الاستهداف وأبعد من سايكس-بيكو، حلقة (2)، عادل سمارة

لا عروبة انتقاء ولا خبط عشواء ولا أمة في رجل

 صار من نافل القول الكتابة عن حقيقة استهداف الوطن العربي سواء بالخطة أو بجزئيتها المخفية المؤامرة. ويخطر للمرء احياناً القول بأن الاستهداف الأشد ضد فلسطين، ضد مصر، ضد سوريا، ضد الجزائر…الخ ليصل إلى درجتين من القناعة:

  • كل شبر مستهدف
  • وشدة الاستهداف متنقلة من جغرافيا إلى أخرى دون أن تنعدم في ايِّ منها، كما يشتد الاستهداف كلما كان القطر أو قيادته أو أحزابه ذات توجه تنموي ووحدوي وأكثر جاهزية وقدرة بنيوية على المقاومة.

ومن لا يدرك أو لا يقبل هذا، فهو بالضرورة  ضد عروبي أو وعيه السياسي في نطاق مادي ما قبل واعٍ سياسياً وطبقياً.

ويعود تنقل شدة الاستهداف إلى حراك المصالح، من جهة، وإلى عدم قدرة العدو على حسم كل الجغرافيا العربية دفعة واحدة بضربة واحدة فيهادن هنا ويقتحم هناك، وهذه بحد ذاتها ميزة مناورة لدى العدو ولكنها في الوقت نفسه مؤشر ضعف ايضا.

لكن انتصار الثورة المضادة في جزء من الجغرافيا العربية يختلف في خطورته عن انتصارها في جزء آخر بمعنى أن القطر الأقدر على المقاومة يصبح، في حينه، عرضة لاستهداف اشد.

إهتمت الثورة المضادة دائما بأن يفتقر الوطن العربي إلى مقومات التماسك والوحدة والتصدي، مستخدمة آليات عديدة منها بشكل أساسي:

  • منع نهوض ومن ثم  صمود دولة مركزية
  • وعدم تطور قطر عربي، وخاصة القطر الذي يُعتبر دولة مركزية لأنه ، حين يحصل ذلك، يصبح قادراً على الاستقطاب بالضرورة بناءً على مصلحة مادية للطبقات الشعبية في الأقطار الأخرى للوحدة معه وهذا يعني بدء هزيمة الثورة المضادة. بالمناسبة كثيرا ما أُدين ستالين لأنه لم يتفهم الوجود المادي الموضوعي والاجتماعي للأمة العربية، لاسيما وأنه لم ينتقل من وجود إلى حضور، نظراً لعدم وجود السوق الراسمالية للأمة العربية فزعم أنها أمة في طور التكوين  ولم يدرك أنها أمة في طور الاستهداف.  وبالطبع قاد هذا التنظير الخاطىء لستالين إلى ارتكاز كثير من الشيوعيين العرب عليه في موقفهم المتنكر لوجود قومية عربية وبالتالي كان موقفهم من الوحدة العربية بين متراخٍ ورافض. (ليس هنا مجال الحديث عن وجود الأمم والقوميات الأقدم من الحقبة الراسمالية وقبل هيمنة نمط الإنتاج الراسمالي).

لم تعد مؤامرة سايكس-بيكو ووثيقة كامبل بنرمان ووعد بلفور وخرائط برنارد لويس وغيرها كافية لتفسير الحال المتردي للوطن العربي إذ لا بد من الدخول إلى تطبيقاتها العملية والعوامل أو القوى الإقليمية التي ترتبط بهذه الخطة ضد الأمة العربية والتي في لحظات تطبيقية لها تأخذ شكل المؤامرة باعتبار المؤامرة حالة هجوم واقتحام سريع ومكثف.

صحيح أن التجزئة هي قاعدة التطبيق لخطة الثورة المضادة بما هي اقتحام الجغرافيا أو سحق الحيِز إلى حيزات عديدة كلما كثرت ضعُفت أكثر.

ولكن التجزئة كي “تستقيم” تم رفدها ب:

أولاً: التوليد/توليد العجزة والتوابع، أي تخليق سلطات تُفرض/تُولَّى على الكيانات السياسية الإقتصادية الإجتماعية. وما كان لهذه السلطات أن توجد وتبقى دون ارتباطها بالسيد الإمبريالي حيث تدين له بنعمة إيجادها. ويترسخ هذا الوهم أو الاعتقاد إلى درجة عدم القدرة على النظر في الذات وتقييمها ومن ثم إنهاضها.

لذا هناك أقطار عربية تخضع للعدو وتتآمر معه وتخدمه بعيدا حتى عن مصالحها القطرية رغم أنها وصلت من حيث الإمكانات ما يتجاوز حاجتها للسيد الأجنبي. ولعل السعودية ومعظم الكيانات النفطية أمثلة على هذا في المشرق والنظام المغربي في المغرب.

هذا مع ضرورة التنبه بأن الثورة المضادة/الاستعمار لا يحمل أحدا على كتفيه مما يؤكد خطل القول بأن دولة كذا باقية بدعم الاستعمار لأن الاستعمار يأخذ ولا يُعطي وإن أعطى فبأقل بكثير مما يأخذ بمفهوم التراكم بالطبع، فهو لا يدعن، بل يحمي ليقبض ويراكم أكثر.

لعل أهم سبب في إصرار هذه الأنظمة على التمسك بالاستعمار هو  خوف هذه الأنظمة من جبهيتن حتى وإن ليستا مفعَّلتين:

  • جبهة الطبقات الشعبية في الداخل
  • قوة وطموح الدولة المركزية.

لذا، تعمل الثورة المضادة على اعتماد هذه الأنظمة لتجويف الوعي من أجل تجريف الثروة من جهة، ومن جهة ثانية تعمل على إهلاك الدولة العربية المركزية.

ثانياً: الاستزراع: لذا كان استزراع الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي كأداة لإجهاض اي تطور عربي سواء من حيث العلاقات البينية أو الوحدوية، وهذا يتكامل مع التوليد. لذا، ليس صدفة أن تتزامن مؤامرة سايكس-بيكو 1916  ووعد بلفور عام 1917 الأمر الذي يبيِّن بأن هناك حبل سُرِّيْ بين القطريات العربية والكيان االصهيوني مما يؤكد بأن مصيرهما واحد وبالتالي يساعد هذا على تفسير عدم مشاركة كثير من القطريات العربية ضد الكيان الصهيوني إلى أن وصل كثير منها إلى لحظة إعلان صهينته بالاعتراف بالكيان الصهيوني.

من هنا وجوب التوضيح بأن الكيان لم يكن ضد فلسطين وحدها، بل إن ما اتضح أن قيادات هذه الكيانات والقطريات هي والكيان الصهيوني معاً  ضد فلسطين، وهذا يفتح على ما يجب دراسته بتمعن:  وهو دور الأنظمة العربية القطرية في بناء الكيان وحتى رعايته بعد أن اغتصب كامل فلسطين.

ثالثاً: التطويق أو الحصار: إذا صح تقييمنا بأن الوطن العربي خاصة هو قيد الاستهداف على الأقل منذ حقبة الراسمالية التجارية، وبأن هذا الاستهداف يفوق استهداف مختلف أمم المحيط، فإن هذا يسمح لنا بقراءة ما قامت به الثورة المضادة في الإقليم ضد الوطن العربي.

لذا استقطبت الثورة المضادة تركيا لتكون قاعدة عدوانية ضد المشرق العربي وخاصة ضد الدولتين اللتين يمكن أن تكونا مؤهلتين كدولة مركزية في حال غياب أو وهن مصر. لذا، بقيت تركيا على عداء مفتوح ضد سوريا والعراق بما في ذلك اغتصاب جزء من الأراضي السورية بتسهيلات الإمبريالية الفرنسية، وبقيت تزعم أن لها “حق” في الموصل وحلب! 

وضمن التطويق كان زرع الكيان الصهيوني في فلسطين ولتوفير أخطر الضمانات له كان:

  • تقسيم سوريا من الداخل واستهدافها المستدام
  • وعقد تحالف مستمر بين الكيان الصهيوني وتركيا.

ولاستكمال التطويق ركزت الثورة المضادة  على النظام المغربي كأداة دورها تفكيك المغرب العربي وتهديد الجزائر والحيلولة دون وحدة  مغاربية.

وعليه، يكون الثلاثي التركي الصهيوني المغربي”كنظام” مثابة تحالف مضاد للوطن العربي. وقد يفسر هذا تلك العلاقة الحميمة بين تركيا والكيان الصهيوني وبين الكيان الصهيوني ونظام المغرب العربي.

واستكمالاً للتطويق كانت إيران الشاه قوة تطويق للعراق وسيطرة على الجزيرة العربية. ورغم تغير الوضع بعد الثورة الإيرانية وانتهاج إيران سياسة خارج إطار الهيمنة الإمبريالية وتحالفها مع سوريا إلا أن إيران لم تنضج سياستها تجاه الوطن العربي بمعنى التحالف مع الأمة العربية وليس مع قطر والهيمنة على آخر.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.