بديل الليبرالية الجديدة المعولمة من وجهة نظر سمير أمين، رامي مراد

نُشر هذا المقال في العدد 13 من مجلة الهدف الرقمية

ما تحتاجه الشعوب اليوم هو مشروعات مجتمعية وطنية أو إقليمية مترابطة في إطار هياكل عولمة مقننة، ومتفق عليها تضمن تكاملاً نسبيًا فيما بينها، وتحقق تقدمًا متزامنًا ومتوازيًا في ثلاث اتجاهات كما يرى سمير أمين:

أولاً، التقدم الاجتماعي: وهذا يقتضي تقدم الاقتصاد (التجديدات التقنية، ارتفاع الإنتاجية، والتوسع للأسواق)، يواكبه بالضرورة تقدم اجتماعي يخدم الجميع (بضمان الحق في العمل، والاندماج الاجتماعي، والتقليل من التفاوت الطبقي).

ثانيًا، دمقرطة المجتمع: بوصفها عملية دائمة، وليس مجرد وصفة أو مخطط جاهز وثابت لا يتغير، والديمقراطية تتطلب التوسع في مجالات تطبيقها لتشمل الإدارة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمجتمع.

ثالثًا، التأكيد على الطبيعة المتمركزة على الذات، للمشروعات المجتمعية للتنمية الاقتصادية، والاجتماعية، وبالتالي بناء أشكال من العولمة تسمح بذلك.

وبالضرورة فإن الطابع المتمركز على الذات للتنمية لا يستبعد الانفتاح (شرط بقائه تحت السيطرة)، ولا المشاركة في العولمة في إطار الاعتماد المتبادل المتفق عليه، ولكنه يفهم هذه المشاركة في إطار يؤدي إلى التقليل من التفاوت في الثروة والسلطة بين الأمم والأقاليم.

يقوم المشروع المجتمعي لليبرالية الجديدة على أساس التضحية بالتقدم الاجتماعي في سبيل الربحية المالية، بما يزيد من خضوع العمال والأمم أيضًا للمنطق الوحيد للسوق، الذي يراكم فائض القيمة ويعزز الربحية المالية لأصحاب رؤوس الأموال، وهذا يجعل الديمقراطية والتقدم الاجتماعي بلا أي مضمون حقيقي.

كما أن هذا الخضوع سيؤدي إلى إعادة إنتاج وتعميق التفاوت بين الأمم والأقاليم، هذا يعني من وجهة نظر سمير أمين: (أن الاحتكارات والتي تسمى مزايا نسبية، والتي تتمتع بها القلة المحتكرة في المراكز المسيطرة لا تقتصر على الصناعية، وإنما في أشكال جديدة من السيطرة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية).

وهنا لا بد من طرح السؤال الأكثر أهمية: كيف يمكن في مواجهة وحدة استراتيجيات القلة المحتكرة والسلطات السياسية التي تخدمها إقامة استراتيجية مضادة لخدمة الشعوب وتقاوم الخضوع وتعمل على بلورة بديل اشتراكي حقيقي يعبر عن مصالح الشعوب؟

وهنا تجدر الإشارة الى ما كتبه سمير أمين: (الحركات الاجتماعية التي ستبلور مشروع الاشتراكية الحقيقية موجودة فعلاً ويتقوى وجودها وتحركها في كل مكان في عالمنا المعاصر، يجري التعبير عنها بواسطة الطبقات والصراع بينها، وحركات النضال من أجل الديمقراطية ،ومن أجل حقوق المرأة وحقوق الفلاحين، ومن أجل احترام البيئة، والانضمام بنشاط إلى هذه الحركات يعمل على بلورة البديل الذي سيغير العالم، ولكن هذا التغيير يقتضي أن تتعلم هذه الحركات أن ترتفع تدريجيًا من مرحلة الدفاع الى الهجوم، ومن حالة التفتت إلى التجمع في إطار التعددية، وأن تصبح الفاعل الحاسم في مشروعات مجتمعية خلاقة وفاعلة، من أجل بناء استراتيجيات سياسية لصالح المواطنة).

الشعوب لها عدو واضح ومحدد هو رأسمال القلة الاحتكارية المعولم والإمبريالي المسيطر، وإلى جانبه مجموع القوى السياسية التي تقف في خدمته اليوم. ويقصد سمير أمين بهذا العدو (حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، وحكومات الطبقات الحاكمة الكومبرادورية التابعة في بلدان الجنوب).

هذا العدو يتحرك باستمرار ضمن أدوات هيمنته، وهي بحسب سمير أمين (المجموعة الأوروبية للتعاون التنمية، البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، منظمة التجارة العالمية، والعسكري هو حلف شمال الاطلنطي، ومراكز فكرية وبحثية يقوم على تمويلها، وأماكن تجمعه مثل دافوس)، ثم يطرح شعارات براقة في الخطاب الذي يعرضه كالديمقراطية، حقوق الانسان، ومحاربة الفقر… في ذات الوقت، يبرز جماعات وحرب ضد الإرهاب.

هذا يتطلب مغادرة حالة ردة الفعل والذهاب نحو فعل مضاد ومقاوم لهذه الهيمنة وحالة الخضوع التي يفرضها المركز على دول الجنوب، وهذا يعني أن الوقوف ضد الحروب الأمريكية في اللحظة الحالية يعتبر ضرورة ويساهم في الدفع نحو البديل الاشتراكي، ويتطلب ذلك تجمع ما أمكن من الحركات والقوى التي يمكن أن تكون ضد هذه الحروب.

كما يجدر التأكيد على أنه لا يمكن الفصل بين النضال من أجل العدالة الاجتماعية، والديمقراطية، ونظام دولي متعدد المراكز.

الولايات المتحدة الامريكية تعي ذلك جيدًا، ولهذا تحاول أن تفرض نظام دولي تسيطر على قراراته من خلال قوتها العسكرية التي تحل محل القانون الدولي، بالتالي على حركات المقاومة للهيمنة الأمريكية ومعها نضالات الشعوب الرافضة للسيطرة على مقدراتها أن تفهم ذلك هي الأخرى، وأن تعي أن مشروعها للتقدم الاجتماعي والديمقراطية لن يكون إلا بعد دحر مشروع الهيمنة الأمريكية والسيطرة العسكرية، بما يتطلب توحيد الجهود لكل هذه النضالات والعمل على تجميعها وتشكيل أطر تجميع كل الحركات المناهضة للهيمنة الأمريكية.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.