مصر … الحرب تجمعنا، عادل سماره

  • لا عروبة انتقاء ولا خبط عشواء ولا أمة في رجل، حلقة 3

ولعل القاعدة هي أن مصير الوطن العربي مرتبط بوجود دولة عربية مركزية، ارتباط السلب والإيجاب، وهذا ما يؤكد دور مصر من حيث الموقع والتاريخ والبنية المكتملة لتشكيلة اجتماعية اقتصادية وبالطبع الإمكانات البشرية.

منذ الفراعنة، ومصر تجد أمنها في حدود الشام مع تركيا، وفي حدود الجزيرة العربية وكامل السودان، وفي حدود مجمل المغرب العربي. لذا، حين مارست دولة مصر /محمد علي تأمين عمقها الأمني في الشام والسودان والجزيرة العربية تهادنت وتحالفت الثورة المضادة في حينه (العثمانية وبريطانيا وفرنسا) لتدمير هذه الدولة المركزية.

وقد تكون من نقاط ضعف مصر حينها كونها قوة عسكرية ومحاولة تصنيع ولكن دون إحداث ثورة مجتمعية تبقى هي خميرة النهوض إذا ما هُزم العسكر، وهو ما أورث مصر بعدها سلسلة الخديوية، هل كان هذا الخلل نتيجة قِصر زمن أو مدة بقاء هذه السلطة أم الروح العسكرية البحتة لدى محمد علي؟ ولماذا تكرر في عهد ناصر!

لم يتوقف الاستهداف ضد الوطن العربي وخاصة ضد الدولة المركزية، لذا وقف الغرب ضد الثورة المصرية بقيادة جمال عبد الناصر.

قاد دعم مصر للثورة الجزائرية إلى العدوان الثلاثي بين بريطانيا وفرنسا والكيان الصهيوني وذهبت فرنسا إلى عرض الوحدة مع بريطانيا لإقناعها بالمشاركة في هذا العدوان وبالطبع كانت بريطانيا جاهزة لذلك إثر إنهاء اتفاقية الجلاء وتأميم قناة السويس.

في تلك الفترة قاومت مصر جيشا وشعبا وقيادة. صمد ناصر ولم يهرب! كما لم يكن الاتحاد السوفييتي قد تضعضع مما أرغم العدوان على التوقف والانكفاء والكيان على إخلاء قطاع غزة.

هناك تشابه اليوم في الخريطة العالمية بعد صعود الاتحاد الروسي والصين الشعبية.

ولكن العدوان وجه ضربة معنوية لمصر الناصرية بالطبع لكنه أيضا ايقظ بعمق المد القومي العربي إضافة إلى ثورة الجزائر ودعم مصر لثورة جنوب اليمن…الخ ، وهذا ما يؤكد بأن الحرب رغم كوارثها الاقتصادية تؤدي إلى انبعاث الإنتماء والجاهزية النضالية.

تواصلت محاولات الثورة المضادة لتصفية النظام المصري الناصري، وخاصة بعد انجازات التأميم والسد العالي والوحدة المصرية السورية. وبالمناسبة، شهدت سنوات الوحدة الثلاثة هذه أقل نسبة استجلاب مستوطنين إلى فلسطين.

ورغم ثورية وعروبة عبد الناصر إلا أن سياساته شابها الكثير من الأخطاء القاتلة والتي اسست لضياع مصر بعد رحيل عبد الناصر.

فحينما حصل الانفصال في سوريا وكان محصوراً بفئتين من الضباط:

  • واحدة تسعى لتنظيف البلد من كوارث عبد الحكيم عامر الذي كان مثابة مندوب سامي في سوريا، وللأسف بقي عامر حتى ساهم في إنجاز هزيمة 1967،
  • والثانية عميلة للغرب تنسق مع نموذج (موك الحالية) في الأردن.

كان الشعب في سوريا بمعظمه ضد الانفصال، لكن عبد الناصر تخاذل عن المنازلة، واكتفى بالعبارة الحزينة :”كان الله في عون سوريا”!

كما ان موقف عبد الناصر عبر الجامعة العربية ضد محاولات الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم استرداد الكويت كمقاطعة رقم 19 من العراق وإرسال قوات عربية لحمايتها، موقف أكد أن كثيراً من القوميين العرب هم قطريون تقودهم صراعات المحاور العربية وليس المشروع القومي، ولذا بقي “الدُمَّل” الكويتي إلى أن انفجر لضياع العراق!

ربما أخذ عبد الناصر عبرة من الحدثين أعلاه فقرر أن تلعب الدولة المركزية دورها التاريخي بالخروج حربيا خارج حدودها القطرية فأرسل الجيش المصري إلى اليمن بقيادة الجنرال مرتجى لتثبيت الثورة اليمينة بقيادة الراحل عبد الله السلال.

من الطرافة التذكير بالمعترضة التالية،  أن إمام اليمن حينها كان قد ارسل لعبد الناصر في يوم الوحدة المصرية السورية برقية تقول “ضمونا إليكم قبل أن تنفضّوا” لتصبح اليمن في وحدة كونفدرالية مع سوريا ومصر، وحينما حصل الانفصال، فك الإمام البدر الوحدة بقصيدة هجاء ضد عبد الناصر.

كان وصول جيش مصر إلى حواف منابع النفط هو الذي دفع الثورة المضادة لقرار تصفية الدولة المركزية العربية مصر. وربما لم يكن ضعف مصر في إنهاك الجيش المصري في حرب نظامية ضد حرب عصابات وجغرافيا مجافية والاضطرار لسحب القوات قبيل عدوان حزيران 1967 بل للغرابة كان ضعف الدولة المصرية في وجود الثورة المضادة داخل بنية الدولة نفسها/السلطة نفسها.

من ضمن الضعف: لم يكن في خُلد اي مفكر استراتيجي أن يركن إلى تطمينات عدوه، كان عبد الناصر قد أوفد زكريا محيي الدين إلى واشنطن ليستطلع رايها وليعود قبل يومين من بدء العدوان حاملا تأكيدات العدو الأمريكي أن الكيان الصهيوني لن يبدا الحرب. وإذا كان هذا قد طمأن عبد الحكيم عامر، فكيف طمأن عبد الناصر، أم لأن الجيش كان إقطاعية عامر!

ومع ذلك، فلم يقم عبد الناصر بتنظيف بنية السلطة من محيي الدين وأنور السادات وأمثالهما بل عين السادات نائبا له مع معرفته بانه كان عميلا للنازية. هل كان ذلك تقربا من الغرب في وقت الضعف؟ هل كان عدم قطع مع العدو الإمبريالي؟ غالباً: نعم.

يبدو أن ما كان يشغل عبد الناصر هو رد الروح العسكرية المعنوية للجيش المصري، لذا ابدع في الحقيقة بحرب الاستنزاف وشهيدها عبد المنعم رياض وأعاد بناء الجيش، لكنه لم يُعد بناء السلطة. لذا حيما انتصر الجيش عام 1973 افرغ السادات النصر من محتواه وكان ضحيته الشاذلي وطبعا سوريا!

صار لمصر جيش قادر على قهر الصهيوني لكنه جيش كان يفتقر لثلاثة سيقان قوية:

  • سلطة عروبية مأمونة
  • وحزب ثوري حقيقي يتوسط ويمتِّن ثلاثي: السلطة والجيش والشعب
  • وانتماء النظام للطبقات الشعبية وليس توظيف عشقها لعبد الناصر لصالح الطبقة الوسطى، وهي زّلِقة بالطبيعة والدور.

تجلت كارثة توريث السادات هي تقويض مصر بشكل خياني ووقح معاً. طعن الانتصار العسكري، وصفَّى الناصريين العروبيين، وأخترق الاتحاد الاشتراكي…الخ.

أما سهولة قيام السادات بكل هذا فمردها إلى بنية كان الحزب وقيادة السلطة خواءً. ولذا فإن ما حصل هو تصفية مصر حتى اقتصاديا وصناعياً. وهنا يمكن المقارنة بين:

  • تفكك الاتحاد السوفييتي ولكن بقاء البنية الصناعية مما سهَّل إعادة النهوض
  • والانقلاب على الماوية في الصين الشعبية مما ابقى على معدل النمو عالٍ كما كان واسس له ماو
  • بينما تم في مصر تفكيك كل شيء!

حين تقرأ كيف تردد الناصريون في الخروج على السادات تتذكر الخنوع البيروقراطي لمراتبية البيروقراطية التي حصلت ايضا في الاتحاد السوفييتي ممن مكن جورابتشوف من تفكيك البلد! البيروقراطي لا يثور حتى حين تتوفر الشروط.

الحدث أقوى رغم لمعان الصدفة:

قاد الشهيد معمر القافي ورفاقه ثورة إنهاء العهد الملكي، وتوجه إلى مصر بدافع القناعة بالوحدة العربية، لكن الموت عاجل عبد الناصر مما وضع حماسة القذافي أمام خيانة السادات الذي كان قد بدأ مشروع تصفية مصر فكيف يؤمن بالوحدة.

تقول كواليس الحركة الوطنية المصرية أن محمد حسنين هيكل هو الذي وشى للسادات بمحاولة الإطاحة به. وبغض النظر عن مدى الدقة، ولكن هيكل الذي كان ظلاً وتضليلا لعبد الناصر معاً كان ضد وحدة ليبيا مع مصر. في فيديو له مع قناة الجزيرة كان يهزأ “…بحماسة هذا البدوي للوحدة-أي القذافي”

Manage

https://external.fjrs4-1.fna.fbcdn.net/safe_image.php?d=AQCboyDPab9IyJ2u&w=90&h=90&url=https%3A%2F%2Fi.ytimg.com%2Fvi%2Fkg5Oapo-1Xc%2Fhqdefault.jpg&cfs=1&upscale=1&fallback=news_d_placeholder_publisher&sx=62&sy=0&sw=360&sh=360&_nc_hash=AQC8ZK-SPhoaWVP0

محمد حسنين هيكل – الحلقة السادسة – CBC-10-1-2013

هذا  ناهيك عما كتبه نفس هيكل بان العربي لا يحارب (أنظر ردي عليه في كتابي: دفاعا عن دولة الوحدة      

والسؤال هنا: هل كان رحيل ناصر صدفة هو الذي قطع خطوة تاريخية لإنجاز الوحدة، أم أن السبب الموضوعي هو الحدث الأكبر وهو خلل البنيان السلطوي والحزبي في الدولة الناصرية؟ هذا متروك لكل من يقرأ.

وإذا كان السادات قد اشتغل على إهلاك مصر بيديه فإن مبارك واصل نفس السياسة الأمريكو-صهيونية بل وذهب أبعد لإهلاك والانتقام من الوطن العربي وخاصة الأنظمة قومية الاتجاه، لذا اصر على وجوب تدمير العراق وأغلق اية فرصة تدخل عربي لخروج الجيش العراقي من الكويت بعد أن حررها.

خطورة مشاركة أنظمة عربية في العدوان ضد العراق 1991 كانت في :

إرساء مبدأ خياني خطير هو اشتراك جنود عرب في اذيال الإمبريالية في ضرب قطر عربي أي إسقاط تابو يمنع مشاركة عربية ضد قطر عربي لأن ذلك تقويض للمشترك القومي العربي، لتنفتح بعدها مسارح رقص الشياطين بين، طوائفي، وإثني وجهوي وقبائلي وقرابي ومذهبي وحتى إعلان الخيانة والتطبيع كالتزام.

كانت فترة حكم العسكر القصيرة في مصر بعد الثورة ضد نظام مبارك عامل إجهاض خبيث للثورة الشعبية لكي تُنقل القيادة إلى قوى الدين السياسي بهندسة أمريكية وليتصف حكم بمرسي ب:

  • الفوز بصندوق الانتخابات الديمقراطية ليفرض تفرداً لقوى الدين السياسي في السلطة. فقوى الدين السياسي ترى في نفسها نهاية التاريخ.
  • ومواصلة تخريب مصر للأمة العربية بدعوته الصريحة للتدخل ضد سوريا
  • والتعبير عن وفائه لشمعون بيرس.

واليوم، وبغض النظر إن كان السيسي قد وصل السلطة برغبة الحراك الشعبي الهائل أو بتوظيف ذلك، فإن تخليص مصر من سلطة الدين السياسي قد أوقف مد هذا المشروع المضمخ بالثورة المضادة منذ 1928، بما هو ضد العروبة، وضد التنمية ووطنه السلطة والولاء لمن يدعمه إليها وتحديدا الإمبريالية الأمريكية.

وإذا كانت سنوات السيسي هي تجذير للتبعية للثورة المضادة وكامب ديفيد ومواصلة إهلاك مصر، أو حتى الحديث عن “مصر تعبانة”…الخ، هذا إلى أن وصل الأعداء ابواب مصر ومن مختلف الجهات، من سيناء إلى ليبيا إلى السودان إلى إثيوبيا ناهيك عن الكيان.

يردنا هذا الأمر إلى موقف الأمة العربية من القوميات القديمة المحيطة بها:

  • إثيوبيا التي كانت في فترة الصعود الناصري صديقة لمصر، لكنها اليوم تحولت إلى عدو يهدد بموت مصر عطشا. وفي ترتيبات العدو الأمريكي لصراع توابعه كان لأنظمة خليجية دورها في تمويل سد النهضة الإثيوبي في مساهمة لإهلاك مصر. ولعله من الغرابة بمكان لماذا لا يقوم الطيران المصري بهدم السد لا سيما وأن سلاح طيران إثيوبيا  ضعيفا رغم تزويد الكيان لها بمضادات الطيران.  إن ضرب السد هو مفتاح انبعاث مصر مجددا حتى لو رفضت امريكا وخاصة لأن روسيا والصين ليس من المتوقع ان تعترضا، وسيكون لذلك ضربة كف قوية للنظام الخطير في السودان ومن خلفه من الخليج.
  • إن بوسع مصر الدخول إلى ليبيا وخاصة في ولاية برقة المحاذية لها، بل يجب أن تقوم بذلك. ليس ما نقصده خبرة عسكرية من كاتب السطور ولكن الدخول غير المتسع جدا سوف يصد العدو التركي الذي يسعى ليس لنفط ليبيا فقط بل يسعى لإعادة مشروع قوى الدين السياسي لتخريب مصر. 

إن تحرير ليبيا ولو جزء من ليبيا هو تمكين للنظام الجزائري وقد يقود إلى فدرالية حتى لو غير معلنة بين مصر ليبيا الجزائر، وتقييد/ كلبشة لحركة النهضة (دين سياسي) في تونس.

وقد لا نبالغ إذا قلنا إن قيام مصر بهذا الدور سوف يفتح حالة ثورية عربية، فالحرب  تجمع الشعوب والحرب الشرعية الدفاعية  تجمعنا.

إن قيام مصر بهذه الخطوة سيكون بداية انتهاء الحقبة النفطية وخاصة السعودية في السيطرة على السياسة العربية بما أن السعودية نظام تم تصميمه كعدو للأمة العربية بلا تردد.

وهذا ما أكد عليه عبد الناصر كثيراً.

من مفارقات التاريخ أن يكون هناك جيوبوليتيك لقرى من طراز قطر والإمارات فيضربن ليبيا في ذيل الأطلسي، واليوم تقف قطر مع العدو التركي.

ومع أن مصر لم تقف علانية إلى جانب سوريا، والتزمت العلاقات الخفية، فإن صد العثماني في ليبيا هو مشاركة في تحرير بقية سوريا وفتح مسرح التصدي للكيان الصهيوني. بل وأكثر، فإذا كان الأمريكي بصدد الخروج من الوطن العربي، بعد أن لا يترك الكيان بواد غير ذي زرع، فإن تحرير ليبيا هو المدخل لكي لا يبقى للكيان في وطننا زرعاً.

هل تقوم مصر بذلك ؟ هذا هو السؤال، ولكن هذه هي الضرورة.

إن عودة مصر من باب الحرب التحريرية هي في جوهرها عودة العروبة لتنظيف الوطن من التوجهات الطائفية والقطرية والموجة القومية الثالثة وقوى الدين السيسي بعد أن أوغلت في دمنا منذ حزيران 1967.

هذه اللحظة هي التي تقول لمصر: الآن وإلا فلا.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.