السعودية، أزمة في غياب البديل؟ الطاهر المعز

قبل ثلاث سنوات في الواحد والعشرين من حزيران/يونيو 2017، اكتمل الإنقلاب العائلي، وأصبح محمد بن سلمان ولي العهد، والحاكم الفعلي في جزيرة العرب النفطية، وقبلة ملايين المسلمين، التي أُلْغِي اسمها وأصبحت تسمى على إسم العائلة، وكأنها ملك لآل سعود، بما في ذلك مكة والمدينة والأماكن التاريخية التي اجتهد آل سعود في إزالتها، وإقامة مباني “حديثة” مكانها، وإزالة كافة الأحياء الشعبية والتاريخية والمَعالم الأثرية في مكة، لتوسيع الحرم، وإقامة فنادق فاخرة، بدل الفنادق والمساكن الشعبية، أي لأغراض تجارية بحتة، لا علاقة لها بالدّين ولا بمناسك الحج (وهو موسم تجارة ونَصْب واحتيال).

أعلن محمد بن سَلْمان، في صَخَبٍ إعلامي، برنامجه “رؤية 2030” الذي أعدته شركة “ماكنزي” الأمريكية للإستشارات، بالتوازي مع تكثيف العدوان (مع حُكام الإمارات) على شعب اليمن، ومع تعزيز الصداقة مع الزعماء الصهاينة.

في الأثناء، ارتفع إنتاج الولايات المتحدة من النفط الصّخري، وعادت أمريكا إلى تصدير النفط والغاز (كان التصدير مَحْظورًا منذ 1974 )، وأغرقت الولايات المتحدة، وآل سعود الأسواق بالنفط، فانهارت الأسعار، وانهارت معها إيرادات آل سعود التي يُشكل النفط قرابة 70% منها، فانخفض حجم الثروة السيادية وحجم الإحتياطي، وانخفض حجم “صندوق الإستثمارات العامة” من قرابة سبعمائة مليار دولارا كانت متوقعة سنة 2020، إلى أقل من أربعمائة مليار دولار، واضطر آل سعود لإعلان طرح حوالي 5% من أسْهُم شركة النفط (أرامكو) للبيع، وتعثر الطرح، فلم يتجاوز 1,5%، في السوق المحلية، بقيمة حوالي 25 مليار دولارا، بعد انخفاض أسعار النفط، كما انخفضت قيمة مجموعة “سابك” للبتروكيماويات، بنحو 40%، فاندمجت مع “أرامكو”، لتخفيف الأضْرار، وبدأت بوادر فشل خطة “رؤية 2030” ظاهرة للجميع، وارتفعت نسبة البطالة، وارتفع عجز الموازنة، وارتفعت معه أسعار المحروقات والعديد من السِّلع، كما ارتفعت ضريبة القيمة المُضافة ثلاثة أضعاف ( من 5% إلى 15% )، وخفّضت الدّولة قيمة الرواتب والمِنَح، ضمن الإجراءات التقشفية، التي بدأت منذ سنة 2018، والتي قد تهدد السلم الإجتماعي، وتَضَمّنَتْ إجراءات التقشف أيضًا، خَفْض اعتمادات خطة “رؤية 2030” بأكثر من 26,5 مليار دولار، واضطرت الدولة لسحب ما لا يقل عن 51 مليار دولار، من الأُصُول الإحتياطية والسّندات، خلال الربع الأول من سنة 2020، لتمويل الإنفاق على توريد السلع الأساسية، وعلى الإحتياجات الأساسية للمواطنين، وقد يُهدّدُ الرّكود الإقتصادي، والوضع المُتأزِّم، ذلك الوفاق الضّمني (غير المكتوب) بين المواطنين الذين تتوجب عليهم الطّاعة، وأُسرة آل سعود الحاكمة، التي وجب أن تُوفِّرَ الرّفاهية، عبر توزيع بعض الفُتات من إيرادات النفط، والسّياحة الدّينيّة، وعبر الإستغلال الفاحش للعاملات والعاملين الأجانب الذين تمت التضحية بهم وترحيل عشرات الآلاف منهم، عند ركود الغقتصاد، حتى قبل ظهور أزمة “كوفيد 19″…

وَصَف وزير المالية لدى أسرة آل سعود الأزمة الحالية بأنها “أخْطَرُ أزمة اقتصادية ومالية تواجهها المملكة منذ عقود”، وتجذّرت هذه الأزمة بفعل فشل الجيش السعودي والإماراتي ومرتزقتهما في إلحاق الهزيمة بالمقاومة في اليمن، وبفعل الإبتزاز الأمريكي المُتواصل، رغم مئات المليارات من الدّولارات التي اقتطعها آل سعود من ميزانية الدولة، لتسديدها إلى الولايات المتحدة، مقابل حماية عَرْشِهم، لكن الرئيس الأمريكي يطلب المزيد، في ظل انخفاض أسعار النفط وانخفاض إيرادات السياحة الدّينية (الحج والعمرة) بفعل انتشار وباء “كوفيد 19″، ما اضطر محمد بن سَلْمان إلى تعليق خطة “رؤية 2030” وتأجيل إنشاء “مدينة المُستقبل” (نيوم )، على الأراضي المصرية والأردنية المُحاذية للجزيرة العربية، بقيمة خمسمائة مليار دولار…  

يُشكّل نظام آل سعود رأس حِرْبَة الإمبريالية ضد الشعب الفلسطيني، والشعوب المجاورة، من سوريا إلى اليمن، وتسارعت خُطى التّطبيع العلني ( السعودي والخليجي ) مع الكيان الصهيوني، بالتوازي مع الهجمات المتواصلة للإمبريالية الأمريكية ضد حقوق اللاجئين الفلسطينيين ومُحاصرة الشعب السوري، وابتزاز موارد العراق، وتهديد وخَنْق اقتصاد لبنان والأردن والعراق، عبر فَرْضِ إغلاق الحدود البَرِّيّة مع سوريا، وغيرها من مظاهر “البَلْطَجَة” الإمبريالية بزعامة الولايات المتحدة، وبتمويل من السعودية والأُسَر الحاكمة في الخليج…

تَمَيّزت المرحلة الحالية بضُعْف القُوى التّقدّمية، ما شجّع آل سعود وأمثالهم من الحُكّام العرب، على تكثيف العدوان على الشعوب العربية، وعلى الشعب الفلسطيني بشكل خاص، وعلى الإصطفاف مع الأعداء جَهْرًا، فلم يعد التحالف مع الأعداء خيانة، بل أصبح “وجهة نظر”، وأصبحت القوى المُعادِية (وبعضُها كان يَدّعِي التّقدُّمِيّة) تُجاهر بالتعاون مع المُحْتَلِّين،  في فلسطين والعراق وفي سوريا وليبيا، وغيرها، بذريعة النضال ضد الدّكتاتورية، بل أصبح بعضها يستدعي الإمبريالية لاحتلال الوطن…

ما جَدْوى الحوار الديمقراطي (أي “بالتي هي أحسن” ) مع مثل هذه القُوى التي درّبتها وسلّحتها وموّلتها الإمبريالية، وأذنابها، لزيادة تفتيت ما قَسّمَتْه اتفاقية “سايكس بيكو”، وتقسيم الشعوب إلى طوائف ومذاهب؟     

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.