أقدم إمبراطورية على الأرض (من حكايات زمن الكورونا)، رشاد أبوشاور

تساءلت بدهشة: كيف وصل هذا النمل الصغير الحجم  الذي يكاد لا يُرى إلى شرفة شقتنا في الدور الثالث؟!

أيمكن أن يكون قد صعد كل الدرجات الملساء الزلقة الرخامية..ووصل إلى شقتنا،وتوالد وانتشر في غرف البيت دون أن ننتبه؟!

لم أر ولا نملة في الغرف من قبل، ولكن اليوم، في هذه الصبيحة باغتني انتشاره ..وأين..في الشرفة؟

عن ماذا يبحث؟

عدت بذاكرتي إلى ما كنت قرأته قبل سنين بعيدة عن إمبراطورية النمل وأقدميتها…

النمل هو مؤسس أول إمبراطورية على الأرض..إنه الأقدم..بينما البشر هم آخر من ظهر من الكائنات الحية على الأرض..وتسيّد عليها!

 تقول الدراسة التي قرأتها عن إمبراطورية النمل أنه آخر من سيبقى على الأرض في حالة تعرضها للخراب..وانقراض الجنس البشري، وهذا يعود إلى أنه يبني إمبراطوريته في عمق الأرض بحيث لا تدمره حرب نووية لو وقعت، أو الخراب بفعل تغيّر المناخ، وممالكه المنتشرة في القارات هذه لها خصائص متشابهة، وبينها لا تقع حروب ولا يجتاح بعضها بعضا…

إذا ما جن بعض حكام هذا العالم وتفجّرت حرب نووية إبادية فإن الجنس البشري سينقرض، وستتحول مدنه وابنيته الناطحة للسحاب..وكل منجزات أجياله إلى هباء..وسيبقى النمل!

و..إذا ما تفشى فيروس إبادي..واكتسحت الفيروسات القارات..وعجز البشر عن اكتشاف العلاجات الشافية..فالبشر هالكون لا محالة..وسيبقى النمل في عمق الأرض..ثم سيصعد ليعيش دون أن تدوسه أقدام البشر الثقيلة.

أنا أجلس بعد تناولي طعام الإفطار، والأسرة نائمة، فجميعهم يقضون الوقت في مشاهدة الأفلام والمسلسلات..وينامون في النهار حتى وقت متأخر من النهار..في زمن الكورونا.

هبطت عن الكرسي، وتأملت إحدى النملات الصغيرات السوداء بأرجلها – لم أستطع تحديد عددها- الرفيعة كالخيوط، وانحنيت، وهمست لها: كيف وصلت إلى هذه الشرفة؟ هل سمعتم يا معشر النمل عن تفشي وباء الكورونا؟ أتظنون يا معشر النمل أن نهاية البشر قد حانت؟!

توقفت للحظة وتساءلت: هل النمل يسمع؟ وإن سمع : هل يعرف الكلام ..بأي لغة..بالعربية مثلاً..أم باللغة الإنقليزية المنتشرة في العالم؟!

وضعتها على الأرض فاندفعت بأرجلها التي تشبه شعرا ناعما، وأخذت تتوقف وتتلامس مع سرب نمل يمشي معاكسا وكأنها تحذره..والعجيب أن النملات كن يستدرن ويتبعنها وينسربن في ثقوب صغيرة تحت جدار الشرفة..لم أكن قد تنبهت لها من قبل.

نملة كبيرة سوداء انبثقت من داخل الجدار، واندفعت مسرعة..وكأنها تتفقد أسراب النمل داعية من تلتقيه للاختباء والنجاة.

فجأة لم يعد هناك نمل..لا صغير يكاد لا يرى، ولا كبير.

أعددت لنفسي فنجان قهوة..ارتشفت منه وأنا سارح في أفكار قبضت نفسي: أيعقل أن غزو النمل، وظهوره في الأدوار العليا من الأبنية..بمثابة بشارة رهيبة لاندثار البشر وحضارتهم..وأن إمبراطورية النمل ستعود لتخلف آخر الإمبراطوريات..الإمبراطورية الأمريكية وآخر قادتها ترامب؟!

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.