900000 الموتى في مقبرة ليننغراد، رشاد أبوشاور

كنا في ضيافة اتحاد كتاب الاتحاد السوفييت..وفي برنامج الزيارة قضاء يومين في مدينة ليننغراد – اسمها قبل الثورة البولشفية بطرسبورغ، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي عادت لاسمها القديم- والسفر إليها بالقطار.

ليلة كاملة قضيناها مسافرين في القطار، وعندما هبطنا في محطة القطار الأخيرة ووجهنا بطقس شتائي رهيب. ملابسنا لم تكن دافئة وثقيلة بحيث تحمينا من قسوة البرد. لم تكن رؤوسنا مغطاة بقبعات الفراء الروسية الدافئة..وأحذيتنا تناسب بلادنا وليس الشتاء الروسي. تحملنا بحماسة ونحن نرتجف وأسنانا تصطك، شوقا لرؤية بعض معالم هذه المدينة العظيمة العريقة..مدينة الثورة البولشوفية..المدينة التي واجهت حصارا امتد من 9 أيلول 1941 إلى 18 يناير 1943.

زرنا متحف ( الأرميتاج) الذي كان في زمن القياصرة قصر الشتاء، ووقفنا أمام المدمرة (الأورورا) التي أطلقت قذائف قليلة على قصر الشتاء حيث كانت حكومة (كيرنسكي) البرجوازية تجتمع..فلاذ الوزراء بالهرب رغم صيحات كيرنسكي عليهم مطالبا إياهم بالثبات والتصدي للبلاشفة.

  زيارتنا لمقبرة المدينة التي صمدت ببسالة لحصار دفع أهلها لأكل لحاء الشجر، وللموت بردا، وبالقصف النازي الذي دمر وقتل، ناهيك عن الحصار الذي طال كثيرا قبل اندفاع الجيش الأحمر الذي فك الحصار بتضحيات عظيمة..آلمتنا، واستدرت الدموع من عيوننا، والتأوهات من قلوبنا، نحن أبناء الشعب الذي يدفع يوميا في مواجهته للنازيين الجدد.

كل شيء رمادي. السماء مغطاة بغيوم رمادية ثقيلة لا تتوقف عن مطر غزير شديد البرودة.

قبور ممتدة رصاصية اللون لا يمكن أن تعدها.

مالت المترجمة علينا وهي تهمس بصوت خفيض:

– أنتم تقفون أمام مقبرة تضم أجساد 900000 ألف مواطن دفنوا تحت هذه القبور..قبور لشيوخ، وأطفال، وأمهات، ومقاومين..رجال ونساء رحلوا شبابا.

مضينا إلى متحف ملاصق للمقبرة، ولعل أكثر ما أوجعنا ما تركته طفلة اشتهرت بيوميات صغيرة قرأنا فيها: اليوم ماتت أمي..ثم: اليوم ماتت أختي..ثم فراااغ، صفحة بيضاء في الدفتر الصغير.. هل من داع للقول بأنها ماتت بردا، وجوعا، ووحشة..فلم يتح الموت لها أن تكتب: اليوم مُت أنا؟!

 أمريكا سيدة الكذب منذ بدأ وجودها تدّعي بأنها وبريطانيا من حققتا الانتصار المؤزر في الحرب العالمية الثانية..تصوروا!!

دخلت أمريكا الحرب متأخرة، وبعد ضربة ( بول هاربر) اليابانية لأسطولها، في العام 1941 وبلغت خسائرها مع بريطانيا طيلة الحرب العالمية الثانية قرابة المليون..وخرجت الرابحة اقتصاديا، ولم تدمر مدينة أمريكية واحد في تلك الحرب.

بلغت خسائر شعوب الاتحاد السوفييتي، وفي مقدمتها الشعب الروسي 27000000 مليونا.. سبعة وعشرون مليون إنسان، أي قرابة نصف خسائر البشرية في الحرب العالمية الثانية.

الجيش الأحمر طارد جيوش هتلر من قرب موسكو حتى الرايخستاغ في برلين، بعد أن حطم جيوش النازيين الرهيبة  التي كانت قد اجتاحت الإمبراطورية الفرنسية في 17 يوما ودخلت عاصمتها باريس، وطحنت جيوش بريطانيا العظمى التي خاطب تشرتشل رئيس وزرائها شعبها باكيا إثر الهزائم: أنا لا أملك لكم سوى الدموع.

في تلك الحرب بريطانيا وفرنسا حاربتا بأبناء شعوب المستعمرات في آسيا وأفريقيا، وضمنهم ألوف من عرب أفريقيا سقطوا ضحايا في حرب ليست حربهم، ولكنها حرب الصراع على نهب ثروات الشعوب..بين استعمار قديم  واستعمار جديد يطمع في الحلول مكانه!

في سواسيبول الواقعة في شبه جزيرة القرم صمد مقاتلو البحرية والمواطنون 8 أشهر، ومنحوا المدن السوفييتية الكبرى وقتا كافيا للتحصن والاستعداد، ودشنوا أول مأثرة كبرى في وجه الآلة العسكرية النازية…

ستالينغراد..ليننغراد..سواسيبول كانت المدن البطلة ببسالة ومعاناة أهلها الذين لم يستسلموا، وقاوموا، وانتظروا تقدم الجيش الأحمر العظيم الذي حررها بعد سنوات من التضحيات، وبالسلاح العسكري المتواضع في وجه آلة النازيين المتفوقة الرهيبة…

يتنطع ترامب والكذبة في إدارته فيحاولون تقزيم دور الاتحاد السوفييتي والجيش الأحمر وشعوب الاتحاد السوفييتي، وقيادة الحزب الشيوعي الذي قاد البلاد في الحرب التي حملت اسم..وستالين قائد الاتحاد السوفييتي في تلك الحرب التي سُميّت سوفييتيا: الحرب الوطنية العظمى..وهي كذلك حقا.

يمكن القول بأن أميركا حاربت انطلاقا من هوليوود طيلة عقود ما بعد انتهاء الحرب عام 1945 فأنتجت ألوف الأفلام التي تمجّد بطولات مبهرة سينمائيا بنجومها ونجماتها، تطلقها لتغزو عقول ونفوس الناس في العالم!

قبل أيام شاهدت فيديو لبومبيو وزير خارجية أميركا..مسئول ال CIA السابق، يقول فيه وهو يضحك سعيدا جدا..وبلا خجل: عندنا قسم خاص لتعليم الكذب في ال CIA…

بهذا الكذب دمروا العراق، وبهذا الكذب قصفوا سورية، ويحتلون آبار نفطها، وبهذا الكذب يكذبون على كوبا، وفنزويلا، وكوريا الشمالية، وإيران.

وبهذا الكذب يستهدفون الشعب الفلسطيني ويعملون على تصفية قضيته ، وبهذا الكذب تقصف طائراتهم شعب اليمن…

تاريخ من الكذب يشوه الحياة البشرية كلها، وقائمة جرائم الكذب الأمريكي الترامبي، وما قبله، وما بعده..ستبقى الخطر الأكبر الذي يستهدف حياة البشر على هذه الأرض.

هل نسينا الكذبة الكبرى؟!

كذبة إبادة أصحاب البلاد الأصليين الذين سموهم: الهنود الحمر، والذين أبادوهم بالكوليرا، والجدري، والرشاشات التي لاحقتهم حتى أفنتهم إلاّ قليلاً..ووضعت من تبقوا في ( معازل)؟!.( وهو ما تدبره أمريكا والكيان الصهيوني لشعبنا العربي الفلسطيني).

التشابه كبير بين إمبراطورية الكذب ووليدتها( الكيان الصهيوني)، وكلتاهما تروجان بأنهما ( شعب الله المختار)، وأنهما تنفذان توجيهات وتوصيات وأوامر ذلك الرّب الذي يجتاح بلاد الآخرين فيبيدهم من أجل عيون شعبه الحبيب..ويحلهم في مكان من استهدفهم بناره!

كان الدكتور غوبلز سيد الإعلام  النازي يردد: أكذب..أكذب..أكذب حتى يصدقك الآخرون.

إمبراطورية الكذب تفوقت على الدكتور غوبلز، فهي تدرّس الكذب وتخرّج أخصائيين في الكذب، وهي توظف الكذب لتبرير تدمير بلاد الشعوب والأمم خدمة لخير الإمبراطورية..ولخدمة الإمبراطورية كل شئ مبرر وجائز ومبارك من ( الرب) IN GOD WE TRUST!

لقد حرر الجيش الأحمر 12 بلدا أوربيا بدماء أبطاله، وشعوب هذه البلاد تعرف من حررها، والبشرية تعرف من أنقذ مستقبلها من النازية والفاشية..لكن البشرية عليها أن تحرر نفسها من براثن إمبراطورية الكذب وربيبتها..فالجيش الأحمر قام بواجبه مشكورا، والحرب حاليا تختلف..فهي أكثر تعقيدا وصعوبة..ولا بد من كسب البشرية لها لتأمن على مستقبل أجيالها على هذه الأرض. نقأنقذ مصيرها من براثن النازية والفاشية.  

​_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.