خلاف الجبهة الشعبية مع حركة فتح ليس شأنًا عامًا، شحادة موسى

كاتب فلسطيني

قبل ما يزيد على الشهر، وفي 25 نيسان/إبريل 2020 ظهر الخلاف بين الجبهة الشعبية وحركة فتح الى العلن تحت عنوان وقف المخصصات المالية للجبهة في الصندوق القومي الفلسطيني. في ذلك اليوم تحدَّث أبو أحمد فؤاد، الأمين العام المساعد للجبهة، عن ذلك الخلاف وموضوعِه بعنوان “نحن لا نستجدي أحدًا”؛ وأوضح أنّ قيادة حركة فتح ورئيسَها محمود عباس، أوقفت منذ مدة مخصصات الجبهة المالية، وأن ذلك ليس المرة الأولى، وإنما يتكرّر كلما صدر عن الجبهة موقفٌ لا ترضى عنه رئاسة “فتح” ممثلةً برئيسها محمود عباس الذي هو في الوقت نفسه رئيس السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية. وتبع ذلك تصريحاتٌ لمسؤولين في الجبهة تؤكد أنّ الجبهة لا ترضخ للابتزاز ولا تتخلى عن ثوابتها.

من المعروف أنّ الخلاف بين الحركتين قديمٌ وسياسي بالدرجة الأولى؛ وما وقف مخصصات الجبهة إلاّ تعبيرًا عمّا تراه “فتح” ممّا لا يمكن السكوت عليه من مواقف الجبهة.

وبمطالعة الصحف وخصوصًا نشرة “بوابة الهدف الإخبارية” المعبِّرة عن الجبهة وأخبارها، لم تظهر ردود فعل على موضوع الخلاف بشأن وقف المخصصات، خارج إطار السجال الفصائلي؛ ممَّا يؤكد أن هذا الخلاف ليس شأنًا عامًا يتجاوز المصالح الخاصة الى الاهتمامات الشعبية العامة ويستدعي التفاعل معه.

تساءَلتْ جريدة الأخبار اللبنانية مع نشرها خبر الخلاف عمّا إذا كانت الجبهة ستنسحب من منظمة التحرير. وهذا التساؤل وأمثاله يكون في محلِّه لو كان الخلاف على المنظمة، أي على سياساتها ومواقفها؛ إذ إنَّ المنظمة بهذا المعنى شأنٌ عام لكونها كيانًا سياسيًّا يعبِّر عن الهوية الوطنية الفلسطينية وطموحاتِ الشعب الفلسطيني ومصالحِه التي تعلو على المصالح الخاصة لهذه الجماعة او تلك.

وقد كان من المفترض أنْ تكون الخلافات مع حركة فتح شأنًا عامًا في اللحظة التي وقَّعتْ اتفاق أوسلو مع إسرائيل باسم منظمة التحرير. ويكفي التذكير بأن هذا الاتفاق أُنجزَ بمباحثات سريَّة بين إسرائيل وحركة فتح التي انتحَلتْ اسم منظمة التحرير؛ وفيه جرَّدتْ “فتح” المنظمةَ من هويتها التي يُجسِّدها اسمُها (منظمة تحرير) فجعلت المقاومة عنفًا وإرهابًا،واعترفت بإسرائيل دولةً،وبفلسطينَ وطنًا إسرائيليًا؛فداست بذلك على ميثاق المنظمة الذي نصَّ على أنَّ “فلسطين وطن عربي، وشعبُ فلسطين يقرِّر مصيرَه بعد تحرير وطنه، وقيامُ إسرائيل باطلٌ من أساسه مهما طال عليه الزمن”.

آنذاك، توقع كثيرون من الفلسطينيين والعرب أنْ تبادر الجبهة وغيرُها من الفصائل التي تجمعها منظمة التحرير الى مقاطعة حركة فتح وإبعادها عن المنظمة. ولكنَّ الأحداث أثبتت عكس ذلك، واستمرت الجبهة ومعظم الفصائل بالعمل تحت قيادة فتح، وألبَسَتْ نفسها لباس المعارضة تطالب “الرئيس” إفساح المجال للمشاركة في القرار، وتتمنّى عليه الخروج من اتفاق أوسلو. وها هو أبو أحمد فؤاد نفسه، وبعد كل ما جرى، يكرِّرُ (من على قناة الميادين) مناشدة الرئيس كي يدعو الى اجتماع الإطار القيادي لمنظمة التحرير من أجل وضع استراتيجية لمواجهة مخططات إسرائيل لضمِّ غور الأردن وأجزاءَ من الضفة الغربية.

ولقد كان هذا النهج ولا يزال مضيعةً للوقت وتضليلاً للشعب، بإشاعة الوهم أنَّ في عرّاب أوسلو أملًا في الخلاص ممّا أوصلَنا هو إليه.

غير أنّ الأمور لا تسير وفق هذا النمط من السلوك السياسي المتعثر. ومن يتابع تحركات أبناءِ شعبِنا خصوصًا في مخيمات اللجوء وبلدان الشتات، لا بدَّ له أنْ يلحظَ أنَّ هذه التحركات تتركز الآن على صفقة القرن ومخاطرها، وتربط الصفقة والأوضاع الفلسطينية المترديَّة،بالجماعة التي تُسمِّي نفسها “القيادة الفلسطينية” وبسياساتها وممارساتهاالتي أوصلتْ الحالة العامة الى مفترق؛ فإما اليأس والضياع، وإمّأ انفجارٌ في وجه هذه القيادة من جماعة أوسلو ومن لفَّ لفَّها.

في السنوات الأخيرة تبلورت حالة الرفض لأوسلو، وتصاعدت التحركات الشعبية في هذا الاتجاه تُعلن إدانتها لأوسلو وقيادته، وتدعو الى خيار المقاومة. وتجسَّدت هذه التحركات بمبادرات ولقاءات فئوية ومهنية، وحوارات سياسية وفكرية، ربما كان آخرها ما ظهر بمناسبة الذكرى(72) للنكبة، ومنها البيان الذي صدر باسم الهيئات والمنظمات الشبابية والطلابية (26 هيئة ومنظمة) في عدد من بلدان أميركا وأوروبا، وغيرها، دعت فيه الى رحيل القيادة والعودة الى نهج المقاومة (الصحف 13- 5- 2020).

وتساوقت هذه التحركات مع تحركات شعبية عربية في بلدان المشرق والمغرب تعبِّر عن تأييدها للشعب الفلسطيني في نضاله من أجل قضيته العادلة. وترفض في الوقت نفسه تخاذل الحكّام قصيري النظر، عديمي الانتماء القومي المهرولين نحو إسرائيل، وتقاعسَ المثقفين الذين تَصهينتْ عقولهم ودعواتهم للتقرب من إسرائيل. وتجسَّدت هذه التحركات في تظاهرات وبيانات وندوات تنظِّمها قوى سياسية ونقابية تلتقي على رفض التطبيع مع العدو، ومناصرة المقاومة الفلسطينية.

وذلك كلُّه يؤكد أنَّ الخلاف مع حركة فتح يجب أنْ يكون شأنًا عامًا بحيث يجري على منظمة التحرير وليس فيها بدوافع المصالح الخاصة، وأن يكون على أوسلو مبدأً ومنتهىً وليس على سلطته وأفعالها.

وهكذا تُظهر الخلافات مع جماعة أوسلو، والتحركات الشعبية المناهضة له، أن جماهير شعبنا قد تعافت من الضربة التي أوقعها أوسلو،وتشير الى أنَّ هذا المخاض سوف ينتقل الى الفعل الميداني وينتهي الى صدام مع جماعة أوسلو و”القيادة الفلسطينية”. فلم يعد من الجائز استمرار هذه الحالة البائسة التي تُخيِّم على الساحة الفلسطينية.

لقد أصبح الوضع القائم يحتِّمُ على الفصائل أن تحسم أمرها وتغادر مواقف التذبذب، وتقطع نهائيًا مع حركة فتح. وهو ما يقتضي تنحِّي حركة فتح عن قيادة منظمة التحرير، ويكون ذلك اختبارًا أخيرًا للحركة تكفيرًا عن خطايا أوسلو، وفرصةً للقيادات والعناصر المناضلة في الحركة للالتحاق بتيَّار المقاومة بعيدًا عن أوسلو وقيادته.

فحركة فتح تتمسك بقيادة المنظمةبل تعتبرُ رئيسها محمود عباس رئيسَ الشعب الفلسطيني. وعباس يستمر بالتفاوض باسم الشعب الفلسطيني ممثَّلًا بالمنظمة. ولهذا يصرُّ هو على ترديد عبارة “الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني”وصفًا للمنظمة، وعزا قرارَه بوقف مخصصات الجبهة الشعبية الى عدم توقيعها في اجتماع موسكو على البيان الذي يحمل هذه العبارة. ولذلك تتأكد ضرورة تخليص المنظمة من سيطرة حركة فتح، وإعادتها منظمةً وطنيةً جامعة غير فصائلية.

ولا بدَّ من أنْ يستتبع ذلك عقد مؤتمر وطني تأسيسيٍّ يعيد الاعتبار لمنظمة التحرير بميثاقها القومي، كيانًا سياسيًّا، وقيادة عامَّة لحركة تحرُّرٍ وطني.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.