مثقفو روسيا ومستقبل البلاد، محمد خير الوادي

قيض لي لن اكون مشاركا في سلسلة برامج حوارية بثتها احدى محطات الاذاعة الروسية ، تحاور  فيها عدد من المفكرين الروس ،من بينهم  فلاسفة وعلماء سياسة واقتصاد ، وادباء واعلاميون  ، يمثلون احزابا وحركات سياسية و دينة مختلفة المشارب  .
ْوتضمنت البرامج محورين : الاول عن الاوضاع الداخلية في روسيا وتطورها بعد كورونا ،وهو موضوع يشغل اليوم اهتمام معظم الاوساط الفكرية الروسية .
 والمحور الثاني – والذي شاركت – فيه عن السياسة الخارجية الروسية في ظل المتغيرات التي تفرضها جائحة كورونا . وأود في هذه المقالة ، اطلاع القاريء العربي على التوجهات الرئيسية للمثقفين الروس ازاء السياسة المحلية الروسية . ..ويمكن ان اعرض في وقت قريب مضمون النقاشات التي تمت بخصوص السياسة الخارجية . وشكل السؤال التالي محور النقاش الاول : هل سيبقى النظام في روسيا بعد كورونا عما هو عليه الآن ، ام سيسعى الرئيس بوتين الى ادخال تغييرات جوهرية على هذا النظام ؟ . يرى عدد من المثقفين الروس ذوي الاتجاهات الوطنية المعارضة ،ان اساس المشكلة التي يعاني منها النظام الان يكمن في ان البطانة الليبرالية الحالية التي تتحكم بالاقتصاد والمال في روسيا ، هي فئة اثبتت لا وطنيتها و ممالأتها للغرب الرأسمالي ، ومارست نهب الثروات الوطنية ،وعرقلت الانتاج المحلي،واستغلت نفوذها لتكثيف الضغوط على المنتجين الروس ،ومحاصرتهم بالضرائب ، واغراق الاسواق بالسلع المستوردة من الغرب والصين ،وتعطيل الشعار الذي رفعه بوتين نفسه منذ خمس سنوات حول استبدال الانتاج الاجنبي بالوطني.  
ويؤكد هؤلاء ، ان الطغمة الليبرالية الثرية قد انغلقت على نفسها ، وانقطعت عن واقع الشعب وتبلدت احاسيسها الىى حد انها اصبحت غير مبالية بمعاناة الفقراء الذين ازدادوا فقرا . واللافت للانتباه ، ان معظم هؤلاءالمثقفين الروس مقتنعون باهمية وجود قائد قوي وحازم مثل بوتين ، وهم لا يعارضون التمديد للرئيس الحالي ، لان الدولة الروسية -عبر التاريخ- لم تخطو الى الامام وتضمن وجودها وتردع الطامعين الكثر بثرواتها ،الا في ظل وجود سلطة مركزية قوية وقيادة حازمة ، تحفظ وحدة البلاد، وتقيها شر التفتت . حدث هذا في ظل بطرس الاول الذي وحد الاراضي الروسية، وادخل الحداثة اليها وانهى التخلف واركانه الاقطاعية القوية . كما تكرر في ظل ستالين ،الذي قاد- رغم اخطائه كلها – النصر على النازية ،واعاد بناء الاتحاد السوفياتي بعد الحرب ،و تصدى لانفلات القوى الامنية وتوحشها ضد الناس ،عبر تعيين وزير قوي للداخلية هو بيريا ، الذي استطاع السيطرة على المؤسسات الامنية ولجمها ونزع مخالب اباطرتها . وتجري مقارنة بوتين- بما يملك من نفوذ اليوم – مع اولئك الزعماء التاريخيين . 
لكن المشكلة ، هي- كما اشار هؤلاء المثقفون – الى وجود بطانة ليبرالية حول الرئيس ، تعرقل توجهاته ، وتفرغ قراراته من مضمونها ، وتسعى لابقاء سيطرتها على المال والاقتصاد ، واخراج الاموال الى البنوك الاجنبية ، والابقاء على روسيا مصدرا للمواد الخام من نفط وغاز وثروات معدنية واخشاب . حتى ثروة المياء العذبة التي تملك روسيا ربع احتياطيها العالمي ، تخطط اوساط نافذة لبناء انابيب لنقل تلك المياه الى الصين واوربا وغيرها ، وحرمان روسيا منها .
وبرأي هؤلاء ، فقد كشفت جائحة كورونا عورات الطغمة الليبرالية المالية الروسية ، ومعاداتها للمصالح الحقيقة لروسيا ولشعبها ، وبينت تخاذلها المعيب في التصدي لفيروس كورونا . والمشكلة – حسب هؤلاء المثقفين – تكمن في ان اذرع هذه الطغمة ، تعطل فاعلية القرارات اليومية التي يصدرها الرئيس بوتين للتصدي للجائحة ، وتعرقل ايصال المساعدات المالية التي تقدمها الدول الى مستحقيها . وقد برز- برأي هؤلاء – مشهد فريد من نوعه : الرئيس بوتين يصارع تقريبا وحده للتصدي للجائحة . فهو يتابع شخصيا ويوميا انشطة الحكومة و حكام المقاطعات ورؤوساء البنوك ومديري المؤسسات الحكومية والخاصة ومسؤولي القطاع الصحي في التصدي للجائحة ، عبر بث تلفزيوني مباشر ، ويستمع الى تقارير كل منهم ، ويزوده بالتوجيهات ويطلب منه جدولا زمنيا يوميا لتنفيذها . وهويتلقى الاف الشكاوى عن سوء اداء المؤسسات او عدم تنفيذ القرارات . ومثل هذا الاسلوب يعني ،ان المفاصل الاساسية في الدولة لا تقوم بواجباتها كما ينبغي ،وهو يعطي الانطباع- حسب هؤلاء المثقفين – وكأن هناك مخطط لاغراق رئيس الدولة بالتفصيلات ، وتحميله بالتالي مسؤولية اي اخفاق يتم . 
ويرى معظم المثقفين هؤلاء ، انه اذا كان الرئيس بوتين ينال الان دعم ثلثي المواطنيين الروس ، فان بطانته الليبرالية – على النقيض من ذلك – تحظى بعداء تسعين بالمائة من الشعب الروسي . وتغاضي الرئيس عن هذا الامر، يستنزف شعبيته ويعطل قدرته على التحرك نحو الامام . وهذا الاشكال الكبير-برأي هؤلاء – لا يستطيع حله سوى بوتين نفسه ، لانه الوحيد القادر على ذلك الان ، عبر تغيير هذه البطانة وابعادها عن مصادر القرار المالي والاقتصادي والاعلامي.

وبرأي هؤلاء ،فان الاستمرار في التساهل مع الطغمة المالية واغماض العين عن سلوكها الشائن ، سيدخل مسقبل البلاد في المجهول . ومعظم هؤلاء المثقفين ذوي الاتجاهات الوطنية ، يعتقد ان القوى الليبرالية تسعى الى العودة ،بعد كورونا ، الى الاوضاع السابقة وترسيخ نفوذها . ويعتقد هؤلاء ان هذا الامر مستحيل . فالعودة باتت غير ممكنة ، والتغيير قادم لا محالة. ومن الافضل ان يتم على يدي الرئيس بوتين ، لان ذلك سيجنب روسيا هزات اجتماعية وسياسية مكلفة ، ويضمن سبل الاستقرار والاستمرار والنماء فيها. طبعا ، هناك مشاركون اخرون في البرامج اعلنوا تأييدهم الكامل لاستمرار الوضع الحالي، وأشادوا بالانجازات التي حققتها روسيا، وتحدثوا عن مخاطر اي تغيير ، وهؤلاء ينتمون عادة الى حزب روسيا الموحدة الحاكم ، واغلبهم من اصحاب المناصب والمستفيدين من استمرار الوضع .

لكن هؤلاء، لا يتمتعون بدعم شعبي ،وهم يمثلون مصالح الفئات المستفيدة من السلطة . وهناك مثقفون آخرون ، وهم اقل تأثيرا ، ينتمون الى احزاب وحركات سياسية معارضة ،انتقدت سلوك السلطات الروسية وتضييقها على الحريات العامة ، وطالبت بتوزيع عادل للثروة ، والسعي الى انهاء اسباب العقوبات الغربية التي ترزح روسيا الان تحتها .وهذه الحركات لا تميز بين بوتين وبطانته. بشكل عام ، فان ضرورة احداث تغيير في الوضع الحالي ، هوالمزاج الغالب اليوم على معظم مثقفي روسيا ذوي النزعة الوطنية .وهم يأملون ان يبادر الرئيس بوتين الى قيادة هذه التغييرات ، لأن هذا هو الاسلوب السلس الوحيد الذي يضمن الانتقال الى وضع اكثر عدالة ، وينهي تسلط الطغمة المالية والبيروقراطية ، التي تمتص خيرات لبلاد وتكبل امكانية تقدمها نحو الامام.

:::::

سيرياهوم نيوز-صفحة الكاتب

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.