خبر وتعليق: الولايات المتحدة، ديمقراطية رأس المال … عُنصرية مُتأصلة وليست عابرة ، الطاهر المعز

نشرت مواقع التواصل “الإجتماعي” في الولايات المتحدة شريطا مُصورًا لعملية اغتيال شرطة مدينة “مينيابوليس” (ولاية مينيسوتا الأمريكية) للسيد “جورج فلويد”، وهو مواطن أسود، ألقى به رجال الشرطة على الأرض، وكان يصيح مرددا أنه لم يعد قادرًا على التنفس، بسبب ضَغْط أحد ضُبّاط الشرطة بحذائه ورُكْبَتِهِ على ظهره وعُنُقه، وطلب المارة من الشرطي الأبيض التوقّف عن الضغط بركبته على عنق “جورج فلويد”، وأظْهَر التسجيل بوضوح استغاثة الضّحية وتوسلاته: “ركبتك على عنقي… لا يمكنني التنفس… أمّي… أمّي…”، قبل أن ينقطع الصّوت ويصمت “فلويد” ويتوقف عن الحراك نهائيًّا، ومع ذلك لا يزال أحد رجال الشرطة يضغط على عنقه بركبته، ويصيح الآخرون بالضحية (وهو متوفي) ويأمرونه بالصعود إلى سيارة الشرطة…

أثارت هذه الحادثة، وهي ليست الأولى، قضيّة الميز العنصري المُؤسَّساتي الرّسْمي، وعُنْف الشُّرطة المُفرط، ضدّ المواطنين السود في الولايات المتحدة، وأنْتَجَت موجة غضب واحتجاجات وتظاهرات في شوارع مدينة “مينيابوليس”، طيلة يوميْن، واستخدم جهاز الشرطة العنف الشديد ضد المُتظاهرين، الذين تجمهروا قُرْبَ أحد مراكز الشرطة…

طالب بعض الحقوقيين والمحامين باتهام وإدانة ضبّاط الشرطة، المتورطين في عملية الإغتيال، وذَكّر المُتظاهرون بحادثة مماثلة، حصلت سنة 2014، حيث قتلت الشرطة، بنفس الطريقة المواطن الأمريكي الأسود “إيريك غارنر” (43 سنة)، لمُجَرّد الاشتباه به في بيع سجائر بشكل غير قانوني، وأدّت وفاته آنذاك إلى تنظيم مظاهرات واحتجاجات وتأسيس حركة “بلاك لايفز ماتر”، أو ما يمكن ترجمتها “حياة السود مهمة” (أو تَهُمنا)…

في مدينة “لويسفيل” (ولاية كنتاكي)، وفي الثالث عشر من شهر آذار/مارس 2020، اقتحم ثلاثة شرطيين منزل السيدة “بريونا تايلور”، وهي امرأة سوداء، وأطلقوا النار عليها في سياق تحقيق في قضية مخدّرات، وفي مدينة “برونسويك” (ولاية جورجيا)، نَشَر بعض المُصوّرين الهُواة، شريطًا يُظْهر الشاب الأسود “أحمد أربيري” (25 سنة)، الذي كان يُمارس رياضة الجَرْي، حين أطلق عليه النار (ثلاث رصاصات) رجل مُسلح، كان يعمل بصفة مُفتش لحساب النيابة العامة المحلية، قبل تقاعده، واحتجزت الشرطة الشريط الذي يُوثّق الجريمة، لفترة شَهْرَيْن، ثم قامت الشرطة والنيابة العامّة بالتغطية على الجريمة…
في مدينة “نيويورك”، وخلال نفس الفترة (قبل نحو 72 ساعة) نشرت بعض مواقع التواصل “الإجتماعي”، شريط فيديو، يُظهر امرأة بيضاء استدعت الشرطة لاعتقال رجل أسود يراقب الطيور في حديقة “سنترال بارك”، ما أثار تنديدًا بالمرأة التي استخدمت عبارات عنصرية…

أعلن “الاتحاد الأميركي للحرّيات المدنية”، و “رابطة الحقوق المدنية” أن حادثة اغتيال “جورج فلويد” في “مينيابوليس” هي نتيجة لإفلات رجال الشرطة من المحاسبة ومن العقاب، عند قَتْل المواطنين السود، باستخدام العنف المفرط وغير الإنساني للقوة، لمُجرد الإشتباه في ارتكاب هؤلاء المواطنين مخالفات غير خطيرة على حرية وحياة الآخرين، وفي محاولة للإلتفاف على غضب المواطنين، أعلن عمدة “مينيابوليس” إقالةَ أربعة من أفراد الشرطة متورّطين في “حادث وفاة رجل أسود أثناء القبض عليه”…

قَتلت الشرطة الأمريكية، خلال فترة رئاسة “باراك أوباما” (من أب أسود وأم بيضاء) ما لا يقل عن ستة مواطنين أميركيين سود، باستخدام العنف الشديد والسلاح، ولم ينل عناصر الشرطة العقاب القانوني، فهل يَحُقُّ له اليوم نَقْد الرئيس “دونالد ترامب”، الملياردير العنصري، والحاقد طبقيا على العاملين والفُقراء، بعد اغتيال الشرطة للمواطن الأسود “جورج فلويد”؟

قَبْل قَتل الشرطة ل”جورج فلويد” (46 عاما)، في مدينة “مينيابوليس” قُتل قبله، خلال عام واحد، “أنطون روز” (17 سنة) في “بيتسبرغ”، ولاية بنسلفانيا، و”تيرينس كراتشر” (40 سنة) في “تولسا”، ولاية أوكلاهوما، و”مايكل براون” (18 سنة) في “ميسوري”، و”إيريك غارنر” (43 سنة) في نيويورك، ةغيرهم من المواطنين السود، الذين قَتَلَهُم ضُبّاط شُرْطة بيض في الولايات المتحدة، ما يترجم سلوكًا عنصريًّا مُتأصِّلاً في دوائر السّلطة الأمريكية، ضد الفُقراء، والمواطنين السود ومن يُعتَقَدُ أنهم مهاجرون من أمريكا الوسطى والجنوبية، أو من أتباع الدّيانة الإسلامية، وغيرهم، ما يُوسّع رُقْعَة المُسْتَهْدَفِين من عنف وعُنصرية الشرطة، لكن الضحايا، والفُقراء عُموما، غير مُوَحَّدِين، ولا يمتلكون أدوات نضال فَعّالَة وناجعة، في مواجهة رئيس ملياردير وعُنصري مثل “دونالد ترامب”، الذي لا يمثل نفسه وإنما يُمثل طبقة الأثرياء، وهو يدعو إلى إطلاق الجيش النار على المتظاهرين…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.