عُدْوان امبريالي أمريكي متواصل، من سوريا، إلى فنزويلا، مرورًا بإفريقيا وأوروبا، الطاهر المعز

صعّدت أمريكا الحصار الإقتصادي على الشعب السوري، بالتوازي مع احتلال حقول النفط، وإصدار أمر إلى حكومات الأردن والعراق ولبنان، لإبقاء الحدود البَرّية مع سوريا مُغْلَة، ومنع الفلاحين (عبر قسد) من بيع محاصيل الحبوب إلى الحكومة، وحَرْق حقول القمح (عبر المنظمات الإرهابية الإسلامية)، ولم تكتف الولايات المتحدة بذلك، بل صعّدت من​​ الحصار، عبر ما سُمِّيَ “قانون قيْصر” الذي أدّى إلى انهيار الليرة السورية، وتجفيف السوق من الدولار، والتهديد بملاحقة أي شركة أو مصرف يتعامل مع سوريا، وحظر بيع الغذاء والدّواء وكافة السلع الأخرى…

في فنزويلا تُلاحق الولايات المتحدة عددا من القادة السياسيين ورجال الأعمال الذين رفضوا تطبيق قواعد الحصار ضد وطنهم وشعبهم، ومن بينهم رجل الأعمال “أليكس صعب”، الذي كان من المُستثمرين الدّاعمين للبرامج الوطنية لإسكان الفُقراء (في مساكن شعبية رخيصة) والبنية التحتية، التي وقع إنجازها خلال فترة رئاسة “هوغو تشافيز”، وهو من أصحاب الشركات الذين وافقوا على تخفيض الأرباح على المواد الغذائية والأدوية والمعدات الطبية…

عمل “أليكس صعب”، منذ محاولة الإنقلاب الأمريكي ضد النظام، وتنصيب عَميل لها رئيسًا وهميا أو افتراضيا، على التواصل مع بعض أطراف المعارضة، لفتح مفاوضات بين السلطات وعدد من المعارضين، لحل الخلافات بدون تدخلات خارجية، لذلك تعقّبت المخابرات الأميركية “أليكس صعب”، واعتقلته في جمهورية الرأس الأخضر، عندما حطّت الطائرة للتزود بالوقود، قبل مواصلة الرحلة إلى إيران، ونفذت الشرطة المحلية عملية الإعتقال (بناءً على مُذكّرة من الشرطة الدّولية “إنتربول”)، تحت إشراف “القوات الخاصة” العسكرية الأمريكية، مع الإشارة إلى عدم وجود اتفاقية تسليم المعتقَلِين، بين جمهورية الرأس الأخضر والولايات المتحدة، التي تتهم “أليكس صعب” بالإرهاب وغسل الأموال، أمّا وسائل الإعلام الأمريكية فتتهمه (بناء على ما زودتها به الأجهزة الحكومية الأمريكية) ب”مساندة الرئيس الفنزويلي، وتحويل الأموال إلى فنزويلا، والإلتفاف على الحصار الأميركي…”

لم يقتصر العدوان الأمريكي على “الخُصُوم”، بل طال الحلفاء، وتُعْتَبَرُ ألمانيا، أكبر حليف للولايات المتحدة في أوروبا، مع بريطانيا، وتُؤْوِي أكبر قواعد حلف شمال الأطلسي، وتستخدمها المخابرات الأمريكية لتجميع وتدريب الإرهابيين، وتلعب ألمانيا أَقْذَرَ الأدْوار في أفغانستان وفي سوريا وفي فلسطين وفي إفريقيا، ويمكن اعتبار ألمانيا، إحدى أهم الحلقات ضمن المُخطّطات العدوانية الأمريكية، ومع ذلك تجسست وكالة المخابرات الأمريكية (سي آي إيه ) على الحكومة الألمانية “الحليفة” وعلى المُسْتشارة “أنغيلا ميركل”، ضمن مخطط تجسس واسع على الخصوم كما على الحُلفاء، وتحاول الولايات المتحدة فرض شروط العلاقات الإقتصادية والتجارية، للحكومة الألمانية مع الخارج، وهدّدتها بفرض العقوبات (على الحكومة والشركات المُشاركة) إذا تواصل إنجاز مشروع الشركة الإستراتيجية لبناء خط أنابيب الغاز “نورث ستريم 2″، لتيسير تدفق الغاز الروسي نحو أوروبا، عبر مسار أَقْصَرَ وأسْرَعَ، لكن الولايات المتحدة تُريد إجْبار أوروبا على شراء الغاز الصغري الأمريكي، وهو أقل جودةً وأغلى ثمنًا من الغاز الروسي، وسبق أن تم تعليق بناء خط الأنابيب “نورث ستريم 2 “، الذي تُشارك في بنائه شركات من روسيا وألمانيا والنمسا وفرنسا وهولندا ، في كانون الأول/ديسمبر 2019 ، بعد أن هددت واشنطن بفرض عقوبات على شركة سويسرية كانت تُشارك في تنفيذ المشروع…

أصبحت عملية الإكراه والتهديد والحصار والحَظْر آلية معهودة ومتكررة، وتكتيكًا شائعًا، تستخدمه الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها الخاصة، وبخصوص ألمانيا، تصادمت مصالح أكبر قوة اقتصادية أوروبية مع مصالح “الحليف” الأمريكي الذي يمتلك 21 قاعدة عسكرية في ألمانيا (من إجمالي 51 في أوروبا)، بها حوالي 38 ألف جندي أمريكي، بالإضافة إلى حوالي 35 ألف آخرين من أفراد عائلات الضّبّاط والإداريين…   

في إفريقيا، تمكنت الصين من التغلغل اقتصاديا، وأصبحت أكبر مُستثمر في القارة، وبلغت قيمة المبادلات التجارية نحو 200 مليار دولارا سنة 2018، وهي مبادلات لصالح الصين، عبر شركاتها العديدة وبفضل سياسة “التعاون”، عبر بناء مؤسسات ومدارس ومستشفيات وطرقات وغيرها…

أقرت الولايات المتحدة برنامجا عسكريا للهيمنة على إفريقيا، بعنوان “أفريكوم”، ثم أقر الرئيس باراك أوباما (بدعم من الكونغرس) برنامجا ضخما لاستثمار الشركات الأمريكية في قطاعات استراتيجية مُحدّدة كالمحروقات والطاقة والبُنْيَة التّحتية، بدعم من الحكومة الأمريكية، وأقامت أمريكا قواعد عسكرية عديدة، خاصة بعد احتلال ليبيا وتخريبها وتقسيمها إلى ثلاث دُوَيْلات، غير قابلة للحياة، تحكمها مليشيات إرهابية، بدعم خارجي، أمريكي وأوروبي وأطلسي.

أثناء فترة انتشار وباء “كوفيد 19″، استفادت شركات الإتصالات والتكنولوجيا الأمريكية العملاقة من الإغلاق ومن الحجر الصحي، وزادت إيراداتها بفضل زيادة الإعتماد على الإتصالات والعمل عن بُعد، ودعمت الحكومة الأمريكية برنامجًا ضخمًا تستفيد منه شركات مثل فيسبوك وغوغل (مالكة موقع “يوتوب” ) ومايكروسوفت وآبل وأمازون، لإنشاء مشروع عملاق (تقوده شركة “فيسبوك” ) لبناء شبكة ضخمة من خطوط الإتصالات تُحيط بالسواحل البحرية الإفريقية، بطول 27 ألف كيلومتر تقريبا، في قارة يفتقر حوالي 600 مليون شخص من سكانها للكهرباء، وسوف يشمل البرنامج في البداية 23 دولة، بحسب صحيفة “نيويورك تايمز” (14 حزيران/يونيو 2020)، وربط إفريقيا بأوروبا وبالسعودية والخليج، غبر البحر الأحمر، وكانت شركة “فيسبوك” التي تَقُود هذا المشروع، قد أقامت (في أيار 2018) شراكة مع “المجلس الأطلسي”، وهي منظمة ذات نُفُوذ واسع، ومرتبطة بحلف شمال الأطلسي، وبالحكومة الأمريكية، وتمولها شركات النفط العابرة للقارات (في مقدمتها “إكسون موبيل” )، وشركات الصناعات الحربية، وأكبر المصارف الأمريكية، ومؤسسات ثروكفلر” و “جورج سوروس”، وغيرها، ويتمثل الهدف المُعْلَن لهذه الشراكة بين “فيسبوك” و “المجلس الأطلسي” في تنظيم الإنتخابات، والإشراف على كافة مراحلها، في معظم دول إفريقيا، ما يكشف الهدف الحقيقي لبناء هذه الشبكة الضخمة، وهو تيسير استغلال الشركات الأمريكية العابرة للقارات، للمواد الخام، وللثروات في الدول الإفريقية، ومنافسة الشركات الصينية، مع ضمان الهيمنة ذات الصبغة السياسية، عبر تنظيم الإنتخابات، والإتصال المستمر بالأحزاب والحكومات، وما يُسمّى “المجتمع المدني” و”المنظمات غير الحكومية”، وَوسائل الإعلام، وسوف تتمكن قوات “أفريكوم” و”القوات الخاصة” الأمريكية من استخدام هذه الشبكة، لتنفيذ عملياتها العسكرية، من المراقبة عبر الطائرات الآلية إلى التنفيذ، في كافة مناطق إفريقيا، ومن التّجسُّس على حركات المُعارضة، التي تناهض الإمبريالية، والحكومات المحلية…  

هذه بعض النماذج التي تُظْهر بعض ما يُمْكِنُ رَصْدُهُ من أشكال الهيمنة الأمريكية، ومن الأساليب التي تستخدمها، من التكنولوجيا إلى التّدخل العسكري، مرورًا بالحصار الإقتصادي، والتهديد المباشر…  

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.