“كنعان” تتابع نشر كتاب “فلسفة المواجهة وراء القضبان”، تأليف: محمود فنون، الحلقة (12)

5- أسلوب الصديق، والوحش

هذا الأسلوب من أكثر الأساليب شيوعاً، وفي معظم مراحل التحقيق ان لم يكن كلها وخاصة مع غير المجربين، وتستعمله المخابرات الاسرائيلية منذ بداية الاحتلال حتى الآن، وهو منتشر في كل مكان، وهو أكثر الأساليب تورية وتضليلاً وخداعاً. ومن خلاله أو بمصاحبته يجري تنفيذ كل الأساليب الأخرى.

يشترك على الأقل اثنين من رجال المخابرات في كل جولة تحقيق الاول: بظهر بمظهر المجرم السفاح، قاسي القلب، فاشي الألفاظ والسلوك، لا وظيفة له سوى التعذيب، ومزيداً من التعذيب، بل ويظهر كمتعطش للقسوة والفاشية والتعذيب والمضايقات والرغبة في الاجرام ويمارس عملياً أقسى أنواع التحقيق وأبشعها، محيطاً سلوكه هذا بمظاهر الرعب الضرورية، ومحاولاً جهده أن يثبت شخصيته في ذهن المعتقل على هذا الأساس.

والثاني: الانسان اللطيف المهذب، الذي يقشعر بدنه من مرأى التعذيب، والسلوك غير المتحضر لشريكه، ويظهر استياءه من أي قسوة أو سلوك عنيف أو تعذيب ضد المعتقل محاولاً جهده أن يدافع عن هذا المظلوم، ويمنحه الحنان والطمأنينة! انه الصديق الصدوق الذي لا يهمه شيء في الدنيا سوى التخفيف من آلام الأسير، وحمايته من التعذيب، وطبعاً هو لا يملك غير المحاولة، والامساك بالمحقق الآخر واستنكار وحشيته، وبالتالي ليس له من سلاح الا اسكات المحقق الآخر ودرء شره شريطة أن يفرغ الأسير ما بجعبته لقاء ذلك!

أحدهما يهاجم المناضل والآخر يحميه، أحدهما يكشر، ويقوم بحركات بهلوانية، ويهدد، ويحمل العصا، والآخر يبتسم، ويُطمئن. أحدهما يحرم من الماء، والسجائر، والذهاب لدورة المياه، والآخر يقدم الماء، وربما القهوة، واحد ابن حرام والآخر ابن حلال وطيب ومحترم، ومثقف، وخريج جامعة (في عرفنا أن خريج الجامعة بصورة عامة لطيف، ومهذب وإنساني).

 مع أي منهما يفضل المعتقل أن يتعامل: مع الذي يكيل له الصفعات، وينهال عليه بالهراوي ويمارس معه العنف و القسوة قولاً وعملاً، أم مع الذي يواجهه بالكلام المعسول والنصح الأخوي والشفقة وروح الصداقة والعطف؟

هذا هو مدخل المسألة: جو نفسي معين يخلقه أحد المحققين تحيط به الرهبة والرعب والقسوة، ومناخ آخر يخلقه المحقق الآخر، يسيراً نسبياً ومحتملاً، واذا ما انطلت الخدعة، فإن المعتقل سيتمنى أن يظل في كنف الصديق، ويتمنى الموت للمحقق الآخر معتقداً أنه هو الوحيد الذي يضرب ويعذب ويهدد، واذا ما لاحظ عبر جولات التحقيق ان (صديقه) اللطيف هو وحش مفترس مع معتقل آخر، بينما يلعب وحشه وعدوه دور الصديق فإنه سيدرك اللعبة. هذا مع العلم أنه سيدركها من أول مرة وبدون هذه الخبرة فيما لو فهم وضع المحققين وأهدافهم معه.

ان التحقيق هو صراع سياسي يرتدي الأشكال المادية والنفسية ويظهر من خلالها، ولأنه صراع تناحري بين ايديولوجيتين ونقيضين فإن المحقق سيستخدم أي أسلوب متاح بغية الحصول على المعلومات واسقاط المناضل، ومن بين هذه الأساليب تتخرج الخدع والحيل ومظاهر السلوك المفتعل، مع الضرب والتعذيب والقسوة، مع اللطف واللين والاحترام، مع الحرمان والاذلال والقهر، مع الشفقة مع الارهاب مع المعلوم مع المجهول فتنتصب هذه المتناقضات أمام المعتقل كقوى وعناصر قوى تهاجمه للاجهاز عليه، وينتصب هو أمامها بقدراته وصبره وحنكته وصلابته واستعداده للصمود: أيهما يقهر الآخر؟

ويتكثف الصراع أحياناً في صراع بين شخصيتين نفسيتين احداهما مسلحة بوسائل البطش والسلطة، والامكانيات المادية والمعنوية وهي نفسية المحقق، والأخرى مسلحة بسلاح ثوري ثقافي عقائدي يرتكز على عدالة القضية والاستعداد للدفاع عنها والموت من أجلها هذا الصراع يأخذ مداه في التحقيق من خلال مظاهر شخصيات أطرافه المحققين من جهة، والمناضلين من جهة أخرى.

 فالنفسية التي ترتبك أو تعجز، تسقط وتنهار إما على شكل انهاء التحقيق واغلاق الملف من جانب  نظر المحقق، أو على شكل اعترافات وخيانة من جانب المعتقل.

وحتى يمارس هذا الصراع عملياً لا بد من أساليب محددة وهادفة للمساس بالتكوين النفسي الفردي والاجتماعي للمعتقل، والتعرف عليه، وربما تكوينه من جديد أو تكوين بعض عناصره، وهذا يتطلب خلق أجواء محددة وتأثيرات جسدية محددة، ومظاهر سلوك من جانب المحققين، ومحاصرة معنويات المعتقل للاجهاز عليها وتركيعه نفسياً ومعنوياً.

 وابرز هذه المؤثرات هي الحوارات، والضرب والتعذيب،وهذه كلها تستوجب أن يخلق مناخ أو مناخات خاصة لممارستها، وأوسع اطار تمارس فيه هو اطار اللين والشدة بشكل متتالي أو متمازج يمارس من قبل نفس الشخص، أو شخصين أو أكثر في نفس الجولة أو جولات متعاقبة. وأفضل تمثيلية لخلق هذا الوضع هو أسلوب الصديق الصدوق، والعدو المتوحش.

فباللين يمكن خلق جو حواري، يتم فيه الأخذ والعطاء، وشرح الوقائع (مهما كانت بسيطة، قريبة أو بعيدة عن جوهر القضية) ومحاولة ايجاد الانسجام النفسي بين المحقق والمناضل. وفي أجواء اللين من السهل ابراز حجم القسوة ووحشيتها وخلق المقارنة بين وضعين وخيارين.

 في مناخ اللين وخاصة الذي يأتي بعد جولة ارهابية، يمكن ممارسة النصح، يمكن اجراء صفقة ( تعترف، وأحميك من الضرب بالمقابل – تجارة رابحة) وعندما تتوالى أجواء اللين والشدة، فإن الصديق يستطيع أن يمارس تأثيره بالاستناد أيضاً إلى تأثر مناخ الشدة، مناخ المحقق الآخر، وفي كل مرة يتعرض فيها المعتقل (الذي تنطلي عليه اللعبة) لأجواء الشدة والارهاب والتعسف، يتذكر المحقق الآخر ونصائحه ومطالبه، هكذا يوضع المعتقل بين حجري رحا احداهما مغطى بالحرير. وفي مناخ كهذا يمكن ممارسة بقية الأساليب.

إن إطار وحدة مناخ العنف، واللطف، بوصفه اطاراً شاملاً يستخدم في معظم مراحل التحقيق هو اطار عام أيضاً للتأثيرات النفسية، بحيث تعطي المؤثرات الجسدية نتائجها السيكولوجية لدرجة ما يعتقد انها ملائمة لوضع المناضل في طريق الاعتراف حسب تقديرات المحققين.

وفي هذا الاطار يقوم المحقق الذي يكشف عن وجهه الفاشي بممارسة التهديد، والضرب، واللطم، والقسوة، وبعد تدخلات وأفلام وألاعيب، مع صمود المعتقل، يأخذ المحقق الذي وضع على يده قفازاً حريرياً يلوم المعتقل لأنه لم يسمع نصيحته، ومن ثم يهدد بالانسحاب وعدم التدخل، وقد ينسحب فعلاً بعد أن يقوم بما يعتقد أنه أوهم المعتقل به من عبارات النصح والارشاد، وعبارات التهديد بالتخلي وينصرف…

 وهنا يستمر المحقق المتوحش في ممارسة هوايته الفاشية، وفجأة يدخل المحقق الآخر، ويبدي تعجبه مما يجري، ويأخذ بالصراخ والزعيق… ماذا… استغليت الفرصة واستمريت في ضربه. بس.. توقف… يا نازي… يا مجرم… هل هو حمار… أليس لك أولاد…… أليس لك أم.. الست انسان… أخرج من هنا، لا تعود أبداً… سأحاكمك على وحشيتك… سأقيلك من وظيفتك… ويتوجه بعد ذلك للمعتقل: تعال يا بني… اجلس خذ سيجارة… هل تريد ماء.. سأجلب لك ماء… أشرب الماء  فهو جيد بعد الضرب… والله أنا آسف على ما جرى.. ليتك سمعت نصحي.

ان المحقق هنا لا يهدف الى الخداع فحسب،  بل  والأهم من ذلك أنه بهذا الأسلوب الخادع يسعى لخلق جو من الألفة في أقبية التعذيب بينه وبين المعتقل، انه يسعى لخلق جو من الراحة، يستريح له المعتقل (المهدد، والمروّع) فهو لا يرى بشراً سوى المحققين وكلهم قساة ومتوحشين الا هذا على الأقل مهما كانت أهدافه فهو لا يضرب، ولا يهدد بالضرب.

 ان المحقق بهذا يسعى لخلق انسجام بينه وبين المعتقل ( يا له من انسجام بين الفاشي  والثوري) انه يتظاهر بأنه مخلّص من التعذيب، وساعات التحقيق التي يمضيها المناضل معه مريحة نسبياً. فهل من الأفضل للمعتقل استرضائه أو مكافأته على انسانيته الزائدة هذه ؟؟

ان المعتقل اذ ينساق في هذه الأجواء وراء الصور الظاهرية التي يشاهدها وتحيط به سيسهل لهذا المحقق مهمته ( ليس المهم أن يعترف مباشرة أو يدلي بما لديه) أنه سيوفر له جو الحوار، والحديث وربما يكون الحديث اجتماعياً فحسب، ثم يتطور ما دام المعتقل يعطيه الفرصة وآذاناً صاغية ، يتطور  إلى أشكال من الحديث يتمكن خلالها المحقق من ممارسة أسلوب التشكيك بالحزب والنضال، والتركيز على المصير الشخصي، ومن ثم تهويل أو تهوين القضية، أو التهديد بالارهاب اللاحق حيث لا تظل فرصة لهذا المحقق ليتدخل..

هكذا يخطط المحققون لتتم عملية الاجهاز على المعتقل وتطويقه بأساليبهم وأحاديثهم وأسئلتهم وأجوائهم التي يخلقوها حول المعتقل. فاذا ما أخذ المعتقل بالتفاعل مع المحقق الذي كشف عن وجهه الفاشي على أنه عدو مجرم بينما الآخر لطيف وانساني، لا يضرب، خريج جامعة، فإنه بالتالي سيصاب  بالرعب كلما هم المحقق الأول بالحركة، أو لفتة، وستكون لطمة واحدة على الوجه مرعبة، واذا ما هم المحقق الصديق بالخروج، فان الخوف والرعب يتسلل إلى نفسه ، أما اذا خرج المحقق العدو فإن شعوراً بالاطمئنان سيصيب المعتقل، وهكذا تأخذ الحالة النفسية للمعتقل بالتبدل، وهذا يدركه المحققون ببساطة وبالتالي يتعاملون مع حالة نفسية مدركة ومسطحة سيسعون بكل قواهم الى تحويلها الى حالة نفسية محطمة قابلة للانهيار، أو على الأقل استخدام الأساليب التي يعتقدون أنها ملائمة لهذه الحالة.

واذا استمر التحقيق دون نتيجة فان تدخلات الصديق الصدوق ستخف وتظهر على فترات متباعدة، وقد يأتي في وقت الشدة الحقيقية: أي في جولة ارهابية قاسية، وتعذيب شديد، وتهديد متواصل باستمرار التعذيب الجسدي، وحين تقترب جولة التعذيب من نهايتها، يدخل المخلص، (وينقذ) المعتقل ويوضح للمعتقل أسفه لما يجري، وصعوبة مساعدته بعد كل الذي جرى، ويعده ان لا يعاد للتعذيب مطلقاً، وأنه هو بنفسه سيستمر في التحقيق معه دون أي ضرب اذا ما أبدى تعاوناً يستحق الذكر، وفي هذه الحالة بامكانه أن يطعن بالمحقق الآخر لأنه فاشي، وفاشل.. وأنه اذا تعاون معه سيساعده في المستقبل (فهو على كل شيء قدير) وسيخفف حكمه، وبصفته هو المسؤول عن الافراجات فإنه سيقبل استرحامه الذي يقدمه بعد الحكم ويخفض حكمه ويخلي سبيله – وهنا يشكك ويبلبل، ويركز على المصير الذاتي للمعتقل.

انه يحاول ابتلاع شخصيته بالكامل وتوتيرها ودفعها للاعتراف، انه يسعى لسحق شخصيته النضالية بايهامه ان لا فائدة من النضال، وأن قنبلة، أو جرح طفل، أو تحطيم عمود كهرباء لن يدمر اسرائيل القوية التي لم تستطع الدول العربية هزيمتها.. وهكذا.

وبالرغم من أن هذا الأسلوب هو أوسع الأساليب شيوعاً وأكثرها استعمالاً… الا أنه أكثرها هشاشة، وأكثرها قابلية للكسر. فالصديق الصدوق المزيف يستمر في لعبته طالما أن اللعبة تنطلي على المناضل ، لكن في حالة الفشل سرعان ما يكشف عن وجهه الفاشي الحقيقي، ويضرب، ويهدده كغيره وبالتالي يسقط الاطار العام الذي يخططوا لنسجه حول المعتقل وتنتهي اللعبة.

 ان المحقق هذا يلعب دوره عن قصد، وليس بسبب سجاياه وأخلاقه، وربما يلعب هذا الدور لأن دوره الرئيسي مع معتقل آخر وهو يحضر جولات التحقيق هذه في فترات استراحته فقط أو كعامل مساعد للآخر، أو لديه مهمات أخرى، أو أن دوره في مراقبة التحقيق.

 وبالاجمال يمارس دوره الخداعي هذا عن سابق تخطيط، وهو نفسه كما ذكرنا سابقاً يلعب درواً معاكساً مع معتقل آخر حيث يكون هو المجرم المتوحش والآخر إنساني لطيف، فلا  يستوي الاحتلال الفاشي مع اللطف والانسانية!.

ان فهم هذه اللعبة هو شرط من شروط افشالها، بل هو سبب افشالها أصلاً، وترك المحققين يتصرفون بدون غطاء، وافقادهم فرصة تشكيل اطار التحقيق السهل وبالتالي تفشيل المؤثرات النفسية التي يمارسونها مما يجعلهم لا يستطيعون التكهن بالحالة النفسية القائمة ويظلوا في حدود الفرضيات حيث يمكن تضليلهم. واذا ما فشلت أساليب المحقق المتظاهر بلباس الكاهن فسوف لن تجدي أساليب المحقق المتوحش ولو كانت مجدية فلماذا أحاطتها بكل هذه الأفلام؟.

ومهما قدم المحققون من دلائل حقيقية أو تخمينية أو كاذبة فإن استمرار التحكم في ردود الفعل، وعدم الانسجام مع أساليب التحقيق والمحققين سوف يدفع بهم إلى اليأس واستخدام التعذيب المكشوف دون أي غطاء، وينتهي أسلوب وربما ينتهي معه التحقيق ويفتشون على أساليب أخرى لعلها تجدي.

ومرة أخرى فإن الضرب بحد ذاته لا يمكن أن يكون سبباً للاعتراف، ولا حتى كسر اليد أو شج الرأس، فحالات كثيرة هي التي يتعرض فيها الانسان للضرب، أو كسر اليد، أو شج الرأس بدون أن يكون في موقع تحقيق فهل بالتالي عليه أن يدلي بعلومات سرية وحزبية عن نفسه ما دام تعرض لهذه الحوادث. وهل سائق السيارة الذي يتحطم جسمه في اصطدام ملزم بأن يدلي باعترافات سياسية لشرطة السير التي تحقق في الحادث؟؟

ان الضرب كما ذكرنا يؤثر على الحالة النفسية، وقطعاً فإن نفسية الانسان الذي يتعرض للضرب لا تشبه نفسية الجالس في المنتزه مع أصدقائه، ولكن الجنود والمحققين، وشرطة السجون يضربون، ولا يلتزمون بأخلاق وشرف انسانيين، وقد يضربوا أحياناً بمنتهى الوحشية دونما غاية التحقيق بل لمجرد التسلية أو الارهاب أو الانتقام.

 بينما المناضل يعترف تحت وطأة الضرب لأنه يخاف، لأن استعداده للصمود والدفاع عن النفس محدودين، ولأنه ينسى أو يتناسى تبعات الاعتراف على الذات والحزب والثورة، أنه يجبن ويفقد شخصيته النضالية وقد يفقدها إلى الأبد. أي يعترف حالما يضعف نفسياً ويبدي استعداداً نفسياً لذلك وليس نتيجة الضرب الجسدي. وهنا يجدر ايراد مقارنة:

المعتقلون المحكومون فوق 15 سنة، كانوا ينقلون إلى سجن عسقلان، ومن بينهم جرحى، ومرضى، ومصابون، ولدى دخولهم السجن كانوا يتناولون وجبات قاسية جداً من الضرب والتعذيب وبشكل متواصل ، من قبل حراس السجن، ويخضعون إلى شتى أنواع الاذلال لمدة تتراوح بين أسبوع أو أكثر، ويحرمون من الكثير من سبل الحياة الفيزيائية على الأقل، ويقيدون بأيديهم وأرجلهم، ويوضعون في زنازين انفرادية، وطوال النهار وطوال الليل، اما يتعرضون للضرب أو التهديد بالضرب.

ان حجم الضرب والتعذيب الذي لاقوه في سجن عسقلان يفوق في قسوته ما تعرضوا له أثناء التحقيق معهم بعد القبض عليهم.

نفس الأفراد (شخص ما) ونفس الحالة (تعذيب وضرب قاسٍ) في حالة التحقيق، وفي جو الضرب أدلى باعترافات عن نفسه ومنظمته كانت كافية لايداعه السجن المؤبد، أما في تعذيب السجن فلم يطلب منه الادلاء بمعلومات ولم يدل بشيء علماً بأنه يعرف أنه في التحقيق سيواجه الضرب والتعذيب، وأنه لدى انتقاله إلى سجن عسقلان كذلك سيتناول وجبات الضرب والتعذيب والاذلال. فلماذا أدلى في الحالة الأولى بمعلومات ولم يدلي في المرة الثانية ؟

 ان الاجابة على هذا السؤال معطاة في مقدمة الكراس، ولكن الدلالة هنا ان الاعتراف لم ينتج عن الضرب مباشرة بل عن الاستعداد الذي تكوّن لدى المناضل أثناء التحقيق للاعتراف واذلال نفسه بنفسه. وليست قليلة الحالات التي استشعر فيها المناضلون بالفخر والعزة لدى تعرضهم للضرب بسبب تصورهم عن نفسهم. انهم يخوضون موقف بطولي في احدى مواقع الصدام مع العدو، وأنهم يصرون ويصمدون ويشكلون سداً منيعاً يحمي حركة المقاومة وأسرار الثورة.

ان الساذج ضيق الأفق المستعد فقط للدفاع عن نفسه بالمفهوم الفردي، هو الذي يستجيب لمؤثرات الضرب والتعذيب، أما المناضل الثوري الذي يحسب كل حركاته وسكناته من خلال ارتباطه الطبقي والحزبي، وعلاقاته التنظيمية والفكرية والسياسية فإنه يفهم الضرب على أنه ممارسة عدائية يمارسها كلاب السلطة، ضده بوصفه في الصف الثوري، وأن على الثورة والثوريين أن يصمدوا حتى النهاية.

 وان الدفاع عن النفس يرتدي طابعاً أكثر شمولاً فهو في الحقيقة دفاعاً عن الذات بوصفها جزء من الوضع الثوري النضالي، وبالتالي لا يمكن أن يكون الدفاع عن النفس بحمايتها من الضرب بالاعتراف والتساقط بل بالصمود حتى النهاية، ان الصمود البطولي في التحقيق هو الدفاع الحقيقي عن النفس وكل ارتباطاتها الوطينة والطبقية، ان الدفاع عن النفس يكون بالصبر، وعدم تعريض الحزب والثورة لأية مخاطر، وصيانة الشخصية الوطنية للمعتقل من أي تدنيس يسببه الاعتراف، ومن أي تبعات أخرى كالحكم بالسجن ونسف البيت.

ان المحقق السفاح، الجلاد بوسائله المادية والمعنوية لا يمكن أن يكون صديقاً للمعتقل أو شفوقاً عليه، وهو لن يقدر أبداً على ممارسة هذا الدور بعد أن فقد انسانيته وانخرط كلياً في الممارسات الفاشستية التي صبغت شخصيته تماماً، وهو لا يمكن أن يقدم أي مساعدة  للمعتقل ما دام في الصف الوطني التقدمي.

فهما ضدان متصارعان، وهو وان وعد بتخفيف العذاب، أو وعد بتخفيف الحكم والافراج، انما يقدم وعوده هذه كطعم أثناء أجواء ملائمة بغية الايقاع بالمناضل وليس انقاذه، بغية ابتزاز الاعتراف لاستخدامه ضد المناضل وليس في صالحه. وهو لا يمكنه أن يفي بوعوده، وان قدم بعض الأشياء أثناء التحقيق مثل سيجارة، أو كأس ماء كنوع من الوفاء بالوعد، فهو لن يقدم الا مزيداً من التعذيب، والضربات للشخص والحزب. ان رجال المخابرات لا يمكن أن يكونوا أصدقاء الثوار وبينهم بحر من الدماء والتعذيب والنوايا المتبادلة، وأساساً لا يمكن أن يكون رجال المخابرات أصدقاء لأي شخص، وان تظاهروا، فإنما يفعلون بقدر ما يساعدهم ذلك على تحقيق اهدافهم كخداع يمارسونه ضد الناس عموماً والمناضلين في أقبية التحقيق خصوصاً، فهم وحوش تدمرت انسانيتهم تدريجياً مع كل تعذيب يمارسوه ولأنهم محترفو تعذيب فهم قد فقدوا الخيط الأخير من انسانيتهم.

6- أسلوب تعدد المحققين:

يتخصص عادة في عملية التحقيق مع المعتقل الواحد، محقق واحد أو اثنين على الأكثر بصورة مباشرة، مرتبطين بمسؤوليهم الذين يشرفون بشكل غير مباشر على عملية التحقيق.ويعود ذلك لعدم توفر طواقم أكبر حجماً وأكثر كلفة، وأيضاً حتى يتمكن طاقم التحقيق من المتابعة المدققة، عبر آلية العملية الجارية، لأن عدداً كبيراً من المحققين لا يلزم الا عندما يرتبط بمرحلة معينة من مراحل التحقيق بما يلي:

1-   للتأكد من النتائج التي توصلت لها خلية التحقيق المباشرة ودراستها وتقييمها.

2-   ممارسة نوع من التحقيق المكثف في ساعات قليلة من قبل عدد كبير نسبياً 7،8 وربما عشر محققين يعملون في آن واحد وكلهم يسألون ويضربون ويمارسون كل أشكال وأساليب التحقيق دفعة واحدة.

 يحصل هذا في مرحلة من مراحل التحقيق.ويعبرون عن أنفسهم في آن واحد بأساليب ومظاهر مختلفة، ويهاجمون المناضل من عدة جهات ويحاصروه بغية ارباكه وبلبلة وتشتيت أفكاره والايقاع به، أحدهم يسأله عن اسمه، وآخر عن الأسلحة، وثالث يضرب، ورابع ينصح في آن معاً، والكل يحاول الوصول للمعتقل لاستجوابه في حالة من الفوضى ظاهرة ، هذا يهدد وهذا ينظر بصمت، وآخر يحضر أدوات التعذيب، وآخر يبتسم ويقدم سيجارة، وحينما لا يجدي ذلك يجلسون وكأنهم مجتمعون مع المناضل ويأخذون في استجوابه ومناقشته، أو يأخذ أحدهم في استجوابه والآخرون يستمعون يتدخلون بين الفينة والأخرى،  ويناقشون الوضع ويحللون الاجابات، أو يقوم كلهم مع بعضهم البعض ويأخذون في الضرب والاستجواب سوية.

هذا الوضع قد يستمر نصف ساعة أو ساعة لتحقيق الأهداف التالية على الأغلب.

1-   وضع المناضل في حالة جديدة باظهار الاهتمام الزائد به وبقضيته مما استوجب حضور هذا العدد من المحققين كل واحد يدعي أنه حضر من مكان بعيد.

2-   دراسة التحقيق ومجرياته عن قرب، وذلك لتقييم المراحل السابقة بشكل جماعي.

3-   بلبلة وتشتيت    المناضل فقد (يقع )في جو كهذا أو يتخبط فيزل لسانه.

4-   وفي نهاية عملهم يعطون تقييماتهم عن أساليب التحقيق السابقة، وتقديراتهم لموقف المناضل بأنه مثلاً ليس لديه شيء يقوله، أو أنه قال كل شيء، أو أنه لن يقول شيئاً جديداً.

وحتى يحصلوا على موقف نهائي من اجتماعهم هذا يصادف أن ينبري أحدهم للتحقيق العنيف مع المعتقل أمام الجميع كجولة نهائية لهم. وذات مرة اجمع أربعة محققين لمدة 6.5 يوم على مناضل في تحقيق متواصل دون نوم أو ماء وغذاء أو راحة..

ان جولة المحققين المتعددين هي في صالح المناضل غالباً بناء على الأهداف المذكورة أعلاه، فهم لم يأتوا لمساعدة المحققين المسؤولين ،بل ليقولوا كلمتهم في ما يجري، وهذه فرصة المناضل والمحقق معاً:

 فالمحقق يريد أن تحظى تقييماته بتأييد المسؤولين والمحققين الآخرين ليشاركوه في تحمل المسؤولية والتقييم واذا ما أصر المناضل على الصمود فإن موقف المحقق سيتغير لصالحه دون نزوات تذكر وانما سيقوم بجولة أو بضع جولات أخرى لتثبيت التقييم الجماعي وربما ينتهي التحقيق فوراً.

ان المرحلة التي يتعدد فيها المحققون هي حاسمة في مسار التحقيق ليس بسبب الضغوطات والعنف الذي يمارس فيها فهو عادة قليل جداً ولفترة قصيرة جداً،بل لأن حالة الصراع تكون متوازنة تقريباً بين القطبين، أو أخذت تميل لصالح المناضل إذا كان لا يزال صامداً، أو قاربت على التوقف أن كان قد أدلى بشيء، وهذه المرحلة تتطلب درجة من الدقة والصمود لتثبيت النتائج لصالح المناضل حيث يهزم المحقق ليس على مسؤوليته الشخصية فحسب بل ومعه طاقم مسؤول من المحققين.

ان أساليب التحقيق التي تتبع هي ممارسات هادفة تمارس وتكرس أثناء جولات التحقيق ومراحله المختلفة، يجري التركيز على احداها بمصاحبة الأخريات ضمن ترتيب معين، مصحوبة عادة بالشدة، وربما باللين، بهذا المظهر أو ذاك من مظاهر السلوك. هذه الأساليب تمارس بواسطة المحققين اما اثنين دائمين أو واحد ثابت يساعده في بعض الأحيان سفاح آخر، أو تقوم خلية تحقيق بالعمل مراحل معينة، تليها خلية أخرى (أي تغيير المحققين) أو تقوم مجموعة محققين بدراسة القضية في مرحلة من مراحل التحقيق.

ان تغيير المحققين لا يهدف فقط الى اجازتهم واراحتهم  من العمل بل هو في الغالب ناشئ عن عدم ثقة بنجاعتهم فيما لو استمروا، أو عدم ثقة بتقاريرهم، غير أن تغيير المحققين الذي يتم عادة نتيجة لصمود المناضل المعتقل، هو علامة بارزة له، بأنه على طريق تجاوز الخطر، وانه قد يربح المعركة وهو سيربحها لا محالة.

فقد يلجأ طاقم التحقيق الى استخدام محققين آخرين ليقوموا بعمل محدد، مثل استعمال الكهرباء، أو استعمال الكلاب التي يطلقونها على المعتقل استناداً الى خلفية الفزع من الكلاب، والاستعانة بخبير فني لاستعمال ما يسمى جهاز كشف الكذب، أو متخصص في دراسات نفسية معينة يستخدم ما يسمى توارد الأفكار وأسئلة معينة لكشف قرائن أو دلالات على الفعل الذي يجري التحقيق من أجله.

وهكذا، وكما هو واضح يحتاج طاقم التحقيق الى عدد آخر من  المحققين المكملين، أو تدخل لجان تحقيق للدراسة، أو تدخل مسؤولين أعلى مباشرة في التحقيق بدلاً من الاكتفاء بالمراقبة.

ان الحال واحد بالنسبة للمعتقل بعد أن تكون لديه فكرة ولو بسيطة عما يجري حوله، وقد يجد في تعدد المحقيين عزاء له، فعندما يتغير الطاقم الأول، فإنه يتغير في الغالب لأنه فشل، وهزم في المعركة، والطاقم الجديد يستند على تجربة سابقيه كما يستند المعتقل على تجربته الأولى: تجربة الطاقم الأول توجت بالفشل وهذه نقطة انطلاق الطاقم الجديد. وتجربة المناضل مع الطاقم الأول تكللت بالانتصار، وهذه نقطة انطلاقة المناضل في الجولات الجديدة.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.