روسيا وسورية: اثر التسريبات الإعلامية وحقيقة العلاقة، أمين محمد حطيط

من غير سابق إنذار فتح بعض الأعلام الروسي النار عل سورية ورئيسها، بشكل قاد بعض المتسرعين من المحللين إلى القول بان روسيا قلبت ظهر المجن لسورية وعقدت صفقة مع أميركا وتركيا تخلت بموجبها عن الرئيس الأسد وان هناك انقلابا ينذر بتغيير روسي جذري قريب في سورية فهل هذا صحيح وما إمكان تحققه؟

.قبل النقاش في الأمر لا بد من العودة إلى بدء العدوان المركب على سورية في العام 2011 ، حيث التزمت روسيا موقف الحذر الذي ترجمته معارضة سياسية للعدوان مع امتناع عن التدخل الميداني والاكتفاء بمراقبة السلوك الإرهابي الذي تقوده أميركا لأسقاط سورية و تغيير قيادتها و الحاقها بمنطقة النفوذ الأميركي في المنطقة. و رغم ان المشروع الأميركي كان من شانه في حال نجاحه تهديد المصالح الروسية في المنطقة  فان روسيا حاذرت المواجهة مع أميركا و اختارت العمل الدبلوماسي المقيد الذي لا يمنع أميركا من استمرار العدوان لكنه لا يترك أميركا طليقة اليد في المجال السياسي الدولي لفعل ما تشاء على الساحة السورية و لهذا جمعت روسيا في سلوكها بين الفيتو الذي مارسته في مجلس الأمن ضد مشاريع القرارات التي تمس بمصالح سورية، و بين الأحجام عن التدخل العسكري نصرة للحكومة السورية .سلوك اعتمدته بخلفية الشك بقدرة النظام السوري على الصمود ورغبة في أشعار أميركا أنها ليست وحدها في المنطقة .

بيد ان سورية و بقدراتها الذاتية ومدعومة من محور المقاومة سفهت أحلام قوى العدوان عليها و صمدت إلى حد  اقتنعت روسيا فيه بان دعمها لها ان حصل لا يمكن ان يذهب هدرا ، و ان تركها وحدها في مواجهة العدوان لن يكون في مصلحة روسيا خاصة اذا انتشر الإرهاب  خارج سورية ، متذكرة المقولة التاريخية ان “الدفاع عن موسكو يبدأ  على أسوار دمشق ” ، لكل هذا استجابت روسيا في العام 2015 للطلب السوري و للتشجيع الإيراني و حركت جيشها بقوته النارية من طيران و منظومات صاروخية و جو فضائية لتقديم الأسناد الناري للجيش العربي السوري الذي يكافح الإرهاب على أرضه.

ومع الدخول العسكري الروسي إلى سورية، اختلط الأمر على الكثير وقلة عرفوا حقيقة العلاقة أما الأخرون فمنهم من ظن ان التدخل الروسي هو وضع يد على سورية ومنهم من رأى ان روسيا دخلت مع سورية في حلف عسكري استراتيجي عضوي يجعلها عدوا لمن تعاديه وصديقا لمن تصادقه، وغاب عنهم ان لروسيا سياستها التي تتقاطع مع سورية في أمور وتعاكسها في أمور أخرى، وان وجودها العسكري في سوري له مهمة محددة تتصل بالحرب على الإرهاب ومنعه من أسقاط النظام. فمهمتها محددة لا تتعداها إلى مواجهة إسرائيل او محاربة تركيا او الخصومة مع دول الخليج وحتما ليست لقتال أوروبا او أميركا إذ بقي هؤلاء في القاموس الروسي خارج دائرة العداء رغم ان أميركا تصنف روسيا عدوا.

لقد تعرضت روسيا لأكثر من اختبار في سورية ، و تصرفت في التعامل مع هذه الاختبارات بذهنية الطامح لأشغال مقعد في الصف الأمامي الأول دوليا ، و العامل لاجتثاث الإرهاب من كامل الأرض السوريون لم تحاول فرض انتداب على سورية التي لا يمكن ان تتقبل أصلا هذا الأمر من أي جهة أتى ، و لكنها كانت و لازالت تحاول إسداء النصح للحكومة السورية و التعامل مع الأطراف التي لا صلة قائمة بينها و بين سورية بالشكل الذي تراه هي انه يخدم أهدافها .فعقدت تفاهمات مع أميركا تمنع الصدام معها ، ووضعت قواعد للتعامل مع التدخل الإسرائيلي في سورية ، و جذبت تركيا إلى استنة للانضمام اليها مع ايران لتشكيل ثلاثية رعاية حل في سورية و استقبلت اكثر من طرف سوري و إقليمي و دولي للبحث بحلول للمسالة السورية . وهنا شاب الغموض في تحديد موقع روسيا وصلتها بكل تلك الأطراف غموض زادت خطورته مع حملة بعض الإعلام الروسي ضد الرئيس الأسد إلى الحد الذي ذهب البعض بعيدا في التأويل والقول ان روسيا بدأت مسار البحث عن بديل له قبل الانتخابات المقبلة في العام 2021 فما هي الحقيقة؟

بداية نقول بان سورية ليست مستعمرة روسية و ليست تحت الوصاية الروسية و لو كانت سورية بصدد قبول وصاية او استعمار او انتداب خارجي لما قاتلت دفاعا عن استقلالها 9 سنوات حتى الأن .و بالتالي و في معرض تحديد طبيعة علاقة روسيا بسورية يجب الانطلاق من مسلمة استقلال سورية وسيادتها و على سبيل المثال  نقول ان روسيا وقعت على بيان جنيف في 30حزيران 2012 الذي يتضمن النص على مرحلة انتقالية تفضي إلى خروج الرئيس الأسد ، و لكن سورية عملت كما ترى مصلحتها السيادية و أجرت انتخابات رئاسية  في العام 2014 جددت للرئيس في موقعه  وسقط  البيان في غياهب النسيان.

ان روسيا تعلم ذلك ،و تذكر ان كثيرا من الاتفاقات التي عقدت بينها و بين اطراف تناهض سورية بقيت في الأدراج لان سورية  تحتفظ لنفسها بحق قبول او رفض أي شيء وفقا لمصالحها الوطنية .فروسيا تلتقي مع الأخرين على نقاط لا تقبل بها سورية وتعمل في كل السبل بعكسها و منها على سبيل المثال ما يقال عن  وجود تفاهم  تركي أميركي روسي على منع الحسم العسكري في الميدان السوري او تأخيره إلى ما بعد الاتفاق السياسي على شكل الدولة و نظامها كما و العمل على خروج ايران و القوى العسكرية التي تدور في فلكها من سوريو أخيرا  أحداث تغييرات بنوية جذرية في النظام السوري يهجر نظام القوة القومية والوطنية المركزي  و يقيم نظام التعددية التي يشبه أنظمة الضعف في لبنان و العراق .

بيد انه مهما كان من امر التفاهم او الخلاف فان روسيا  تعلم جيدا رفض سورية لكل ما تقدم  من تفاهمات تخالف إرادتها و أنها أي سورية أعلمت كل من يعنيه الأمر أنها تفصل الحرب على الإرهاب عن الحل السياسي و ترفض أشراك من يستمر مقاتلا في الميدان في المفاوضات السياسية او تحديد مستقبل النظام كما ترفض أي نوع من الوصاية او التدخل في صياغة الدستور السوري او تحديد شكل النظام وترفض أي مس بحدود سورية او التنازل عن أي شبر منها بما في ذلك الجولان  وأخيرا تؤكد سورية على حقها في أنشاء شبكة العلاقات الدولية التي تناسبها ممارسة لسيادتها واستقلالها ما يعني رفض الإملاءات حول الدور الإيراني فيها .

فسورية كما روسيا يعلم كل منهما مناطق الاتفاق و الخلاف و التباين و يدرك الطرفان حاجة الواحد للأخر دون ان تكون الحاجة السورية مدخلا للتنازل عن السيادة و الاستقلال وسورية تعرف حدود الدعم الروسي لها و عمق العلاقة الروسية الإسرائيلية و ورفض روسيا لأي مواجهة مع احد من اطراف الحلف الأطلسي و إسرائيل على الأرض السورية مهما كان حجم العدوان من قبلهم .و مع هذا   تراهن على استمرار الدعم الروسي في المجال العسكري لمحاربة الإرهاب في حدود ما ذكر و تثق بالعلاقة الاستراتيجية مع روسيا لكنها لا تصل إلى حد التسليم لروسيا بالقرار في سورية او توكيل روسيا بالتفاوض نيابة عن سورية. وهي تقدر وقوف روسيا إلى جانبها في الميدان وفي مجلس الأمن وفي مواجهة خصومها خاصة في مسائل وحدة سورية وسيادتها على أرضها وثرواتها.

في الخلاصة نقول ان العلاقات الروسية السورية ليست من الطبيعة التي تفترض التطابق في كل شيء وليست من الطبيعة التي تجعل طرفا يسيطر على أخر ويملك قراره ويصادر سيادته، بل ان هناك مناطق اتفاق وأخرى فيها خلاف، وبما ان الأعلام يصطاد في مناطق الخلاف فلا يكون من المفاجئ ان نسمع ونقرأ مواقف في غير مصلحة هذا المقام او ذاك لكن العبرة تبقى لما يصدر عمن بيده القرار وصلاحية رسم السياسية وفي هذا المجال نقول ان العلاقة الروسية السورية في موقع يناسب الطرفين قوة ووضوحا وطمأنينة، ولن تكون القنبلة الصوتية التي اطلقها بعض الأعلام المدفوع الأجر  أكثر من زوبعة في فنجان لا يبنى عليها، فسورية قوية بذاتها ومحور مقاومتها ولن يملى على شعبها شيء لا يريده .حقيقة يعلمها الجميع كما يعلمون ان مقام الرئيس الأسد و استمراره في موقعه هو موطن من مواطن قوة سورية ورمز انتصارها ولا يجرؤ احد على العبث به .

:::::

“البناء” اللبنانية

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.