مقدِّمة للنكبة: الاستعمار البروتستانتي الأوروبي لفلسطين، جوزيف مسعد

تشير النكبة الفلسطينية إلى فقدان الفلسطينيين لوطنهم وأراضيهم وبيوتهم، وفقدان الحق في استعادتها. لقد حاججتُ لسنوات بأن نكبة فلسطين كانت قد بدأت في الثمانينيات من القرن التاسع عشر بوصول أول المستعمرين الاستيطانيين اليهود الصهاينة، الذين طردوا الفلاحين الفلسطينيين من الأراضي التي اشتروها من أصحاب الأراضي الغائبين. فالنكبة على هذا النحو إذاً هي كارثة مستمرة في تعريف الوضع الفلسطيني اليوم، حيث أن عامي 1948 و1967، هما محطتان تاريخيتان فاصلتان لخسائر أكبر وأضخم للأراضي والحقوق، وعام 1993، أي عام أوسلو، هو محطة تاريخية فاصلة لخسارة الفلسطينيين حقهم في استعادة وطنهم المسروق، من خلال تعاون ما كان فيما مضى حركة تحريرهم مع المستعمر.

لكن الاستعمار اليهودي الصهيوني لفلسطين جاء تتويجا لجهود المسيحيين الأوروبيين لاستعمار فلسطين، التي تلت غزو نابليون وهزيمته في عكا عام 1799 على يد العثمانيين وحلفائهم البريطانيين. وفي واقع الأمر، لقد كان هذا الاستعمار المسيحي الأوروبي لفلسطين الذي دُشّن في بداية القرن التاسع عشر هو المقدمة للاستعمار اليهودي الصهيوني الذي بدأ في نهاية القرن.

وبينما كانت حركة الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر أول حركة مسيحية أوروبية تطالب بتحويل اليهود إلى مسيحيين بروتستانت و”إعادتهم” إلى فلسطين، كان البريطانيون هم الذين دشنوا خطط الاستعمار والمسحنة (أي تحويل غير البروتستانت إلى مسيحيين بروتستانت) التي ابتكرها المبشرون المتعصبون في “جمعية لندن لتعزيز المسيحية بين اليهود” (تأسست عام 1809). وقد سعى المتعصبون الأنجليكانيون إلى تحويل اليهود الأوروبيين إلى البروتستانتية وتشجيع هجرتهم إلى فلسطين، حيث أسسوا شبكة تبشير خاصة بهم لتحويل ليس فقط يهود أوروبا، بل أيضا بضعة آلاف من اليهود الذين كانوا يعيشون في فلسطين حينئذ.

ففي عشرينيات القرن التاسع عشر، قاد هذه الجمعية المتزمتة، تحت رعاية الساسة واللوردات البريطانيين بمن في ذلك وزير الخارجية البريطاني اللورد بالمرستون، يهود اعتنقوا البروتستانتية، وقد رأوا أنه من المناسب إرسال المزيد من البروتستانت ذوي الأصول اليهودية إلى فلسطين للتبشير بين اليهود. وسرعان ما أسس البريطانيون أول قنصلية أجنبية سمح العثمانيون بإنشائها في القدس في عام 1838، وأسست كنيسة إنجلترا مطرانا أنجليكانيا في المدينة المقدسة عام 1842. وكان المطران الأول، مايكل سولومن ألكسندر، حاخاما يهوديا ألمانيا قبل اعتناقه البروتستانتية. وسرعان ما اشترى البريطانيون أراضي وأنشأ قنصلُهم عدة مؤسسات لتوظيف اليهود في الزراعة، وغيرها من المهن. كما بدأ المستعمرون البريطانيون أنفسهم في شراء الأراضي والعمل في الزراعة. أحدهم جون مشولم، يهودي سيفاردي من معتنقي البروتستانتية ومولود في بريطانيا، امتلك أرضا بالقرب من بيت لحم واستخدم اليهود المحليين لزراعتها.

بحلول خمسينيات القرن التاسع عشر، كان عدد سكان فلسطين نصف مليون نسمة، بما في ذلك 8000 يهودي، نصفهم يهود فلسطينيون كانوا قد فروا من محاكم التفتيش الإسبانية وجاءوا إلى فلسطين في القرن السادس عشر. والنصف الآخر كانوا يهودا مسيحانيين يتبعون مذهب القَبَلَه، هاجروا إلى فلسطين في العقود الأولى من القرن التاسع عشر قادمين من روسيا وليتوانيا لانتظار مجيء المسيح. وقد حققت “جمعية لندن” نجاحا متواضعا في تحويل بضع عشرات من بين الأخيرين إلى البروتستانتية. وقد حارب الحاخامات الجمعية وحرّموا على اليهود التعاطي مع المبشرين. وناشدوا المحسنين اليهود الأوروبيين، عائلة روثشيلد وموسى مونتيفيوري، للحصول على المساعدة. وقد قام الأخير بإنشاء مستشفيات واشترى أراضي لليهود الفقراء خشية أن يتحولوا إلى البروتستانتية.

وكما ادعى الصليبيون بأن غزوهم لفلسطين كان يهدف إلى إنقاذ المسيحيين الشرقيين، الذين قاموا بقتلهم وإخضاعهم لحكمهم اللاتيني الكاثوليكي بعد احتلالهم لفلسطين، فقد كانت ذريعة أول حرب أوروبية كبرى في القرن التاسع عشر لتدشين ما يجب أن نسميه بــ”التدافع الاستعماري للسيطرة على فلسطين”، أي “حرب القرم” 1853-1856، أيضا “حماية” مسيحيي فلسطين.

نشبت الحرب نتيجة مخاوف فرنسية وبريطانية من أن روسيا تخطط للسيطرة على فلسطين، بدليل الحج المسيحي الروسي السنوي الكبير إلى القدس في عيد الفصح. وبصرف النظر عن غيرة القوى الكاثوليكية والبروتستانتية في أوروبا الغربية ومخاوفها الفعلية بشأن التوسع الروسي الحقيقي والمتخيل على حساب السلطنة العثمانية الضعيفة، التي اكتسبت فرنسا وبريطانيا نفوذا كبيرا عليها في القرن التاسع عشر، شكلت الحجة بأن فلسطين، ومواقعها المسيحية المقدسة، وسكانها العرب المسيحيين، يجب أن يكونوا محط اهتمام القوى المسيحية الغربية حصرا، تهديدا فعليا للمصالح الروسية.

كان الروس قلقين من تزايد المؤسسات التبشيرية البروتستانتية والكاثوليكية في فلسطين، ناهيك عن إهمال وفساد رجال الدين اليونانيين المسؤولين عن الفلسطينيين الأرثوذكس. وكان العثمانيون هم من وضع اليونانيين على رأس السلطة الكنسية لمسيحيي فلسطين في القرن السادس عشر، وذلك بعد وفاة آخر بطريرك فلسطيني، البطريرك عطا الله، في عام 1543، حيث اختاروا بطريرك يوناني ليحل محله. وفي عام 1852، أصر الكاثوليك اللاتين الأوروبيون على استعادة حقوقهم الحصرية في الأماكن المقدسة المسيحية الفلسطينية التي استملكوها أثناء الاحتلال الصليبي، واستعادوها أيام المماليك في القرن الرابع عشر، لكنهم خسروها لصالح الأرثوذكس بعد وصول العثمانيين عام 1517. واستجابة لمطالب اللاتين الأوروبيين، أصدر العثمانيون مرسوما أعاد بعض امتيازاتهم على حساب الأرثوذكس في كنيسة القيامة وكنيسة المهد وحديقة الجثمانية. انتفض الفلسطينيون الأرثوذكس، من أبناء الطائفة ورجال الدين، ضد المرسوم، كما جن جنون القيصر نيقولا الأول، وهو ما تسبب باندلاع حرب القرم. وبهزيمة روسيا على يد القوى الأوروبية الغربية التي هبت لنجدة العثمانيين، تسارعت وتيرة الغزو التبشيري الكاثوليكي والبروتستانتي في فلسطين.
 
في غضون ذلك، في عام 1851، وصلت إلى فلسطين منظمة تبشيرية بريطانية متعصبة أخرى، هي الجمعية التبشيرية الكنسية، أو السي. إم. إس، التي تأسست عام 1799، والتي كانت نشطة في المستعمرات البريطانية الاستيطانية في سيراليون ونيوزيلندا، هادفة لتحويل الفلسطينيين المسيحيين الشرقيين إلى هرطقتها البروتستانتية. أنشأ هؤلاء المتعصبون البريطانيون المدارس والمستوصفات وكذلك المرافق الطبية، للمساعدة في إقناع مسيحيي فلسطين باعتناق عقيدتهم، فما كان من الكنائس المسيحية الشرقية الفلسطينية إلا مقاومة المبشرين ومحاربتهم بشراسة.

وردا على استهداف المبشرين لليهود، أسس وزير العدل اليهودي الفرنسي أدولف كريميو مدارس “الاتحاد اليهودي العالمي” في عام 1860 لليهود العثمانيين، بما في ذلك يهود فلسطين، وأنشأ المحسن اليهودي الفرنسي تشارلز نيتر مدرسة زراعية في عام 1871 في فلسطين عارضها اليهود الأرثوذكس. وكان مونتيفيوري نفسه قد أنشأ مزرعتين يهوديتين في يافا وطبرية باءتا بالفشل. ويبدو أن اليهود الأثرياء في غرب أوروبا اتفقوا مع المبشرين البروتستانت على أنه يجب تحويل الطلاب التلموديين اليهود إلى مزارعين استعماريين.

على الجبهة الأمريكية، تم إرسال المبشرين البروتستانت الأمريكيين أيضا في عشرينيات القرن التاسع عشر إلى فلسطين، لكنهم قرروا أن يجربوا حظهم في سوريا وجبل لبنان، وغادروا في أربعينيات القرن التاسع عشر بعد أن نشروا الأناجيل البروتستانتية في البلاد، وتأكدوا من أن البريطانيين، إخوانهم في الدين، سيتولون أمر الفلسطينيين. ولكن جاء آخرون من بعدهم، بما في ذلك مستعمرو مستعمرة آدمز (وكان عددهم 156 متعصبا بروتستانتيا)، الذين كانوا ينتمون إلى طائفة المورمون قبل أن يتحولوا إلى بروتسانت ألفيين.

أقام المتزمتون الأمريكيون مستعمرة استيطانية في مدينة يافا بين عامي 1866 و1868 (عرف الفلسطينيون الموقع باسم “المالكان”، تحريفا لـ”أمريكان”) لتجهيز الأرض المقدسة لـ”عودة” اليهود الذين سيتم تحويلهم إلى البروتستانتية قبل المجيء الثاني للمسيح، بحسب عقيدة المستعمرين البروتستانت، لكن جهودهم باءت بالفشل. وفي عام 1881، أنشأت عائلة سْبافورد الأصولية، التي أتت من مدينة شيكاغو، مستعمرة أخرى في القدس، انضم إليها أصوليون سويديون في تسعينيات القرن التاسع عشر. لكن على عكس البريطانيين، لم يقوموا بالتبشير. اشترى المستوطنون الأمريكيون قصر رباح الحسيني كموقع لمستعمرتهم. ويعرف القصر اليوم بـ “فندق الأميريكان كولوني” (American Colony Hotel).
 
لكن فشل مستعمرة آدامز أتى لصالح مجموعة جديدة من المستعمرين الألمان البروتستانت، والمعروفين بالهيكليين أو “التِمْبْلرز”، كانوا قد وصلوا إلى فلسطين في أواخر ستينيات القرن التاسع عشر وأنشأوا عددا من المستعمرات (كما اشتروا أيضا أراضي مستعمرة آدمز في يافا) عبر البلاد. وقد أبحرت سفن البحرية الألمانية إلى شواطئ فلسطين لحمايتهم خلال الحرب الروسية- العثمانية في 1877/1878. وكان الهيكليون يأملون في تحويل فلسطين إلى دولة مسيحية بروتستانتية وتوقعوا أن تنقل إلى السيادة الألمانية بعد الحرب، لكن خاب أملهم. ازدهرت مستعمرات الهيكليين لغاية وصول المحتل البريطاني، بعد الحرب العالمية الأولى، والصهاينة من بعدهم الذين أخرجوا الهيكليين من البلاد. وغادر آخرهم إلى أستراليا وألمانيا في عام 1948. واستولى الصهاينة على مستعمراتهم.

 كما أنشأ بروتستانت ألمان آخرون، من أتباع كنيسة بروسيا، مستعمرات في أواخر القرن التاسع عشر في مدينتي يافا وحيفا. وفي عام 1860، قام أحدهم، لودفيغ شنلر، بتأسيس “دار الأيتام السورية” الشهيرة للأطفال المسيحيين في القدس. استمرت الدار حتى عام 1940.

زار الملوك الأوروبيون والملكات الأوروبيات البلاد وتوسطوا نيابة عن مبشريهم وكنائسهم الغربية، مطالبين بمزيد من الحقوق والامتيازات لهم. ومن بين هؤلاء الإمبراطورة يوجيني من فرنسا التي زارت فلسطين في عام 1869 وطالبت بتنازلات للاتين، وكذلك أمير بروسيا ألبريشت والإمبراطور النمساوي فرانز جوزيف، اللذين طالبا خلال زياراتهما أيضا بتنازلات للاتين الكاثوليك على حساب الأرثوذكس. وكان أمير ويلز قد زار فلسطين في عام 1862 وتبرع بعشرة نابليون لصندوق بناء كنيسة أنجليكانية جديدة (قام نجلاه ألبرت وجورج بزيارة في عام 1882 وبافتتاح كنيسة أنجليكانية في نابلس، حيث كان مسلمو المدينة قد انتفضوا قبل ذلك بعقدين ضد التعدي البروتستانتي). زار القيصر الألماني البلاد أيضا في عام 1898 وساعد في إنشاء المزيد من مستعمرات الهيكليين (التمبلرز). كما زار فلسطين عدد من الأمراء الروس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كما زارها المشعوذ الروسي راسبوتين في عام 1911.

لكن الأمور تغيرت بشكل ملموس في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر. فقد بدأت الهجرة اليهودية الصهيونية المبكرة من مدينة أوديسا (وهي مستعمرة استيطانية روسية مبنية على أنقاض بلدة حاجي بيه العثمانية التي احتلتها روسيا في أواخر القرن الثامن عشر)، وهو ما غمر “جمعية لندن” التبشيرية بالسعادة لوصول المزيد من اليهود الذين ستبشرهم بالبروتستانتية. أنشأت “جمعية لندن” التبشيرية “جمعية مساعدة اللاجئين اليهود” في لندن لتسهيل هجرة الأخيرين إلى فلسطين. وتم إسناد المهمة في فلسطين إلى موزز فريدليندر، وهو يهودي اعتنق البروتستانتية. قام فريدلاندر بشراء أراض للمستوطنين اليهود في منطقة عرطوف جنوب غرب القدس لإقامة مستعمرة زراعية لهم وتبشيرهم. ولكن بما أن روثتشيلد كان قد أسس بالفعل مستعمرات يهودية استيطانية زراعية في نفس الفترة، تخلى معظم أتباع فريدلاندر اليهود عن المستعمرة بعد ثلاث سنوات، وانضموا إلى المستعمرات الصهيونية في عام 1886. وكان قد تم تعميد سبعة يهود فقط من مستوطنة عرطوف. كانت هذه آخر محاولة لجمعية لندن بتبشير اليهود في فلسطين. وعلى الرغم من أنها باءت بالفشل، زعم القائمون على الجمعية بأنهم كانوا رواد الاستعمار اليهودي في البلاد، وأن المحسنين اليهود الأوروبيين “اسْتُفزوا وشَعروا بالغيرة وأخذوا بمحاكاتهم” من خلال إنشاء مستعمراتهم الخاصة. وهذه هي الفترة التي وصل خلالها المستعمرون اليهود من “أحباء صهيون” (حوبيبي تصيون) من أوديسا وأقاموا أولى المستعمرات الصهيونية، مستهلين بذلك النكبة الفلسطينية المستمرة حتى اليوم.

كان تعصب وتزمت المستعمرين البريطانيين والألمان والأمريكيين البروتستانت في فلسطين في القرن التاسع عشر مقدمة لكثير من المصائب التي حلّت بالشعب الفلسطيني. وسيكون الصهاينة اليهود المتعصبون بدورهم هم الذين سينهون المهمة. إن التبشيريين الأمريكيين (أو من يسمون بــ”الإنجيليين”) الذين يدعمون اليوم الاستعمار الاستيطاني الصهيوني المستمر لفلسطين معادون للسامية واليهود، شأنهم شأن أسلافهم في القرن التاسع عشر. لكن، وبما أن المتعصبين البروتستانت أدركوا في نهاية القرن التاسع عشر بأنه لا يمكن تحويل فلسطين إلى دولة بروتستانتية، وأن الفلسطينيين المسلمين لن يعتنقوا هرطقاتهم، وأنه بعد سبعة عقود، لم يعتنقها سوى 700 يهودي و1000 فلسطيني مسيحي شرقي، أدرك رعاة الاستعمار الأوروبيون بأن أفضل سيناريو ممكن للسيطرة الاستعمارية الأوروبية على فلسطين يكمن في إقامة مستعمرة استيطانية يهودية متحالفة مع الأصولية البروتستانتية. وهذا ما كانت عليه الصهيونية في القرن التاسع عشر، ولم تزل عليه حتى اليوم في القرن الحادي والعشرين.

:::::

موقع “عربي 21”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.