دور القطاع الفلاحي في عملية التنمية، الطاهر المعز

أظهرت الإنتفاضة الأولى (1987) في الأراضي المحتلة سنة 1967، أهمية الإنتاج الزراعي، وأهمية شبكات التوزيع المحلية، في عملية صمود الفئات الفقيرة، ومقاطعة سِلع الإحتلال، وإنجاز تحالفات بين مختلف الفئات الفقيرة والمتوسطة، بين الفلاحين والتجار وسكان المخيمات والطلبة، وغيرهم، كما تمكنت إيران من الصمود في وجه الحصار المتواصل منذ أربعة عقود، بفضل تطوير الزراعة والتعويل على الخبرات المحلية، في عدد من المجالات…

كان الإتحاد السوفييتي مُهدّدًا بمجاعة أخرى، سنة 1928، بسبب أزمة محاصيل القمح، اللاحقة للحرب الأهلية (المدعومة من الخارج) ولولا الإستثمار في البحث العلمي، وإنشاء المزارع الجماعية، وتجميع صغار الفلاحين في المزارع التعاونية، لما تجاوز الإتحاد السوفييتي تلك الأزمة بتلك السرعة، فارتفع إنتاج القمح، والإنتاج الزراعي، والإنتاج الحيواني، قبل أن تُقَوِّضَ أزمة 1931، هذه النتائج الجيدة، وقبل أن تَعْصِفَ الحرب العالمية الثانية بهذه الجهود… لكن، وبشكل عام، تمكن الإتحاد السوفييتي، بفضل البحث العلمي، والمزارع الجماعية والتخطيط المُحْكَم، من تحسين الإنتاج الزراعي، ومن تعميم استخدام الآلات الميكانيكية، إلى أن أصبح من أكبر المنتجين العالميين للحيوب، واستخدمت الإمبريالية الأمريكية مواسم المحاصيل السيئة، بين سنتَيْ 1972 و 1975، لفرض حَظْرٍ على تصدير الحبوب إلى الإتحاد السوفييتي، الذي تجاوز الأزمة، بداية من 1976، بفضل الخطط الخَمْسِيّة التي مكنت من زيادة محاصيل الحبوب والقطن والسّكّر والمحاصيل الزراعية الأساسية.

ورثت روسيا، من الإتحاد السوفييتي، هذه المرتبة المتقدمة، وأصبحت من أكبر المنتجين العالميين للحبوب، رغم انخفاض المساحة الصالحة للزراعة، وكان انخفاض الإنتاج ( بسبب الجفاف الإستثنائي ) وتعليق صادرات الحبوب من روسيا، سنة 2012، أحد أسباب انخفاض العَرْض، وارتفاع الأسعار، سنتَيْ 2012 و 2013، بالإضافة إلى نقص الإنتاج في البلدان الأخرى كالولايات المتحدة والأرجنتين وأستراليا وأوكرانيا.     

في سوريا، مَرّت البلاد، والفُقراء بشكل خاص، بأزمات أدّت إلى شح المواد الغذائية، خلال 1969 – 1970، وكذلك في منتصف ثمانينات القرن العشرين، حيث غابت معظم السلع الأساسية وارتفعت أسعارُها، في ظل عُقوبات اقتصادية وحصار اقتصادي خانق، وأقرّت الدولة خطط زيادة الإستثمار وزيادة الإنتاج الزراعي، إلى أن تمكنت من تحقيق الإكتفاء الذاتي الغذائي، ما بين 2004 و 2009، قبل أن تعرف البلاد ثلاثة مواسم فلاحية متتالية من الجفاف، وخاصة في مناطق ريف دمشق والجنوب، التي انطلقت منها احتجاجات سنة 2011، في بداياتها، قبل تسْيِيسِها وتَسْلِيحها، واستغلالها من قِبَل الدّول الإمبريالية، وقَطر والسعودية وتركيا وغيرها، ولا تزال قوات الإحتلال العسكري الأمريكي، وعملاؤها من مليشيات العشائر الكردية تحتل حقول النفط والغاز، وتمنع على المزارعين (في منطقة الحسكة، على سبيل المثال)، بيع إنتاجهم إلى الدولة السورية، فيما تتكفل المنظمات الإرهابية بحَرْق المحاصيل، وتشتري المجموعات التابعة لتركيا الإنتاج الزراعي السوري، وخاصة الحبوب، لتسريبها إلى تركيا، ما خلق أزمة غذاء في سوريا، وشُحًّا في المواد الزراعية، في ظل الحصار الإمبريالي المتزايد…

أهمية القطاع الفلاحي في بلدان “الأطراف”، أو البلدان الفقيرة     

يُمَكّن الإستثمار في البحث العلمي، وفي استصلاح الأراضي الزراعية، وفي تنْمِيَة الثروة الحيوانية، من زيادة الإنتاج الزراعي، لتلْبِية الحاجة الغذائية للمواطنين، والإنتقال في مرحلة أولى من اقتصاد النَّدْرَة إلى اقتصاد “الوَفْرَة”، وتحقيق الأمن الغذائي، واقتصار التوريد (وهو نزيف للعملات الأجنبية) على السلع الأساسية والضرورية، لتترافق مرحلة الإكتفاء الذاتي الغذائي والوفرة بالإستثمار في الصناعات الغذائية، وتحويل فائض الانتاج الفلاحي (النّباتي والحيواني) إلى إنتاج مُصنّع، كالنسيج والملابس، انطلاقًا من استغلال الصُّوف والقُطْن، أو تحويل المواد الزراعية الخامة القابلة للفساد والإتلاف، إلى مواد مُصبّرَة، ذات قيمة زائدة مُرْتفعة، وتُمكِّنُ استرتيجية الإعتماد على القطاع الزراعي، من التخفيف من الإعتماد على الإستثمارات الأجنبية، ومن حِدّة الأزمات، ومن تحقيق الأمن الغذائي، وتجاوز الأزمات التي تخلقها الإمبريالية، بفرْض الحِصار والحَظْر، و”العُقُوبات”…

هذه مُجَرّد خُطُوط عامّة، وبعض الأفكار التي تتطلّب التّعْمِيق، إذْ من الضّرُوري إنجاز دراسات جَدْوى، وتقديم تقديرات للإنفاق الحكومي على قطاع الفلاحة، واشتراط الدعم ومساعدة المُزارعين، ومربِّي المواشي، بتأسيس مجموعات تعاونية، للإنتاج وللتّسْويق، واشتراط الإدارة الديمقراطية لهذه التعاونيات، لتكون مُختَبرًا للديمقراطية الأُفُقية، وللتشاور والحوار حول مسائل حياتية هامة، وفُرْصَة للإستفادة من خبرات “المُزارعين القاعديين”، بالتوازي مع خبرات الباحثين والمُهندسين… 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

● ● ●