التفكير بجائحة كورونا ك”مفترق طرق”: نحو الإطاحة بالرأسمالية وبناء الاشتراكية (الجزء الأول)، مسعد عربيد

لا نجانب الحقيقة إذا قلنا إن لوباء كورونا جانباً آخر عدا المرض والموت والعزلة والفتك بالاقتصاد والمجتمعات والإنسانية. فرغم فداحة التضحيات والخسائر التي مُنيا بها، شكّل هذا الوباء فرصة لالتقاط الأنفاس والتفكير في أزماتنا وأسبابها وغيرها من الأمور التي أغفلناها في حمأة انشغالاتنا.

والحقيقة أن هذا الفيروس لم يكن فرصتنا الأولى للتفكير، فقد توفرت مثل هذه الفرص من قبل، ولكن الكثيرين لم يصغوا إلى نداءات الإستغاثة لنجدة الإنسان والطبيعة والبيئة. كثيرون هم الذين أغلقوا عيونهم عن وباء فتك بالبشرية وتسبب بالكثير من المآسي والكوارث. كلنا نعرفه ونعيشه وقد أطلقنا عليه أسماءً ونعوتاً جميلة، الاّ اسمه الحقيقي: وباء الرأسمالية.

□□□

لقد عشنا لأمدٍ طويل في توهمٍ مفرط بقدراتنا الذاتية، وساورنا التفاؤل بالسيطرة على الطبيعة والقدرة على التحكم بكل شيء، حتى بلغ بنا الوهم بأنه بمقدورنا التغلب على الموت. ومع أننا في حقيقة الأمر عجزنا دوماً وفي كل حالة من التغلب عليه، إلا أننا ما زلنا نعيش هذا الوهم ونزعم العكس، ولم ندرك أن كل شيء في حياتنا عابر، يمر ويشيخ وينكسر.

لقد ذهبنا بعيداً في الاستهلاك، استهلاك كل ما تقع عليه أيدينا. وحَسِبْنا أننا نمتلك كل شيء، حتى أننا لم نعد نمتلك الأشياء، بل أصبحت هي التي تملكنا.

لقد اخترنا، بوعي أو بدونه لا فرق، غض الطرف عن حكمة تراكمت عبر آلاف السنين من تطور الحضارت التي توالت علينا في شتى بقاع الأرض وعلمتنا أن نحرص على العيش في تناغم كوني يحافظ على التوازن السليم في الحياة: العلاقات بين الناس، بعضها ببعض وعلاقة كل منا بالمجتمع، من جهة، وعلاقة الإنسان بالطبيعة، من جهة أخرى. بعبارة أخرى أن نعيش في تناغم مع الطبيعة والانسجام مع ما فيها من كائنات حية وموارد وثروات، ما يعني أن نعمل وننمو سويةً، ونسمح للأشياء في الوجود والطبيعة بالعيش والنمو المشترك.

ولكننا آثرنا الرغبة المتوحشة في السيطرة على الطبيعة، دون أن ندرك ان الطبيعة وشركاءنا فيها لا تخضع إلاّ لمن يحترمها ويتناغم معها ويدرك قوانينها. أما في العلاقات الاجتماعية والإنسانية، فقد غادرنا العيش المشترك مع أخينا الإنسان على أسس أخلاقية إنسانية جامعة  قوامها فعل الخير، والوفاء للآخرين وفهمهم والتعاطف معهم والشعور بالمسؤولية تجاههم وتجاه المجتمع والإنسانية وغيرها من فضائل الكرم والإيثار والصدق في العلاقات بين الناس. وهي صفات تكاد تكون غائبة في المجتمعات الاستهلاكية والأنانية والعنصرية.

هذا بعض من أوهام كثيرة عشناها لردحٍ طويل، ولكنها قاربت على نهايتها وأخذت تلفظ أنفاسها الأخيرة.

عِبَر الأوبئة السابقة

بعيداً عن الحقائق الطبية البحتة، تفيدنا دراسة الأوبئة وخبرات المجتمعات البشرية في طرق مواجتها، في فهم الإشكاليات والتحديات التي نعيشها اليوم.

ولعل أولى هذه العبر أن الأوبئة التي فتكت بالبشرية في الأزمنة الفائتة لم تأتِ على نحو مفاجئ، بل سبقها العديد من التنبيهات والتحذيرات. وهذا ما حصل فعلاً في جائحة كورونا الراهنة حيث كانت هناك وفرة من التقارير والمعطيات الطبية والصحية والاستخبارية التي حذرتنا من قدوم الوباء، بل كان بعضها دقيقاً في تحديد توقيت حدوثه.

أما الدرس الثاني والهام في هذا الصدد، فهو أن المجتمعات البشرية تتفاوت في قابليتها للعدوى وتفشيها بين سكانها، ولكنها تختلف أيضاً في قدرتها على مواجهة المرض وأساليب مقاومته. وغني عن القول بأن هذا كله يتأثر بالخصوصيات الحضارية والثقافية للشعوب ومقدار التزامها بإرشادات وتعليمات السلطات الصحية في بلادها. وهنا تحديداً تكمن أهمية دراسة هذه المجتمعات، لا من ناحية أوضاعها الصحية وحسب، بل من حيث التركيبة الاجتماعية – الاقتصادية والنظام السياسي لما لذلك من أهمية في دراسة وفهم العوامل الأخرى، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، مستوى المعيشة، مستوى الوعي الصحي أو تخلفه، سياسات الحكومة في إدارة شؤون الصحة العامة والأمراض المعدية، وقدرة نظام الرعاية الصحية على توفير الخدمات لكافة مواطنيه.

وبما لا يقل أهمية، ينبغي دراسة النظام السياسي وطبيعة الطبقة المهيمنة (الحاكمة) ومصالحها الاقتصادية والطبقية والسياسية وأولوياتها في صناعة القرار والسياسات العامة. لقد اصبح من المعروف أن غياب الإرادة السياسية لدى حكومة الولايات المتحدة ومصالح الطبقة الحاكمة، على سبيل المثال، كانا من الأسباب الرئيسية لتلكؤها وفشلها في مواجهة وباء كورونا والتأخر في توفير الفحوصات البسيطة للمصابين به، ناهيك عن نظام الرعاية الصحية الضعيف والعاجز عن توفير احتياجات المواطنين، رغم التقدم الكبير في العلوم والتكنولوجيا الطبية التي لا يتوقف الأميركيون عن التبجح بها.

وبمقاربة أنثروبولوجية، أنظر على سبيل المثال، امتثال شعبي الصين وإيطاليا لتعليمات وإرشادات السلطات الصحية، ما ساهم بالسيطرة ولو الجزئية على الوباء رغم شدة فتكه بهذين البلدين. ثم قارن سلوك هذين الشعبين بما حصل في الولايات المتحدة، التي لا تخضع لسلطة صحية مركزية بل لسلطات وإرشادات تختلف من ولاية إلى أخرى، وحيث خرجت الجماهير في تظاهرات بالآلاف مطالبة بإلغاء تعليمات السلطات الصحية والتحريض ضد حكام بعض الولايات الأميركية، والمطالبة بفتح الشواطئ كي يعود الناس إلى السباحة وغيرها. وإن دلت هذه العقلية على شيء فإنها تدل على اختلاف الثقافة الشعبية السائدة في المجتمع الأميركي وتدني الوعي الصحي، ناهيك عن التوظيف السياسي لهذه الممارسات في الانتخابات الرئاسية القادمة في نوفمبر 2020، وتصدير الفشل والأزمة الداخلية إلى الخارج (والذي تمثل في لوم الصين وتحميلها مسؤولة نشوء العدوى وانتشارها، إضافة الى محاربة منظمة الصحة العالمية) وغيرها من السياسات التي تبدو للوهلة الأولى غبية وتافهة، ولكنها بدون شك مدروسة ومبرمجة لخدمة أغراض سياسية على المستويين الداخلي والخارجي.

مَنْ المسؤول؟

لن ندخل هنا في جدل النظريات التي تلقي مسؤولية الوباء على هذه الدولة أو تلك. أما سؤال ظهور الوباء وتفشيه وطرق مواجهته، فجوابه عند العلماء وأصحاب التخصص في العلوم الطبية والبيولوجية وبما لا يقل أهمية العلوم الاجتماعية . فهذا الوباء وغيره من الأوبئة التي سبقته ظاهرة بيولوجية طبيعية نترك للعلم تقديم فهم وتفسير لها بالوسائل العلمية.

غير أن الظواهر الطبيعية والبيولوجية ليست، ولم تكن يوماً، بمعزل عن أفعال الإنسان وتعاملة مع البيئة. وكذلك مواجهة الوباء وطرق التصدي له ليست هي الأخرى بمعزل عن أفعال الإنسان وطبيعة التشكيلة الاجتماعية – الاقتصادية للمجتمعات البشرية، بل إن تاريخ الأوبئة يعلمنا إن كلا الأمرين يكتملان في سياق اجتماعي – اقتصادي معين. وما أقصده بالأمرين هما: (1) ظهور الأوبئة وتفشيها كظاهرة بيولوجية، و(2) مواجهة البشرية لهذه الأوبئة وطرق التصدي لها. وهذا السياق هو ما يفسر الفوارق في طرق معالجة الوباء من دولة إلى أخرى ومن بنية اجتماعية معينة إلى أخرى.

من هنا يضحى من واجب العلماء أن يدرسوا ويبحثوا في العوامل الاجتماعية – الاقتصادية التي تؤثر في تطور الفيروسات وغيرها من الميكروبات وانتشارها في الطبيعة وتسببها في أمراض تصيب الحيوان والنبات والإنسان. ومن أهم هذه العوامل هي التغيرات الاجتماعية – الاقتصادية والبيئية والعلاقة بين الإنسان والبيئة والكائنات الحية الأخرى من حيوان ونبات واستهلاكها كأغذية، وهجرة الملايين من الفلاحين إلى المدن المزدحمة للعمل في المدن والمناطق الصناعية الكبيرة (ما يُسمى megacities)، حركة الملايين من الناس في ظل هذا النظام الاقتصادي والتجاري المعولَم ، وهن وفشل أنظمة الرعاية الصحية في البلدان الفقيرة، الفقر والجوع، فرض العقوبات الإمبريالية على الدول وتأثير ذلك على مواجهة الوباء وتوفير الرعاية الصحية ومستلزماتها لمواطنيها مثل العقوبات المفروضة على إيران وفنزويلا وكوبا وغيرها من بلدان العالم الثالث.

مدعاة هذا الطرح هو ما تصر عليه الإمبريالية الأميركية وتوابعها الأوروبية من اتهام الصين الشعبية كمسبب ومصدر لوباء كورونا والتهديد بمحاكمتها وتحميلها مسؤولية ظهور الوباء وانتشاره وكلفتة البشرية والاقتصادية. وهو ما لا ينبغي أن يذر التراب في عيوننا كونه جزءًا من الحرب ضد الصين ومحاولة تبرير فشل النظام الراسمالي  في معالجة الوباء وعجز انظمة الرعاية الصحية في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية. فبالرغم من امتلاك هذه الأخيرة لتقنيات متقدمة لا يصل إليها سوى الأثرياء، لم تتمكن حين حلّ الوباء بشعوبها من توفير الاحتياجات الأساسية والبسيطة مثل الأقنعة وإجراء فحوصات العدوى بالفيروس للملايين من سكانه التي ما زالت تعاني شح هذه الاحتياجات حتى بعد مرور عدة أشهر على تفشي وباء كورونا.[1]

غير أن تصدير أزمة الوباء والفشل في مواجهته إلى الخارج كاتهام الصين وتحميلها مسؤولية هذه العدوى ليس سوى:

– استثماراً في السياسة والاقتصاد للحفاظ على مصالح الطبقات الحاكمة؛

– وتبريراً لفشل النظام الرأسمالي- الإمبريالي في مواجهة الوباء وحماية مواطنيه وتأمين الرعاية الصحية لهم؛

– فرش الأرضية وتهيئة الذريعة لمواجهات عدوانية (وربما حروب) قادمة ضد كل مَن يقف في مواجهة الهيمنة الرأسمالية – الإمبريالية من دول وقوى وتحالفات أو تكتلات إقليمية أو دولية.

– وعلى المستوى الأميركي الداخلي، تبييض صفحة الإدارة الأميركية ورئيسها المرشح لانتخابات رئاسية ثانية في نوفمبر 2020، مسؤوليتها عن الأوضاع الصحية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية داخل البلاد، والآثار المدمرة التي جاءت نتيجة وباء كورونا وفشل الحكومة في مواجهته؛

– تصدير أزمة النظام الداخلية إلى الخارج، على نحو ما شاهدناه مراراً في سياسات الدول خلال عقود القرن العشرين وحروبه المتعددة، وافتعال حروب خارجية قد لا تتوقف عند مجرد اتهامات لفظية وعقوبات تجارية واقتصادية ومنافسة على الأسواق والأرباح وغيرها. ومَنْ يدري متى تنفلت الأمور في هذه الجبهة أو تلك وتنزلق المواجهة إلى أشكالٍ عسكرية أو استخبارية وغيرها على غرار ما حدث في بعض الحروب والمواجهات العسكرية سابقاً.

تعرية الوباء أم تعرية النظام؟

هل يعيد وباء كورونا الى التفكير بالإنسان والحياة والمجتمع والبيئة؟

هذا هو السؤال المركزي وهو في الآن ذاته سؤال المرحلة الملح. ولكن الإجابة عليه لا تتسنى دون العودة إلى الأسباب الجذرية، ودون الإجابة على سؤال آخر: أين مكمن الخلل: في الوباء أم في النظام المهيمن؟

ينتاب المرء شيءٌ من التردد والشعور بالحاجة إلى التوضيح عند الحديث عن تعرية النظام. فالنظام لم يخفِ حقيقته ولم يكذب علينا. نعم، لا شك أنه عمل على خداعنا وتشويه وعينا وتلميع صورته من خلال شعاراته الكاذبة والخادعة في الحرية والديمقراطية والمساواة والدفاع عن حقوق الإنسان، والرأفة بالبيئة والعطف على الفقراء وغيرها. وقد طوّر لتحقيق ذاك آليات ووسائل فعّالة: إيديولوجية وفكرية وإعلامية وسياسية وما شابه.

ولكن بالمقابل، مَن منا بوسعه القول إن واقع هذا النظام وممارسته الفعليه وسياساته حيال شعوبه وشعوب العالم، ومسلسل الكوارث والمآسي التي تسبب بها في الاقتصاد والبيئة والمجتمع والإنسانية، مَن منّا يستطيع القول بأن هذه الأمور لم تكن واضحة وضوح الشمس؟

نعم، لقد غيّر وباء كورونا الكثير من الأمور والأشياء في حياتنا وفي العالم، وأدّى إلى شل جوانب عديدة من حياتنا ونشاطاتنا. ولا شك أنه سوف يغيّر المزيد. ولكن هل تقع المسؤولية على الوباء لوحده، وهل تسبب هو لوحده بكل هذا الموت والمآسي والمعاناة؟

الحقيقة أن هذا النظام، الرأسمالي – الإمبريالي، الذي هيمن على كافة جوانب حياتنا، كان قد أهلكنا قبل وصول الوباء فأصبحنا هشين وعاجزين عن التصدي له والحد من عواقب فتكه. لقد كشف هذا الوباء العالمي افتقارنا للمقومات الأساسية في الأمن الاجتماعي والاقتصادي والصحي والغذائي وتسبب في اهتزاز الأمن الإنتاجي واستمرار العملية الإنتاجية وتوفير السلع الحيوية والاحتياجات الإنسانية الأساسية.

لقد أصبح واضحاً بعد أشهرٍ من تفشي وباء كورونا أن هذا النظام قد فشل في مواجهة فتكه بشعوبه وشعوب العالم، كما اتضح تلكؤ النظام المتعمد، خاصة في الولايات المتحدة على سبيل المثال لا الحصر، في التصدي له على نحو فعّال، وأن عواقب هذا التلكؤ  والفشل ستعيق قدرة البشرية على مواجهة الوباء.

بالإضافة إلى تعرية النظام وآليات عمله، كشفت كورونا عن جوهر طبيعته التي تتجلى بعنصرية وأنانية وفردانية واستهلاكية المجتمعات الرأسمالية الغربية وعدم مبالاتها بالآخر وبالإنسانية، فقد شهدنا، خصوصاً في الولايات المتحدة، تصاعداً في الكراهية حيال الآخر، الصيني هذه المرة، وارتفاعاً في عدد جرائم الكراهية ضد ما يسموهم “آسيون” (من الأصول الآسيوية)، وتسمية فيروس كورونا ب”الفيروس الصيني”.

ولا بد من التوقف هنا عند مفارقة لافتة، وهي أن بلدان المركز الرأسمالي بنت ازدهار مجتمعاتها ورفاهيتها على التراكم  الرأسمالي من ثروات وخيرات بلدان الجنوب واستغلال شعوبها وفقراء عمالها وفلاحيها والهيمنة على اقتصاداتها واحتجاز تنميتها وتفكيك اقتصادها بهدف إلحاقها واستمرار تبعينها لهذا المركز.

بعد هذا كله، نكرر تساءلنا، هل يقف الوباء خلف هذه الآفات الاجتماعية أم أنها سبقته وهي جزء من بنية وطبيعة النظام الرأسمالي- الإمبريالي؟ والأخطر أن هذه الآفات ستستمر، سواء اشتد تفشي هذا الوباء أم لا.

عالم كورونا بين رؤيتين

□ نعم، العالم يتغير وكلُ ما حولنا يتغير ايضاً، وربما على نحو أسرع مما بوسعنا أن نفهم أو نستوعب وأبعد مما تراه العين. يجدر بنا في مثل هذا الزمن، زمن الأزمات، أن نذهب إلى ما أبعد من أمزجتنا ومخاوفنا وإلى ما جوهري.

لا ينبغي لأحد أن يظن بأن عالم “ما قبل كورونا” سوف يختفي بسرعة خاطفة أو أنه ولّى بلا رجعة. فالنظام القائم لم يدم كل هذه القرون الطويلة إلاّ بسبب توفر مقومات وسطوة طبقة/طبقات مهيمنة ذات قوة وإمكانيات هائلة تحمي مصالحها وأرباحها.

سوف تأخذ تفاعلات هذا الوباء، كغيرها من الأحداث والكوارث الكبيرة في التاريخ البشري، وقتاً لتتبدى وتتضح ملامح المستقبل والأمل بغدٍ أفضل.

فعبر الأزمنة لم تتشكل الحضارات والثقافات الإنسانية أو تتغير من خلال طفرات سريعة، بل تشير معرفتنا بالتاريخ، إلى أن هذه التغيرات تأتي نتيجةَ تحولات متتالية لنشاطات الإنسان. بعبارة أخرى، ليس صحيحاً أن التطورات الكبيرة في التاريخ والحضارات والمجتمعات تحدث على نحو خاطف أو خلال حقبات تاريخية وجيزة. فلا يقوم نظام اجتماعي – اقتصادي جديد إلاّ على انقاض نظام آخر كان قد انقرض، وهكذا تنتقل الإنسانية من حقبة إلى أخرى أكثر رقياً وتقدماً ويسير التاريخ باضطراد نحو الأمام. فعلى سبيل المثال، كُتب الكثير في الآثار التي خلّفها وباء الطاعون أو الموت الأسود الذي اجتاح أوروبا بين عامي 1347-1353 ودامت آثاره عقوداً طويلة. ويرى المؤرخون أن الأزمة التاريخية التي حلّت بالبدان الأوروبية والتي انبثقت من ذلك الوباء وكوارثه على المجتمع آنذاك ساهمت في انهيار النظام الإقطاعي، وأدت إلى نشأة الرأسمالية في رحم هذه التغيرات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة.

□ من هنا تبرز ضرورة التفكير بموضوعية هادئة في البحث الرؤية والفعل السياسيين، بعيداً عن ردود الفعل العاطفية وشتى مشاعر الهلع والذعر والحزن والخوف والاكتئاب والغضب.

ما الذي سيخرج من جائحة كورونا، وهل ينذر هذا الوباء بتغيرات مصيرية في حياة الإنسان ومستقبل الإنسانية؟

الإجابة على هذا السؤال ستفضي إلى بداية التفكير والانطلاق نحو فكرة جديدة والتطلع إلى عالم جديد ومختلف ينتفي فيه الظلم والاستغلال وتتحقق المساواة والعدالة الحقيقيتين بين الناس. أليس هذا هو المسعى الأساسي والغاية القصوى للإنسان وفعله الاجتماعي والسياسي؟

□□□

لا شك أن هناك العديد من وجهات النظر التي تحاول تفسير ما حصل واستشراف ما هو آتٍ. ولكن لو انتبهنا جيداً إلى ما حولنا، فسوف نجد أن رؤيتين أو لنقل وجهتي نظر تتجاذبان الوعي البشري في هذه الآونة.

الأولى، تنحو إلى الاعتقاد بإننا، رغم كارثة فيروس كورونا، سنعود إلى الأوضاع السابقة التي عشناها قبل الوباء. لنسميها “عالم ما قبل كورونا”. وسوف تنهض القلة التي طالما هيمنت على الاقتصاد والسياسة والمجتمع في هذا العالم، لتجدد بثقة سعيها وتوحشها نحو الربح بصرف النظر عن الخسائر البشرية والبيئية التي منينا بها.

بناءً عليه، سيعود النظام الرأسمالي – الإمبريالي إلى منواله: الربح أولاً ثم الإنسان وصحته أو غذاؤه أو أمنه. فآليات عمل هذا النظام لم تتغير ولا تزال تستند إلى:

1) الاستغلال الوحشي والمستمر للطبقات الشعبية من عمال وفلاحي وفقراء في المجتمعات الرأسمالية وبلدان الجنوب، التي توسع إليها هذا النظام وهيمن على العملية الإنتاجية فيها واقتصاداتها وسياساتها؛

2) وإلى قدراته العسكرية والتكنولوجية والاسترايجية الهائلة.

أما الرؤية الثانية، فترى أن الوباء قد أحدث تحولات عميقة في الاقتصاد والسياسة والمجتمع، وأن الإنسانية لن تعود ثانية إلى عالم “ما قبل كورونا”. ويرى أصحاب هذه الرؤية أن هذه التحولات كفيلة بأن تأخذنا إلى غدٍ أفضل وعالمٍ يلتفت أكثر من سابقه إلى الاحتياجات الإنسانية الأساسية، ومن بينها مطالب عادلة آن أوانها منذ زمن: الحريات والمساواة الحقيقية بين الناس، القضاء على الاستغلال، وتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير الرعاية الصحية والتعليم والعناية بالمسنين وتأمين الأجور العادلة للعمال واستقرار عملهم ودخلهم، إضافة إلى المزيد من اهتمام بالأمن الغذائي والإنتاج الغذائي المحلي، والتنمية المحلية للإنتاج، وتخفيض الاستهلاك وتقليص التبذير.

ويذهب بعضهم إلى أن الطبيعة والبيئة ستحظيان بمعاملة مختلفة تقوم على التوازن الطبيعي بين احتياجات الناس واستهلاكهم من جهة، وبين الموارد المتوفرة لنا، من جهة أخرى، وبمزيد من العناية والحرص من خلال الحد من الدمار الذي حلّ بهما جرّاء الجشع الرأسمالي المعولَم وسعيه المحموم إلى الربح غير المحدود والاستغلال البشع لبيئتنا ومواردها الطبيعية.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.


[1]  تفيد المعلومات الواردة من مصادر طبية أميركية عديدة إنه لغاية الأول من مارس 2020 أجرت كوريا الجنوبية فحوصات لعدوى كوروبا لأكثر من مئة الف من سكانها، في حين أجرت الولايات المتحدة أقل من 500 فحصاً.