لكن في العمق… إيش علاقة الكويت بالقضية الفلسطينية؟ محمد الحسن

السؤال الذي تم طرحه يريد فهم السبب الذي يجعل من قضية فلسطين هماً كويتياً، ربما هو سؤال استفهامي بحت وقد يكون تهكمياً،لا ندري، لكن في كلا الحالتين فإن المطلوب هو “العمق”، ذلك “العمق” الذي يتجاوز الشعارات والمشاعر (وإن كانت تلك الشعارات والمشاعر ليست سوى تعبيرات عن ذلك “العمق”)، وعليه كان لا بد من عودة إلى جذر المسألة التي تجعل فلسطين قضية كل كويتي، بل وكل عربي.

بالرغم من أن الهجرات اليهودية لفلسطين كانت قد بدأت بالفعل في القرن التاسع عشر، إلا أنه يمكن اعتبار وعد بلفور في الثاني من نوفمبر ١٩١٧ كنقطة بداية عملية ملموسة لتأسيس الكيان الصهيوني على أرض فلسطين. وهنا نقف عند تاريخ الإعلان، حيث جاء في ظل اشتداد المعارك بين الجيش البريطاني والجيش العثماني المدافع عن فلسطين، حيث سقطت القدس بيد الاحتلال البريطاني في الأسبوع الأول من ديسمبر ١٩١٧. إذن فإن خطوة تأسيس الكيان كانت إحدى إفرازات الهزيمة بوجه الهجمة الاستعمارية التي استهدفت الأقطار العربية (العراق والجزيرة العربية – بما فيها الحجاز – وسورية الطبيعية). من جهة أخرى، فإن الكويت كانت في حينه محميةً بريطانية بموجب معاهدة الحماية التي وقعها مبارك الصباح عام ١٨٩٩، تلك المعاهدة التي رفض أمير الكويت محمد الصباح توقيعها بسبب ولائه للدولة العثمانية وسقط صريعاً بسبب رفضه هذا على يد أخيه مبارك في انقلاب ١٨٩٦ (تم قتل محمد الصباح وأخيه جراح الذي يعتبر ولي العهد في هذا الانقلاب). تلك المعاهدة كانت بدورها حلقة في سلسلة طويلة بدأت باحتلال البريطانيين لعدن عام ١٨٣٩ واستمرت حتى إخضاع مسقط وساحل عمان (ما يعرف اليوم بالإمارات العربية المتحدة) والبحرين والكويت وشملت كذلك عربستان تحت حكم الشيخ خزعل. أي أننا فعلياً نتحدث عن هجمة استعمارية بريطانية واحدة على منطقتنا بدأت في عدن وانتهت بفلسطين، مروراً بالكويت، نتج عنها هيمنة بريطانية ستسمر حتى سبعينات القرن العشرين. من هنا نرى أن قضية فلسطين وقضية الكويت (وسورية الطبيعية والعراق والجزيرة العربية واليمن) هي بالأساس قضية واحدة عنوانها الاحتلال والتقسيم وفرض الهيمنة (بريطانية وفرنسية).
ما تبع ذلك من فرض الانتداب البريطاني على فلسطين وازدياد حدة الهجرات اليهودية إليها برعاية استعمارية صريحة لا لبس فيها تزامن مع ترسيم لحدود الكيانات السياسية التي نعرفها اليوم، أيضاً طبقاً لخطة واحدة هدفها تأبيد الهيمنة على المنطقة والسيطرة على مقدراتها ومنعها من النهوض، فكل ذلك لم يحدث اعتباطياً ولا عشوائياً، فالكويت تم تحجيمها وسلخ مساحات كبيرة منها لصالح المملكة السعودية، بينما مُنعت الأخيرة من ضم ميناء الحديدة الذي احتلته عام ١٩٣٤، وكانت قبلها قد مُنعت من مهاجمة العراق وسورية الطبيعية (ومعركة السبلة معروفة بين عبد العزيز آل سعود ومقاتلي الإخوان الذين رفضوا التوقف عما أسموه بالجهاد)، بينما بقي جنوب اليمن مقسماً لإمارات ومشيخات وسلطنات عديدة والمملكة المتوكلية في الشمال فقدت عسير ونجران وجيزان. إن المرء ليحتاج درجةً عاليةً من السذاجة وقصر النظر كي لا يرى ترابط كل تلك الأحداث، خاصة وأن اللاعب الرئيسي فيها واحد: البريطانيون (الفرنسيون يأتون بعدهم في الأهمية والتأثير في شرق الوطن العربي).
بعد إعلان التقسيم في ٢٩ نوفمبر ١٩٤٧ وإعلان قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين في ١٤ مايو ١٩٤٨ تم فعلياً تسليم فلسطين للصهاينة ليلعبوا دورين مهمين، الأول هو منع اتصال المشرق العربي بمغربه عن طريق مصر والثاني هو الردع العسكري لأي كيان عربي قد يفكر في الخروج من قيد الهيمنة البريطانية. والذي يتابع الوثائق البريطانية والأمريكية الخاصة بالمفاوضات بين البريطانيين (ولاحقاً الأمريكيين) مع مصر الجمهورية يرى مدى حرص الأخيرة على مسألة الاتصال البري لدرجة رفض أن يكون ذلك الاتصال عبر جسور تربط الأردن والسعودية بمصر والإصرار على انسحاب الصهاينة من النقب لتحقيق ذلك الاتصال. كما إن النكبة (ولاحقاً العدوان الثلاثي في ١٩٥٦ والنكسة في ١٩٦٧) يبين بوضوح الدور العسكري للكيان الصهيوني في ردع وكسر أي تحدٍ عربيٍ لخطط الهيمنة. من هنا نرى بوضوح أن قضية فلسطين هي فعلياً – وبالملموس – قضية كل المتضررين من نجاح الهجمة الاستعمارية (وبضمنها الكويت)، فالكيان الصهيوني ليس سوى تركة تلك الهجمة وقاعدتها الجاثمة على صدورنا حتى اليوم (مع تبدل الهيمنة من بريطانية إلى أمريكية عقب الحرب العالمية الثانية).
ربما يجدر بنا أن نضيف أن تطلعات الكويتيين في الفترة المذكورة كانت عابرة للقطرية وذات تطلعات وحدوية واضحة. فمثلاً كانت انتفاضة المجلس التشريعي الكويتي عام ١٩٣٨ ترفع مطالباً من بينها الوحدة مع العراق، وقد جوبهت الانتفاضة بقمع واسع سقط على إثره القائدان الشهيدان محمد القطامي ومحمد المنيِّس (اللذان تم صلبهما في ساحة الصفاة في العاصمة الكويتية).
لكن لنطرح مرة أخرى ذات السؤال: “إيش علاقة الكويت بالقضية الفلسطينية؟”
الكويت كباقي أقطار الوطن العربي تعاني من الهيمنة الأمريكية، ولا أدل على ذلك من فسخ العقود التي أبرمتها الكويت مع الصين قبل عامين بأمرٍ أمريكي، فالكويت التي رأت أن لها مصلحة في الاتفاق مع الصين قد مُنعت من تحقيق تلك المصلحة (وليس سراً أن أحد أكبر القواعد العسكرية الأمريكية في منطقتنا هي في عريفجان بالكويت)، وهذا مجرد مثال حديث وإلا فإن الأمثلة على ذلك كثيرة. إن وجود الهيمنة الأجنبية (الأمريكية) في منطقتنا يعيق نهوضها ويقيدها، فحتى التنسيق والتكامل ممنوعان وكلنا يرى الخلافات الحادة بين أقطار الخليج العربي ناهيك عن الخلافات بين الأقطار العربية الأخرى، وللكيان الصهيوني دور كبير في تأمين تلك الهيمنة، فهو في نهاية المطاف ليس سوى قاعدة عسكرية متقدمة لها. هذا الكيان العدواني بطبيعته لا يرى إمكانية للاستمرار دون التوسع على حسابنا كعرب، ولا يرى فينا إلا عدو، فمصر مثلاً التي وقعت معاهدة “سلام” معه لم تشفع لها تلك المعاهدة من تآمر الكيان عليها بالتغلغل في إفريقيا وتحريض دول حوض النيل عليها والجميع اليوم يرى التهديد الماثل على حصة مصر من مياه نهر النيل، وهذا على سبيل المثال لا الحصر.
يمكننا الغوص إلى “عمق” أكبر بكثير لتبيان أنه لا وجود لقضية فلسطينية وأخرى عراقية وسورية وكويتية… إلخ، بل هي قضية عربية واحدة بدأت منذ القرن التاسع عشر ولاتزال مستمرة إلى يومنا هذا، قضية عنوانها الهيمنة الأجنبية والتجزئة الاستعمارية، وأن نهوضنا كعرب يحتم علينا رؤية الصورة بهذا الشكل حتى وإن لم تكن لنا ميول قومية ووحدوية، فمصيرنا حقيقةً مرتبط، لا يمكن مثلاً بناء صناعات عربية بينما الثروات (رؤوس الأموال) في مكان والقوى العاملة في مكان آخر والسوق مقسمة أصلاً والهيمنة تعيقك من تحقيق مصالحك بالقوة! الوحدة العربية ليست شعاراً، ليست شعوراً نبيلاً من نمط “ربعٍ تعاونوا ما ذلّوا!” ولا أحلاماً وردية، بل ضرورة حياة وضرورة نهوض وطريق وحيد لا مفر منه شئنا أم أبينا، ولنا في تجربة الصين عبرة، فقد كان توحيد البلاد والقضاء على الهيمنة الاستعمارية هو الخطوة الأولى في مسيرة طويلة نرى نتائجها اليوم.
في العمق، علاقة الكويت – وكل العرب – بالقضية الفلسطينية هي علاقة وجود، ففلسطين – كما قال الشهيد عبد الوهاب الكيالي – هي الاسم الحركي للأمة العربية، هذا هو العمق!

:::::

موقع الكاتب على فيس بوك

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.