُحاسبتها، ويتبنّى الإتحاد الأوروبي النموذج النيوليبرالي الأميركي الذي قضى على الحقوق الأساسية للمواطنين، مقابل زيادة في حرية المصارف والشركات متعددة الجنسية، وتعويض الحقوق ودور الدولة في تنظيم الإقتصاد، وفي إعادة توزيع الثروات، ب”حرّية السوق” في فَرْض الأسعار ومقاييس جودة السلع، وفرض قوانين العمل والُحريات والحقوق الإجتماعية، فتضرّرت الفئات الاجتماعية الأكثر فَقْرً، وذوي الدخل الضعيف وحتى المتوسط، وتبيّن دَوْرُ الاتحاد الأوروبي، وما هو سوى سوق تجارية مشتركَة وعملة موحّدة، وغابت منها الديمقراطية، حيث تتحكم المفوضيّة الأوروبية بنسبة 80% من قوانين الدول الأعضاء، وغاب الحد الأدنى للتضامن بين مختلف الدول الأوروبية، بمناسبة الوباء، حيث عمد كل منها إلى قَرْصَنَة وسرقة التجهيزات الطبية والأدوية التي اشتَرَتْها البلدان المُجاورة، في حين تضامنت روسيا وكوبا والصين مع البلدان المتضررة من الوباء.

كانت الدولة تَرْعى المنظومة الصحية، إلى أن بدأت خصخصتها وخفض الإنفاق على المستشفيات العمومية، تدريجيا، منذ أربعة عُقُود، وظهرت النتائج الوخيمة لانهيار النظام الصحي، بمناسبة انتشار وباء “كوفيد 19″، كما ظهر الشرخ بين المتضرّرين من سياسات الاتحاد الأوروبي والمستفيدين منها، وتأتي الشركات الكبرى والمصارف وشركات المختبرات وصناعة الأدوية، في مقدمة المستفيدين، ورَصَد 750 مليار دولارا، عبر “آلية الإستقرار الأوروبي”، “لتحفيز الاقتصاد” النيوليبرالي، وقد يضخ مصرف الاستثمار الأوروبي، والمصرف المركزي الأوروبي مبالغ إضافية، لإعادة جدولة ديون الحكومات.

في الوطن العربي، لدَيْنا، مَوْضُوعِيًّا، كافة مُقومات الوِحْدَة (الوحدة القاعدية، الأُفُقِية، بين الشُّعُوب، وليست الوحدة الفَوْقِية أو العامودية، التي تُقررها الأنظمة)، باستثناء الإرادة السياسية، أو القرار السياسي، وتعمل العديد من الجهات، وفي مقدمتها أوروبا التي تُحارب اللغة والثقافة العربية بدون هوادة، وتعمل العديد من الأطراف الخارجية على مُحاربة الفكرة، والمشروع، وإلغاء عبارة “عربي” من أي تسمية، فأصبحت “منطقتنا” تُسمّى “الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”، وتمكنت الأطراف الإستعمارية ودعايتها ومنظماتها “غير الحكومية” ومراكزها “الثقافية”، من خلق عملاء داخل الوطن العربي، يُدافعون عن الإستعمار بشكل “مَدَنِي” و”حضاري”، وبدأنا “نكتشف” وُجُود اختلافات كنا نتعايش معها، ولم نكن نُعيرُها أية أهمية، واكتشفت الدراسات الأكاديمية الأوروبية والمستشرقون الجدد وعلماء الأثروبولوجيا، أقليات، لم تُعبّر عن رغبتها الإنفصال عن باقي مكونات المجتمعات العربية، قبل اجتياح المنظمات غير الحكومية الفضاء العربي، ومنه اجتياح “العقل العربي”، ولا هدف لنشر مثل هذه “الدّراسات” سوى تقسيم وتفتيت ما لم يستطع تفتيته الإحتلال المباشر، أو الإستعمار الجديد، ولا وعد بلفور (1917) ولا اتفاقية سايكس بيكو (1916)، وما تلاها من مؤامرات… إنه احتلال العُقُول والفِكْر، وهو أخطر أنواع الإحتلال…  

________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.