من المُسْتفيد من انتشار الوباء؟ الطاهر المعز

وقع رَفْعُ الحجر الصحي والحبس المنزلي، في بعض البلدان، ولا يُتوقَّعُ أن يرافق انتهاء الحَجْر انتعاش  التجارة العالمية، بل قد تتقلص التجارة ، تحسبًا لموجة ثانية من الفيروس التاجي، وفقًا لـ “ساكسو بنك”. انخفضت الطلبيات الجديدة والإنتاج التصنيعي بنسبة 40% تقريبًا في نيسان/أبريل 2020، في البلدان الآسيوية، مُحرك التجارة العالمية ونمو الإقتصاد العالمي، مقارنة بشهر نيسان/أبريل 2019، وتشير جميع الدلائل إلى تقلّص التجارة العالمية في الأشهر القادمة، رغم احتمال نموها في الربع الأخير، من سنة 2020، ولكن الانخفاض لن يقلّ عن 10% خلال سنة 2020 برمتها، مقارنة بالعام 2019…

أما الحكومات فإنها بدأت بالتخطيط لتوزيع المال العام على الشركات الكبيرة، بذريعة “حل الأزمة”، وبذلك يكون العمال وصغار المزارعين والحرفيين والفقراء والمسْتَضْعَفين هم أكبر الخاسرين، بسبب انحياز أجهزة الدولة (في معظم دول العالم) لرأس المال، وللشركات وللأثْرِياء، وبسبب عدم وجود منظمات تدافع عن مصالح الفُقراء …

 استمر معدل البطالة، كما حالات الإصابة ب”كوفيد 19″،  في الارتفاع ، لكن سوق الأسهم في حالة جيدة، بل تحسّن وضعها، فقفز مؤشر “داو جونز” الصناعي ومؤشر “ستاندرد آند بورز 500” بأكثر من 12% في العاشر من شهر نيسان/أبريل 2020، وارتفعت قيمة مجمل الأسهم عندما أعلن الاحتياطي الفيدرالي (المصرف المركزي الأمريكي) عن توفير 2,3 تريليون دولارا (ارتفع المبلغ إلى ثلاثة تريليونات دولار في منتصف أيار/مايو ) “لدعم الاقتصاد”، فزادت بذلك ثروة عشرة مليارديرات أمريكيين بمقدار 51,3 مليار دولار بين الثاني من نيسان/أبريل و التاسع من نيسان/أبريل 2020.

أتاحت أزمة الفيروس التاجي فرصة للحكومات، لكي تجمد (وقد تُلغي لاحقًا) الحقوق الدستورية، على نطاق عالمي، مع إقرار برامج تقشف، وفَرْض حالة الطوارئ، وتكثيف عمليات رصد ومراقبة جميع سكان العالم، أي أي إقامة دكتاتورية رأس المال ، باسم “الأمن”، بمساعدة الشركات العابرة للقارات، مثل “آبل” أو “غوغل” أو “فيسبوك” أو “يوتيوب”، أو حتى شركات الأدوية الكبرى، التي تجاوزت أرباحها الصافية تريليون دولار، خلال عقدَيْن، وانضَمّ إليها الملياردير “بيل غيتس” (وهو ليس طبيبا) ليحل محل منظمة الصحة العالمية، ولِيُمْلِي علينا أوامره بشأن أمور صحية وطبّيّة، فيما يقع إسْكات صوت الأطباء…

أصبح الحجر الصحي، طريقة للسيطرة على سكان العالم، وشكّل فرصة إضافية للقضاء على أي ضوابط أو توازنات، داخل المُجتمعات أو على مستوى عالمي، وتحول موضوع الحبس المنزلي إلى حملة ضد الفقراء الذين “لا يحترمون قواعد العزلة والحبس”، وأصلحوا يُنعَتُون بالمتوحشين و”غير مسؤولين”،  و”غير متحضرين” إلخ، والوقع أنه يصعب على الفقراء أن يعيشوا في عزلة، وأن يلزموا بيوتهم الضّيّقَة، إن كانت لهم بيوت، فقد فقد الكثير منهم منازلهم، لأنهم لم يعودوا قادرين على دفع الإيجار، وهم عادة عُمال بدوام جُزئي أو في الإقتصاد الموازي، أو مياومين (يعملون باليوم)، وهم مُضْطَرُّون لتدبير أمر عيشهم، كل يوم، خارج منازلهم ، للعمل، أو للبحث عن عمل، وإطعام أنفسهم وأسرهم …

لا يمكن للتدابير الاستبدادية التي تتخذها الحكومات، لاحتواء “كوفيد 19” سوى مضاعفة عدد الفقراء والعاطلين والمُهَمَّشين والمُشَرَّدين، بعد خصخصة الصحة والتعليم ، والمياه ومجمل الخَدَمات…

أفاد تقرير منظمة العمل الدولية (الأول من أيار/مايو 2020) أن البطالة العالمية يمكن أن تصل إلى 1,6 مليار عامل، أي ما يقرب من نصف القوى العاملة العالمية (3,3 مليار عامل)، ولا تتمتع غالبية هؤلاء العاطلين عن العمل بأي شكل من الحماية الإجتماعية ، وفَقَدُوا الدّخل، الذي كان يُمكّنهم من تسديد إيجار المَسْكن، وتوفير الغذاء والدواء، وسوف يتعرض ملايين الفقراء لخطر المجاعة والموت، ففي الولايات المتحدة، تم تسجيل 27 مليون عاطل عن العمل رسميًا بنهاية شهر نيسان/أبريل 2020، دون احتساب ملايين العاطلين عن العمل، غير المُسجّلين، ويتوقع الاحتياطي الفيدرالي (المصرف المركزي الأمريكي) أن تصل البطالة إلى ما يعادل 50% من القوى العاملة قبل نهاية العام 2020، وفقًا لصحيفة “نيويورك تايمز” في الأول من أيار/مايو 2020.

إن التأثير الاجتماعي والاقتصادي للحبس المنزلي (العامودي، المُنزَّل من فَوْق، دون مشاورات، ودون تعويضات) على الفقراء مدمر، مع توقف مواقع الإنتاج، والتوقف القَسْرِي للعمال عن العمل، دون تعويضات ودون رواتب، تمكنهم من العيش بالحد الأدنى، بينما تستفيد المصارف والشركات الكبرى من المال العام، ولم يبقى للفُقراء غير الفُتات…

قبل تفشي وباء “كوفيد 19” ، كانت المجاعة تقتل تسعة ملايين شخص سنويا، وفقًا لبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة (25 أبريل 2020) الذي يتوقع أن تُسبب جائحة “كوفيد 19” مجاعات بدرجة غير معهودَة، لأن مئات الملايين من الناس تواجه المجاعة ويمكن أن يموت عدة ملايين، بتأثير انتشار الفيروس التّاجي، بشكل مباشر أو غير مباشر، ويمكن أن تتسبب عواقب الوباء في وفاة نحو 300 ألف شخص يوميا، ويقدر “التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية – 2020” الذي نشره برنامج الأغذية العالمي (20 أبريل 2020) أن 135 مليون شخص حول العالم معرضون بالفعل لخطر المجاعة، ومع انتشار الفيروس، يمكن زيادة 130 مليون شخص إضافي إلى عدد الأشخاص الذين سيصبحون على حافة المجاعة قبل نهاية عام 2020، أي ما مجموعه 265 مليون فقير في العالم “، بحسب التقرير.

على جبهة الأثرياء، يطلب صندوق النقد الدولي من الحكومات أن تنفق ثمانية تريليونات دولارًا، في شكل مِنَح وقُروض بدون فائدة (أو بفائدة ضعيفة للغاية) للشركات والمصارف، “لإنقاذ الإقتصاد العالمي”، وكانت هذه المصارف والشركات قد استفادت، سنة 2008، من مبلغ مُماثل، أو أكثر، فزادت أرباحها، وأرباح الأثرياء، مع زيادة البطالة والفقر، في الصّف المُقابل، صف العاملين والفُقراء!

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.