حرب المضائق والجزر بين الغرب والصين .. والعدوان الأمريكي! محمد صادق الحسيني

يقع بحر الصين الجنوبي بين الصين الشعبيه شمالاً ، وفيتنام وماليزيا غرباً ، وجزء من ماليزيا في الجنوب الغربي ، والفلبين في الشرق . وهو بالتالي يتوسط اهم ممرين بحريين ، في كل منطقة آسيا وغرب المحيط الهندي ، وهما مضيق مالاقا الواقع بين ماليزيا وجزيرة سومطره الإندونيسية ومضيق تايوان الواقع بين جزيرة تايوان الصينيه المنشقه والبر الصيني ( جمهورية الصين الشعبيه ) .
تنبع اهمية هذه الممرات او المصائد البحريه من كونها معبراً اجبارياً لسفن التجاره الدوليه الى دول كل تلك المنطقه من العالم ، بما في ذلك اليابان وكوريا الشماليه والجنوبية والفلبين وإندونيسيا وفيتنام ودول اخرى.

فعلى سبيل المثال لا الحصر فإن :

•ما قائمته ٣،٣٧ ترليون دولار من حجم التجارة العالميه يمر عبر المضيقين وبالتالي عبر بحر الصين الجنوبي
•وان ٨٠ ٪؜ من واردات الصين النفطية والغازية تصل الى الصين عبر هذين المضيقين .
•وان ٣٩،٨ من اجمالي الواردات الصين وصادراتها الى العالم تمر عبر هذين المضيقين .

وبما ان بحر الصين الجنوبي يحتوي على عدة مجموعات من الجزر ، مثل مجموعة جزر باراسيل ( Paracel Islands ) ، التي لا تبعد اكثر من ٢٥٠ كم عن البر الصيني / مقاطعة هاينان / وجزر سبراتلي ( Spratly Islands ) ، وانطلاقاً من المسؤوليه الدولية ، التي تقع على عاتق جمهورية الصين الشعبيه ، كدولة عظمى وعضو دائم في مجلس الامن الدولي ، فان بكين قد عملت ومنذ انتصار الثورة في البلاد سنة ١٩٤٩ على تأمين طرق التجاره الدوليه في تلك البحار . وبما ان مجموعات الجزر ، المذكوره اعلاه ، تقع في نقاط حساسة من هذا البحر ، فان تأمينها ، او بالأحرى تعزيز حمايتها ، كان دائماً جزءاً من مسؤوليات بكين الأساسيه ، في حماية وتأمين طرق الملاحة التجاريه الدوليه . خاصة وان هذه الجزر جميعها ليست مشمولة بأية اتفاقيات دولية قد تشمل أساساً قانونياً، لاي جهة كانت ، كي تطعن في سيادة الصين الشعبيه عليها ، وذلك لانها كانت عبر التاريخ جزرًا صينية خالصة .
ولمزيد من الإضاءة على الموضوع فلا بد من الاشارة الى بعض الحقائق الهامه ، المتعلقه بهذه الجزر ، واهم هذه الحقائق ما يلي :

1. ان هذه الجزر بقيت خاضعة لسيطرة الدوله الصينيه ، ماقبل الفترة شيوعيه ، حتى سنة ١٩٣٠ ، عندما قام الجيش الإمبراطوري الياباني باحتلال معظمها وأقام عليها قواعد او مرتكزات عسكرية له .
2. ان الحكومة الفرنسيه ، بموجب اتفاقية جنيف ، الموقعه سنة ١٩٥٤ لانهاء حرب الهند الصينيه ، بعد هزيمة فرنسا في معركة ديان بيان فو الفيتناميه ، بقيادة الجنرال جياب ، قد أعطت حق السيادة على معظم هذه الجزر لفيتنام الجنوبيه ، جنوب خط عرض ١٧ ، والذي بقي خاضعاً لحكم قادة محليين تابعين للاستعمار الأجنبي . علماً انه كان من المفترض ، حسب اتفاقية جنيف نفسها ، اجراء انتخابات عامه في جنوب فيتنام سنة ١٩٥٦ ، لإعادة توحيد البلاد . لكن فرنسا وبدعم واضح من الولايات المتحده قد عرقلت ذلك ومهدت بذلك لحرب فيتنام الثانيه التي تورطت فيها الولايات المتحده ومنيت بهزيمة نكراء سنة ١٩٧٥ .
3. ان جمهورية الصين الشعبيه ، وقبل هزيمة الولايات المتحده ، في حرب الهند الصينيه – فيتنام وكمبوديا ولاوس – وسقوط سايغون ، عاصمة جنوب فيتنام ، وفي اجراء احترازي ، لتعزيز امن تلك الجزر ، وبعد ان اضطرت واشنطن ان تعطيها ضمانات بعدم التدخل في شؤون تلك الجزر ، قامت بتعزيز حامياتها العسكرية فيها ، وذلك خوفاً من قيام الجيش الاميركي باحتلال هذه الجزر ونشر فلول قواته الهاربة من فيتنام الجنوبيه فيها ، واقامة قواعد عسكرية لضمان استمرار هيمنته على تلك المنطقة من العالم .

ولكن فشل تلك المحاولة الاميركيه ، أواسط سبعينيات القرن الماضي ، لم يمنعها من مواصلة التحرش بالصين ، ومحاولة اعادة سيطرتها على تلك الممرات البحريه الهامه . اذ انها لجأت ، ومنذ بداية القرن الحالي ، بتحريض دول المنطقه ، وخاصة فيتنام ، التي باعتها واشنطن قطعاً بحرية مهمه ، ضد جمهورية الصين الشعبيه ، وشنت حملة إعلامية واسعة ضد بكين ، خاصة بعد احتلال واشنطن لافغانستان سنة ٢٠٠١ ، وبدء عمليات الحشد والتطويق الاستراتيجيين لجمهورية الصين الشعبيه ، من قبل الولايات وحلفائها الغربيين في حلف شمال الأطلسي . كما ان اكتشاف النفط والغاز أواخر العشريه الاولى من هذا القرن ، في بعض مناطق وجزر بحر الصين الجنوبي ، قد صعَّد من عدوانية واشنطن بشكل كبير ضد الصين، اذ انها واصلت إرسال قطعها البحريه ، من الاسطول الاميركي السابع على وجه الخصوص ، الى بحر الصين الجنوبي وذلك بحجة ان الصين تقيم جزراً صناعية في هذا البحر لبناء منشآت عسكرية صينية عليها .
وعلى الرغم من مواصلة الصين سياسة الاستثمار في الحلول الدبلوماسيه ، ومواصلة الجهود السلميه للتوصل الى حلول سلميه ، يرضى بها الجميع ، وتحافظ على مصالح جميع الدول المعنيه بموضوع بحر الصين الجنوبي وتوصلها الى اتفاقية مع مجموعة دول آسيان العشره ( ASEAN COUNTRIES ) ، وتوقيعها بتاريخ ٢٠/٧/٢٠١١ ، وذلك كقاعدة للتعاون بين تلك الدول والصين الشعبيه وحل جميع الخلافات البحريه بالطرق السلميه ، الا ان واشنطن لجأت الى خطوة استفزازية وتصعيدية ، مثلت  عدواناً مباشراً على مصالح الصين ، وذلك عندما قامت سنة ٢٠١٥ وفِي عهد باراك اوباما ، بالتعاون مع دول الاستعمار القديم ، فرنسا وبريطانيا ، بتشكيل قوة بحرية اطلقوا عليها اسم: فريدوم أوف ناڤِغيشن Freedom of navigation ، ضمت خلالها عدداً من مدمرات وبوارج الاسطول السابع الاميركي ، الى جانب عدة مدمرات وطرادات وفرقاطات فرنسيه وبريطانيه ، والتي بدأت بعمليات الاستفزاز والتحرش ، بالجزر الصينيه ، وبقطع القوات البحريه الصينيه ، التي تقوم بأعمال الدوريه الروتينية ، في بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي . وقد تصاعدت هذه الاستفزازات الامريكيه الى حد عرقلة اعمال سفن الصيد الصينيه وبشكل مستمر .
كما عمدت الاساطيل الاميركيه منذ عام ٢٠١٦ ، وفِي مسلسل خطوات استفزازية جديده ضد الصين الشعبيه ، وضمن تعزيز عمليات الحشد الاستراتيجي الاميركي ضد الصين ، بتنظيم تدريبات عسكرية بحرية مع القوات البحريه لدول آسيان ، وهي : ميانمار ، تايلاند ، كمبوديا ، ماليزيا ، سنغافورة ، إندونيسيا ، بروناي ، الفلبين فيتنام ، لاوس ، التي تدعي بعض منها السيادة على بعض جزر بحر الصين الجنوبي .
علماً ان قطع المجموعه البحريه الاميركيه الاوروبيه المشار اليها اعلاه تتعمد اجراء التمارين العسكريه مع سلاح البحريه لكل دولة من دول آسيان على حده وذلك لضمان وجود القطع البحريه الاميركيه بشكل دائم في تلك البحار .
ولعله من الجدير بالذكر ايضاً ان رئيس الولايات المتحده الحالي قد اكد ، ومنذ تسلمه الحكم ، على ما يلي :

أ) ضرورة تعزيز عملية : فريدوم أوف ناڤيغيشن ، الاميركيه الاوروبيه المشار اليها اعلاه ، في منطقة بحر الصين الجنوبي وذلك حفاظاً على استراتيجية استمرار ديناميكية ( حركية ) الانتشار العسكري الاميركي هناك.
ب ) ان تكون استراتيجية الولايات المتحده للانتشار العسكري الاميركي ، في المنطقة ، غير قابلة للتخمين او التوقع او التقدير  وضرورة ان يتم نشر القطع البحريه هناك دون سابق إنذار ودون الاعلان عن ذلك .
ج) وفي هذا الاطار قامت القطع البحريه الاميركيه الاوروبيه ، المكلفه بعملية فريدوم أوف ناڤيغيشن ، ومنذ شهر أيار ٢٠١٩ حتى اليوم ، بتنفيذ اربع عمليات ” دوريه ” ، في محيط جزر باراسيل وجزر سبراتلي الصينيه، في بحر الصين الجنوبي ، بالاضافة الى القيام بعمليات تحليق جوي ، في اجواء الجزر المذكوره اعلاه ، من قبل قاذفتي قنابل استراتيجيتين أمريكيتين من طراز B 52 ، وفي نفس الفتره الزمنبه ، المذكوره اعلاه .
فهل تقبل الولايات المتحده ان تقوم القطع البحريه الصينية بأعمال الدوريه البحريه ، في محيط جزيرتي كاتارينا آيلاند ( Catalina island )و تشانيل آيلاند ( Chanel Island ) ، قبالة شواطئ لوس انجيلوس ، ام انها ستعتبر ذلك عدواناً صينياً على سيادتها ؟
اوقفوا عدوانكم قبل ان يفوت الأوان وتصبح سواحلكم مسرحاً مفتوحاً للقطع البحرية الصينية وغيرها من الدول التي ترفض عنجهيتكم وعدوانكم المدان . انتهى زمن العربدة البحرية والجوية ولم تعد تخيف احداً وأنتم تعلمون ذلك جيداً ولن تفيدكم المكابرة الزائفة والتي يجب ان تستعينوا عنها بسياسة التعاون المثمر مع كل دول العالم ولإنقاذ اقتصادكم ومستقبل أجيالكم قبل كل شيء .
ان كنتم تفقهون..

:::::

المصدر: مجلة تحليلات العصر

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.