من تاريخ الهيمنة والحروب العدوانية الأمريكية، الطاهر المعز

(تتمة لورقة نُشرت في شباط/فبراير 2020)

تاريخ عدواني دَمَوِي:

 منذ انتخاب أول رئيس (جورج واشنطن) سنة 1789، قضت الولايات المتحدة أكثر من 90% من عمرها القصير في الحروب والإعتداء على الشعوب، بدءًا من السكان الأصليين لأمريكا الشمالية، الذين أَطْلَقَ عليهم المُسْتَعْمِرُون المًسْتَوْطِنُون الأوروبيون إسم “الهنود الحُمْر”، وخاضت الولايات المتحدة نحو تسعين حربًا عدوانية، خارج حدودها، بمساعدة عُملاء مَحلِّيِّين، وخصوصًا في جنوب القارة الأمريكية، وأهمها العدوان على شعب “نيكاراغوا”، سنة 1833، ولا تزال تعتدي على هذا الشعب، إلى حد الآن، بالإضافة إلى حروبها المُستمرة ضد الشعوب الأخرى، وشنّت الولايات المتحدة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، سنة 1945، أكثر من أربعين حرب عدوانية ضد 28 بلد وشعب، وآخرها الحرب المُتواصلة بشكل مباشر( حتى سنة 2020)، ضد شعوب أفغانستان والعراق وسوريا، والتهديدات ضد كوبا وفنزويلا وإيران، التي تتهمها أمريكا بتطوير التقنية النّوَوِيّة، بينما انفردت الولايات المتحدة باستخدام السلاح النووي، بعد النهاية الرسمية للحرب العالمية الثانية، حيث قصفت أمريكا، في السادس والثامن من آب/أغسطس 1945، مدينتي هيروشيما وناغاساكي (اليابان)، ما أدّى إلى قَتْل حوالي ثلاثمائة ألف شخص، بشكل مباشر، بالإضافة إلى من توفوا فيما بعد، والمُعوّقين، ولا يزال الأطفال يولدُون مُشَوّهِين، كما أحرقت الطائرات الحربية الأمريكية سكان فيتنام ومزارعَهم وحيواناتهم وغاباتهم، خلال العدوان الذي استمر أكثر من عقْدَيْن (حتى سنة 1975)، ودَمّرت الولايات المتحدة وحلفاؤها كوريا وقسّمتها إلى دولَتَيْن، ولم تقع مُحاسبة المسؤولين الأمريكيين عن مجمل هذه الجرائم بحق الإنسانية، منذ إبادة السكان الأصليين، وحتى احتلال شمال شرق سوريا، مرورًا بقتل عشرات الآلاف من الشعب العراقي، باليورانيوم المُنضّب والفوسفور الأبيض، الحارق، وغيرها من أسلحة الدّمار الشامل، وبالإضافة إلى هذه الحُرُوب العدوانية المُعْلَنَة، وجميعها خارج الأراضي الأمريكية (التي استَوْلَى عليها المُسْتَوْطِنُون بقوة السلاح)، شنت أمريكا العديد من الغارات وتدخّلت في العديد من البلدان، بهدف تغيير موازين القوى، وعزل رئيس أو زعيم يُعارض سياسات أمريكا، أو حتى بعض جوانب هذه السياسات، ولكن رغم استخدام “القُوّة المُفْرِطَة”، ورغم الأسلحة المتطورة، لم تتمكن جُيُوش الولايات المتحدة من إخضاع شعب كوبا المُجاور، ولا شعب العراق أو أفغانستان، أو الصّومال، رغم الخراب والتّدْمِير…

بعض أوجه الشبه بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني:

لا يقتصر الدّعم الأمريكي للكيان الصهيوني، على الجانب المالي والعسكري، بل يتعدّاه إلى الجانب العقائدي، ولا تقتصر المُساندة على الفئات الحاكمة، بل تتعدّاها إلى الكنائس والأحزاب والجمعيات الأهلية، وغيرها، ويكمن السبب العميق في وَجْه الشّبَه بين الغزو الأوروبي واستيطان المُستعمِرِين الأوروبيين في أمريكا الشمالية (كندا والولايات المتحدة)، وكذلك أمريكا الجنوبية، والغزو الصهيوني لفلسطين، إذ اعتبر الوافدون الأوروبيون إلى أمريكا “إن الله وعدهم بهذه الأرض”، تمامًا مثل الإدعاء الصهيوني في فلسطين، بعد ثلاثة قُرُون من ذلك، وأطلق “شعب الله المُختار” في أمريكا، حربًا على السكان الأصليين، بهدف إبادتهم، بمباركة الكنيسة، التي اعتبرت قتل هؤلاء “حلالاً”، لأنهم بلا روح، كالحيوانات، وطَبَّقَت الحركة الصهيونية تكتيك الإستيطان، إلى أن أسست جيشًا ودولة، بمستوطنين يحملون مائة جنسية، بدعم المُستعْمِر البريطاني والإمبريالي (فرنسا وألمانيا وغيرها)، ولما لم يتمكنوا من إبادة الشعب الفلسطيني، دَمّروا 531 قرية وأطردوا حوالي 800 ألف فلسطيني بقوة السلاح من أراضيهم وبيوتهم، ومن وطَنِهم، وتُشكل الولايات المتحدة (مع ألمانيا وفرنسا وبريطانيا…)، منذ قرابة ستة عُقُود، أهم سَنَد سياسي وإعلامي وإيديولوجي وعسكري ومَالِي للكيان الصهيوني، لأن الكيان جزء من الحركة الإستعمارية الأوروبية، ضد شُعُوب الشرق، بحسب “ثيودور هرتزل”، مؤسس الحركة الصهيونية المُعاصرة، بنهاية القرن التاسع عشر…

نشأت الولايات المتحدة (كما الكيان الصّهيوني) في مُحيط مُعادِي، لذلك اعتمدت على القُوّة لإخضاع هذا المُحيط، كما وقع إخْضَاع المُحيط الدّاخلي، عبر إبادة السُّكَّان، والإستحواذ على أراضيهم ومواردهم وممتلكاتهم.

تاريخ دَمَوِي، منذ التأسيس، حتى القرن الواحد والعشرين:

بعد حوالي أربعة عُقُود من إرساء قواعد الدّولة الأمريكية، اعتدت قُواتها العسكرية على “نيكاراغوا”، وقامت بغَزْوِها، سنة 1833 (ثم عدة مرات أخرى سنة 1854، وسنة 1857)، وبعد ذلك بسَنَتَيْن، غزت هذه القوات “بيرو”، سنة 1835، وبعد سنة واحدة، وبداية من سنة 1836، شنت الولايات المتحدة عددًا من الحُروب على شعب المكسيك، امتدت حتى سنة 1848، لتَسْتَحْوِذَ على أكثر من نصف الأراضي المكسيكية (تكساس وكاليفورنيا ونيو مكسيكو…) كما غَزَتْ “أورغواي” سنة 1855، وبنما وكولومبيا (التي يعتبرها التقدميون في أمريكا الجنوبية “إسرائيل” أخرى، بحُكْم القواعد الأمريكية واعِداء حُكّامها للفكر التقدمي)، سنة 1873، واعتدت خلال النصف الأخير من القرن التاسع عشر ( حتلى سنة 1898) على “هايتي” و”تشيلي” و”كولومبا” و”نيكاراغوا” و”كوبا”، والإستيلاء على خليج “غوانتنامو، سنة 1898، حيث لا تزال القاعدة العسكرية الأمريكية قائمة، ولا تزال كوبا مُحاصَرَة ومُهَدَّدَة بالغَزْو…

دشّنت الولايات المتحدة القرن العشرين بغزو “هندوراس”، والإستيلاء على العديد من مُدُنها، بين 1902 و 1907، وعادت للإعتداء على “هايتي”، سنة 1914، واحتلالها، ونهب ثرواتها، لفترة عِقْدَيْن، كما قمعت القوات الأمريكية ثورة شعب “دومينيكان”، سنة 1916، ضد نظام عميل، فاسد ودكتاتوري، وفرضت الولايات المتحدة حُكُومةً مُوالِيَةً لها، وتواصلت الحروب العدوانية الأمريكية، ضد شعوب “سلفادور” و”غواتيمالا” و”تشيلي” والفلبين وكمبوديا وإيران وكوريا، ناهيك عن حرب فيتنام، واستخدام الأسلحة الفتّاكة (حوالي مليون قتيل فيتنامي وحوالي ثلاثة ملايين جريح و 12 مليون نازح…)، واحتلال الصومال وأفغانستان والعراق وسوريا، وتخريب بلدان مثل ليبيا ومالي بالإضافة إلى الحُرُوب “السِّرِّيّة”، وتغيير أنظمة الحُكْم، أو عزل المُعارضين لسياساتها من الحُكْم، كما حصل في جزيرة “غرانادا” و”بنما” و”تشيلي”، و”إيران”، ولبنان، وغيرها، والإغتيال أو مُحاولات الإغتيال، وإطْلاق الثورات المُضادّة، المُسلّحة أو “المُلَوّنة”، بهدف إحكام السّيْطَرة على القرار السياسي وعلى اقتصاد البلدان، واحتلال المناطق الإستراتيجية، بالإضافة إلى تَرْكِيز حوالي 800 قاعدة عسكرية أمريكية، في 160 بلد، في أنحاء العالم (بها ما لا يقل عن 200 ألف جندي، مع معدات متطورة وفتاكة)، وتُهَدّدُ هذه القواعد والأساطيل والطائرات الآلية الأمريكية، والأسلحة النووية (وغير النووية) حياة مليارات البشر، في مناطق العالم، في روسيا وفي الصين، والعديد من بُلدان آسيا، وفي أمريكا الجنوبية، وفي الوطن العربي وفي إفريقيا…

تذرعت الإمبريالية، منذ بضعة عُقُود بمكافحة الإرهاب، خصوصًا بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، وانهيار تعلة “محاربة الشيوعية”، لمواصلة حُرُوبها العدوانية، وتوسيع وتعزيز حلف شمال الأطلسي، بدل حَلِّهِ وإنهاء وُجُودِهِ، وكانت في بداية القرن التاسع عشر، تتذرع بمكافحة القَرْصَنَة البَحْرِيّة، للإعتداء على المُدُن الساحلية بالمغرب العربي، في ليبيا وتونس والجزائر، بين سنتَيْ 1801 و 1815، وما أَشْبَهَ اليوم بالبارحة، حيث تتغير الأسماء والأَشْكال، والمَضْمُون أو الجَوْهَر واحد…

مهما تكن الذّرائع، لم تَخُض الولايات المتحدة حَرْبًا دفاعية واحدة، وهي أكثر دولة خاضت الحُروب العدوانية، خارج أراضيها (التي استولى عليها المُسْتَوْطِنُون من الشعوب الأصلية)، رغم تاريخها القَصير، وهي الوحيدة التي استخدمت السلاح الذّرِّي، كما استخدمت الأسلحة الفتاكة، وأسلحة الدّمار الشامل، وتدعم الكيان الصهيوني دعمًا غير محدود وغير مَشْرُط، وهو سبب يكفي لمعاداة الإمبريالية الأمريكية، ناهيك عن الأسباب الأخرى…

تُرَوّج الولايات المتحدة، عبر أجهزة الإعلام القوية التي تمتلكها رؤوس الأموال الأمريكية، أو الحكومة الأمريكية نفسها، إنها ليست دولة ذات تاريخ استعماري، والواقع أن أمريكا استولت على حوالي 55% من أراضي المكسيك، كما أسلَفْنا، وعلى العديد من الجُزُر في المُحيطات، وأهَمّها في المحيط الهادئ، كما احتلت، مناطق عديدة في أمريكا الوُسطى وبحر الكاريبي، وهي اليوم صاحبة أكبر ميزانية عسكرية في العالم، بقرابة تريليون دولارا، بين الميزانية المُعْلَنة (738 مليار دولارا)، وغير المُعْلَنَة، ولا تزال أساطيلُها وقواعدُها مُنْتَشِرة في المحيطات وفي كل القارات، وتُحاصر وتُهدّد العالم، من أفغانستان إلى غرب إفريقيا (النيجر ومالي وتشاد وغيرها)، وتُهدّدُ وتحاصر دولاً صغيرة (مثل فنزويلا وكوبا )، ومتوسطة مثل إيران، وكذلك دولاً كُبرى مثل الصين وروسيا، أما على الصعيد الإقتصادي فتُقرّرُ الولايات المتحدة حَظْر التجارة والتحويلات المالية، والحِصار، ضد بلدان تُعارض سياساتها، وتستولي على حقول النفط في العراق وفي سوريا، وتدعونا مجمل هذه الأسباب لمُعارضة سياساتها، ومُقاومتها.

تغيير أساليب الهيمنة:

تخلّت حكومات الدول الإمبريالية، تدريجيا، منذ حوالي أربعة عقود (منذ فترة حُكْم “مارغريت تاتشر” في بريطانيا و “رونالد ريغن” في الولايات المتحدة) على النهج الإقتصادي الذي ساد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتسارع الإتجاه الرأسمالي “النيوليبرالي”، منذ 1991، بالعدوان على العراق، وعلى يوغسلافيا، وبانهيار الإتحاد السوفييتي، فانهارت الأحزاب التي ادّعت “الشيوعية” وأحزاب تيار “الديمقراطية الإجتماعية”، وأصبح اليمين يُعيد إنتاج نفسه، ليتجه نحو النموذج الفاشي، سواء في أوروبا أو اليابان وأستراليا، أو أمريكا الشمالية.

من مظاهر الإستبداد في الولايات المتحدة، تركيز “دونالد ترامب” السلطة لديه ولدى أفراد أسرته (جاريد كوشنير) وأصدقائه، وسَعْيِهِ الدّائم إلى الإفلات من أي رقابة، وخَطواته لخصخصة وزارة القضاء لتخدم المصالح الخاصة للرئيس وأصدقائه، كما وَصَفَ الرئيس وسائل الإعلام والصحفيين الذين انتقدوا سياساته وبرامجه بأنهم “أعداء الشعب”.

في المجال الإقتصادي، نَقَلت الشركات متعددة الجنسية الصناعات المُلَوِّثَة، والتي تتطلب عَمالة كثيفة، إلى بلدان آسيا وإفريقيا وأمريكيا الجنوبية، أو ما سُمِّيَت دُوَل “الجنوب”، حيث توجد المواد الأولية، وغابت معايير السلامة وأمن العُمال وغابت القوانين وظُرُوف العمل والرواتب اللائقة، واهتمت الدّول والشركات بتطوير التكنولوجيا المتقدمة، المبنية على المعرفة وعلى البحث العلمي، وحيث ترتفع القيمة الزائدة، كما اهتمت بالإبقاء على أسواق المال وعلى المنظومة المَصْرِفية، داخل دول “الشمال” (أوروبا وأمريكا الشمالية) بالإضافة إلى اليابان وأستراليا…

لم تعترض الدول الرأسمالية الإمبريالية على الصين، طالما اكتفت باستغلال الموارد الخام، وبتصْدير السلع الرخيصة والرّديئة نحو البلدان الفقيرة، ولما طَوَّرت الصين “اقتصاد المَعْرِفة”، وبدأت تصنع القطارات والطائرات، وتُصدّر الألواح الشمسية والحواسيب والهواتف المحمولة نحو أوروبا وأمريكا الشمالية، بأسعار تنافُسِيّة، وبجودة لا تقل عن مثيلاتها في دول “الشمال”، رُفِعت في وجهها لوائح حقوق الإنسان، وقَمع الأقليات، واستغلال ثروات الشّعوب (في إفريقيا، مثلا)، وتحركت منظومة الإعلام لتُرَوِّج كل ما من شأنه تشويه الصين، بالتوازي مع تعزيز حلف شمال الأطلسي، وزيادة الميزانية الحربية الأمريكية، ومع تراجع الولايات المتحدة عن الإتفاقيات الدّولية، والضّغط على “الحُلَفاء” لتقديم مزيد من التنازلات، لصالح “الحليف” الأمريكي، مع الإشارة أن الولايات المتحدة (والكيان الصهيوني) رَفَضت التوقيع على الإتفاقيات الدّولية بشأن احترام حقوق الإنسان، ومن بينها حقوق الطفل والمرأة وحق الإختلاف في الرأي… 

الحرب على جميع الجَبَهات:

استوردت الولايات المتحدة سلعًا وخدمات من الصين، بقيمة 557 مليار دولارا، فيما بلغ حجم التبادُل التجاري بين البلدَيْن 737 مليار دولاراً، سنة 2018، وتمتلك الصين سندات أمريكية بقيمة حوالي 1,2تريليون دولار، وتعمل الولايات المتحدة، من خلال إعلان الحرب التجارية، وبكافة الوسائل الأخرى، على تعطيل صُعُود دور الصين، وخفض حجم الصادرات الصينية إلى بلدان العالم، وعرقلة الإنتاج الصّيني للسّلع والخَدمات، وسبق أن اعلن الرئيس “باراك أوباما”، ووزيرة الخارجية “هيلاري كلينتون”، سنة 2012، أن القرن الواحد والعشرين يجب أن يكون أمريكيا (وليس صينيا)، ولذلك وجبت مُحاصرة الصين بالقوة العسكرية الأمريكية، لِسَدِّ منافذ التجارة، وتزامن ذلك مع إثارة قضايا “حقوق الإنسان”، مثل قمع المسلمين “الإيغور” في الصين، قبل أن يُثير الرئيس اللاحق “دونالد ترامب” قضايا تجارية، ومحاولة عزل شركة “هواوي” التي تُنافس الشركات الكبرى الأمريكية، في مجالات الإتصالات والتكنولوجيا الحديثة، وقد لا يخرج انتشار وباء “كورونا” ومبالغة وسائل الإعلام الأمريكية في ذكر تفاصيل انتشاره، عن أهداف الولايات المتحدة، المتمثلة في تعطيل الإنتاج في الصين، وتعطيل صادرات الصين إلى  الخارج، وتعطيل حركة السّفَر من وإلى الصين، حيث راجت أخبار مفادها أن “كورونا” قد يكون جرثومة (فيروس) تربى وترعرع في مختبرات أمريكية، بعد تسجيله كاكتشاف أمريكي، سنة 2015، وتورد بعض البحوث والدّراسات الأمريكية أن ترويج الأخبار عن قمع المسلمين “الإيغور”، يستهدف مقاطعة البضائع الصينية من قِبَل أكثر من مليار مسلم، بالإضافة إلى إظهار الجانب “الأخلاقي” لدفاع الولايات المتحدة (المَزْعُوم) عن المسلمين، رغم الحروب العديدة التي تستهدفهم في أفغانستان واليمن وليبيا وسوريا والعراق، وفي بلدان إفريقيا، وتهديدهم في إيران، وعلى سبيل المثال تبلغ قيمة المبادلات التجارية الأمريكية مع الدول العربية، نحو 245 مليار دولارا، سنة 2018، فيما تُقدَّرُ قيمة المبادلات الأمريكية، مع بلدان “المُسْلمين”، المُحيطة بالصين، نحو 45 مليار دولارا سنويا، مع إندونيسيا، وحوالي أربعين مليار دولارا مع ماليزيا، وحوالي 15 مليار دولارا، مع أفغانستان الواقعة تحت الإحتلال الأمريكي والأطلسي، وتأمل الولايات المتحدة زيادة قيمة هذه المبادلات، بفعل الحملة من أجل “احترام حقوق المسلمين في الصين” وبفعل عزل الصين بعد انتشار وباء “كورونا”، وخصّصت الولايات المتحدة، نحو ثلاثين مليون دولار، لتعزيز دَوْر مركز إعلامي مُخْتَصّ في نشر الدّعاية ضد الصّين، وطلب الرئيس “دونالد ترامب”، نفس المبلغ لنفس الغرض، ضمن مشروع ميزانية 2021 (من 1 تشرين الأول/اكتوبر 2020 إلى 30 أيلول/سبتمبر 2021)، ضمن الحرب التجارية، وهي حرب شاملة، تتجاوز الحرب الإقتصادية، إلى التهديد بالعُدْوان العسْكَري، ضد الصين وروسيا وإيران وفنزويلا وكوبا وكوريا الشمالية وسوريا…

تتزامن هذه الحُروب الخارجية مع الهجوم على حُقُوق العُمّال والفُقراء، في الدّاخل، وتشير إحصاءات وزارة الصحة أنه تم الإبلاغ عن حوالي عشرة آلاف حالة وفاة جراء الإصابة بالأنفلونزا، في الولايات المتحدة (330 مليون نسمة)، بين الأول من تشرين الأول/اكتوبر 2019 و الثلاثين من كانون الثاني/يناير 2020، ومع ذلك يتضمّن مشروع ميزانية 2021 خفض الإنفاق على الصحة العامة بنسبة 10%، ولا تتجاوز ميزانية وزارة الصحة 94,5 مليار دولارا (بما في ذلك “الخدمات الإنسانية”)، في حين قاربت ميزانية وزارة الحرب المُعْلَنَة 740 مليار دولارا، (لا تتضمن الخدمات السرية والعمليات الخارجية الخاصة ولا تقاعد قُدماء المُحاربين، بقيمة 243 مليار دولارا)، تتضمن ما لا يقل عن 25 مليار دولارا، لتطوير الأسلحة الأشد فَتْكًا بالإنسان وبالمُحيط، وعَلّل الرئيس الأمريكي هذا التّوجّه ب “أولوية التمويل لبرامج حربنا ضد الصين وروسيا والخصوم الآخرين، دفاعًا عن المصالح الأمريكية بالخارج”، وتستفيد بعض الشركات الأمريكية للصناعات الحربية (مثل “مارتن لوكهيد”)، التي تُحقق أرباحًا ضخمة من البرامج الحربية العدوانية الأمريكية، ومن ميزانية برامج تطوير الأسلحة النّوَوِية (27 مليار دولارا)، ويصل إجمالي الإنفاق العسكري تريليون دولارا، سنة 2021، وهو مبلغ يزيد عن عشرة أَضْعاف الإنفاق العَسْكَرِي الرُّوسي، وعن أربعة أضْعاف ما تُنفقه الصين، وتجدر الإشارة أن روسيا والصين جَمّدَتا الإنفاق العسكري، لفترة ثلاثة عُقُود، فيما واصلت الولايات المتحدة توسيع حلف شمال الأطلسي، والإنفاق على الأسلحة المتطورة، وعلى الحروب العدوانية، وتَعَهّد الرؤساء الأمريكيون، من الحزب الديمقراطي (باراك أوباما) ومن الحزب الجمهوري (دونالد ترامب) ب”ضمان التّفَوُّق العسكري للولايات المتحدة في الجو والبحر والبَرّ، وفي الحرب الإلكترونية”.

في الوطن العربي، من مظاهر اللصوصية و”البَلْطَجَة” الأمريكية، يُصرّح الرئيس الأمريكي ووزراؤه للخارجية والحرب رَفْضَ الخروج من العراق، حتى لو طلبت منهم الحُكُومة (العَميلة) ذلك، مع التّهديد الصريح بإشعال فتيل حربٍ أهلية وتقسيم البلاد إلى ثلاث دُويْلات، وفي سوريا، التي تحتل القوات الأمريكية جزءًا من أراضيها، مباشرة، وكذلك عبر مليشيات العشائر الكُرْدِية، خصوصًا في منطقة “الجزيرة” السّورية، أعلن الرئيس الأمريكي، وأعضاء حُكومته، العمل على حرمان الدّولة السورية، والشعب السوري، من موارد النفط والغاز والحبوب، والمياه في الشمال الشرقي للبلاد، واحتلال مناطق حقول النفط والغاز، مباشرة، عبر شبكة من القواعد العسكرية، تنتشر، بين الحسكة ودير الزور، وعلى الحُدُود بين سوريا والعراق، بهدف إبقاء الحُدُود مُغْلَقَة، وبهدف مَنْعِ التّواصل بين البلَدَيْن والشّعْبَيْن، بالتوازي مع حَظْر أي حوار بين بعض قيادات مليشيات الأكراد والحكومة السورية…

في الخليج، لم تعُدْ الولايات المتحدة بحاجة لنفط الخليج، إذ أصبحت أمريكا تثصدّر النفط والغاز إلى آسيا، وإلى أوروبا، وتنافس الغاز الروسي، ولكنها تريد الإشراف على منابع المحروقات، وعلى الممرات التجارية، وعلى المناطق الإستراتيجية، بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي، وفَرْضِ أَتاوات على دُويْلات الخليج، لتمويل القواعد والتّرسانة العسكرية الأمريكية.

هذه مُحاولة لمتابعة التغييرات في أوْلَوِيّات السياسات الأمريكية، لفهم مقاصد وأهداف المَواقف والقرارات الأمريكية، ليس لمجرد الفُضُول والإطّلاع، وإنما بهدف معرفة العدو، واختيار وسائل مُقاومته. 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.