لا عروبة انتقاء ولا خبط عشواء ولا أمة في رجل، حلقة (1)، عادل سمارة

تأليه الفرد: أبلاهة هي أم إصابة بالتبعية؟

يمكنك، ولو بحد بسيط من الذكاء والمتابعة، أن تفهم لماذا يهتم الحكام، وخاصة العرب بأن تكون صورهم على كل حائط وليس في اي قلب، المهم الجدران كي لا يرى المواطن غير الجدار والصورة ويرسخ في وعيه ويقر في عقله وحتى في عينه بان ظهره وصل في تراجعه إلى الجدار، وبأن ما هو أمامه العسس والبارود والزنازين والإكسات، فما عليه إلا أن يخرس.

ويمكنك أن تفهم بأن الحاكم معني بأن لا يكن في البلد “ذكر” إلاّه، إلا هو نفسه، وبقية الرجال  مخاصي والنساء إماء.وهذا ما يمكن تلخيصه في  تجويف الوعي لتجريف الثروة.

ويمكنك أن تدرك بأن ما تبقى في الوطن العربي هي الجبهة الثالثة والتي جرى الفتك بها طوال قرن سايكس-بيكو من حيث التجزئة وممارسة الحكام/طبقات الحكم حربا أهلية ضد الشعب والوطن إلى ان تلتها حرب أهلية في القطر الواحد وحرب بينية بين قطر وآخر، وصولا إلى حرب اهلية معممة عمياء على يد أنظمة وقوى الدين السياسي.

و اليوم تجري محاولة هدم الجدار الثالث، إنه يهتز  بالتطبيع المعمَّم بتوسيعه عموما وإلباسه عمامة الدين السياسي. بالمناسبة، في سخريته من العثماني كتب ماركس:

” محمد علي هو الذي حوَّل العمامة المفتخرة إلى راس حقيقي”

فالجدار الأول الذي هُدم بيد حراسه هو أنظمة الحكم في القطريات العربية التي خرجت من الصراع  ضد الكيان الصهيوني، كراس حربة للإمبريالية،علانية. أماأنظمة الصحارى والريع فصيغت وبقيت في مخدع العدو سرا في حين وادعت الحياد او المشاركة الشكلانية في حين آخر، وها هي اليوم تُطبِّع  طوعا وعلانية وتدفع من جيبها ثمن الإتيان بها من الوحش الأمريكي وتمفصله الصهيوني. تشارك في تدمير سوريا وإهلاك مصر، وصهينة السودان ودعم العدو الإثيوبي والتركي طبعاً.

والجدار الثاني هُدم معظمه وبايدي أهله ايضا، جدار كثير من القوى والآحزاب العربية التي اعترقت بالكيان، وتواطئت في اقطارها مع الأنظمة الحاكمة التابعة فقتلت بعدها ومن ثم عمقها العروبي فتحلَّقت على ذاتها قُطريا وباتت متسلقةعلى مؤخرة الحاكم، تتنفس ما ترخيه دون كمامات. وفي حين انطوى يساري هذا السقوط على نفسه وصارخجلاً من التغنج الأممي بالاعتراف بالكيان انبرت قوى الدين السياسي لتملأ المشهد ولتنحر الأمة.

في هذه القوى كانت قولة احمد حسين: “هيهات، فكم فارس تبقى على ساحة الإلتزام”، كيف لا، وحين يكون الصمود محدودا بمستوى عدد من الأفراد فهي كارثة معممة.

أما الجدار الثالث فهو الشعب الذي دون ركوعه لا يستقيم ويبقى لا الحكام ولا الكيان. لكن الشغل على هدمه هائل بادوات الغرب الرأسمالي الإمبريالي المعولم سواء بتصنيع:

  • قوى الدين السياسي التي حربها ضد الدم العربي باسم الدين.
  • وقوى الموجة القومية الثالثة، كتصنيع إمبريالي غربي، التي تفكك كل قطر من داخله عبرأدوات كمبرادور الإثنيات والطوائف التي تمتطي الطائفة أو الإثنية أو القومية لصالح تجديد الاستعمار. هؤلاء بعقلية أمراء الإقطاع وخاصة قيادات كردية وأمازيغية والتي سيكون دورها احترابات مع العرب وحتى بين أماراتها.
  • ومواصلة الأنظمة الحاكمة حربها الأهلية داخل كل قطر ضد الشعب وحتى ضد جغرافيا الوطن، وذلك كي تتقاطع بتفتيتها عبر الحرب الأهلية الرسمية الداخلية وتتداخل مع الحرب الأهلية لقوى الدين السياسي. وهذه الحرب ذاتها هي التي انعشت الموجة القومية الثالثة. ولعل منح النظام المصري للسعودية جزر صنافير وتيران نموذجا على التفريط بالجغرافيا في خدمة تواصل النظام السعودي مع الكيان، ومع ذلك السعودية والإمارات تدعمان نظام البرهان وإثيوبيا ضد مصر، اي بالضبط في سياق السياسة الأمريك-صهيونية.

لذا، لا بد من كلام كاشف، فلا عروبة انتقاء ولا خبط عشواء ولا أمة في رجل.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.