تماثيل المجرمين والذاكرة التاريخية، جوزيف مسعد

قام متظاهرون، في الأيام القليلة الماضية، بتشويه تماثيل جورج واشنطن، مؤسس الولايات المتحدة، عقابا على جرائمه العديدة، ودب الرعب في قلوب العنصريين الأمريكيين البيض، الليبراليين منهم والمحافظين.

وقد كان جورج واشنطن عنصريا يمتلك العبيد، كما كان مجرما تلطخت يديه بدماء سكان أمريكا الأصليين من الهنود، ولم يكن يرى غضاضة بحرق قراهم ومحاصيلهم دون رحمة. وقد كان “هاجسه” طوال حياته سرقة أراضيهم واستملاكها لنفسه، أو ضمها لأراضي جمهوريته الاستعمارية الاستيطانية. وقد كان يرأس دولة حرمت المرأة من حق الاقتراع، وقصرت حق التصويت على المستوطنين الاستعماريين البيض من أصحاب الأملاك.

ومع أن معظم الأمريكيين مطلعون على الكثير من تاريخ الرجل، إلا أنهم لم يمتنعوا يوما عن الاحتفاء به وتمجيد سيرته وسيرة بقية آباء جمهوريتهم المؤسسين الذين كانوا أيضا من ملّاك العبيد وقتلة الهنود. وفي الواقع، فإن معظم الأمريكيين لا يخفون اعتزازهم بتسميتهم لولاية بأكملها، كانت قد استولت عليها قواتهم من الأمريكيين الأصليين من الهنود، على اسمه، وكذلك بإطلاق اسم واشنطن على عاصمتهم. وقد سميت عاصمتهم بهذا الاسم في عام 1791، بعد أن كان لواشنطن شرف وامتياز اختيار المنطقة التي ستؤسس فيها العاصمة. وافتتحت واشنطن كعاصمة للجمهورية فور الفراغ من بنائها في عام 1800، بعد بضعة أشهر من وفاة جورج واشنطن.

على النقيض من ذلك، كانت إعادة تسمية مدينة لينينغراد في عام 1991 بـ”سانت بطرسبرغ” موضع ترحيب وابتهاج النخبة السياسية والفكرية والصحفية الأمريكية، التي لطالما كانت في معظمها وما زالت حتى يومنا هذا من أنصار الحرب الباردة. وخلافا لتسمية واشنطن العاصمة، فإن تسمية مدينة لينينغراد لم تكن بأمر من فلاديمير لينين، مؤسس الاتحاد السوفييتي، بل قام خلفاؤه بتسميتها بعد وفاته في عام 1924.

ويجدر التنويه هنا بأن لينين، بخلاف واشنطن، لم يرتكب إبادة جماعية ولم يكن يملك عبيدا، ولم يحرم النساء من حق التصويت.

أما بالنسبة لـ”سانت بطرسبرغ”، فقد سميّت عند تأسيسها في القرن الثامن عشر من قبل القيصر بطرس الأكبر الذي سماها على اسمه واسم القديس الفلسطيني. وقد كان القيصر الروسي داعية حرب يحكم إمبراطورية إقطاعية بنيت على غزو الأراضي الأجنبية، وله سجل من الفظائع يوازي سجل جورج واشنطن.

يعرف معظم المواطنين الأمريكيين العديد من الفظائع التي ارتكبتها حكومة الولايات المتحدة ضد سكانها، حتى وإن ظلوا يجهلون معظم التفاصيل المروعة لهذه الجرائم. كما يعرفون أن بلادهم تأسست على سرقة أراضي الأمريكيين الأصليين من الهنود، والإبادة الجماعية التي ارتكبت بحقهم، وكيف أنهم حرموا من الجنسية الأمريكية وحق التصويت حتى عام 1924 وبأنهم لم يستطيعوا ممارسة هذا الحق في الواقع إلا بعد عام 1948. كما يعرف معظم الأمريكيين أيضا أن القرن الأول من عمر الجمهورية الأمريكية كان قرنا من العبودية، ومعظمهم يعرفون أن القرن الثاني من عمرها كان قرنا من الفصل العنصري القانوني والتمييز ضد الأمريكيين السود. كما يعرفون أيضا أنه في القرن الأول ونصف الثاني من عمر جمهوريتهم، حُرمت النساء من حق الاقتراع، وأنه في نصف القرن الأول من عمرها حُرم حتى الرجال البيض الذين لم تكن لديهم ممتلكات من حق التصويت.

ولكن، وعلى الرغم من كل هذه المعرفة التاريخية، التي لا تنكَر معالمها الرئيسة في التاريخ الأمريكي الرسمي، فإن معظم الأمريكيين، بما في ذلك حكومة الولايات المتحدة، ووسائل الإعلام الرئيسة، والمدارس والجامعات الأمريكية العامة والخاصة، يؤكدون دون أدنى تشكك على أن بلادهم كانت “ديمقراطية” منذ عام 1776، وهم يقصدون بذلك أنها كانت ديمقراطية للرجال البيض من أصحاب الأملاك. وعندما تواجه هؤلاء الأمريكيين بحقيقة أن إقرارهم بهذه الحقائق التاريخية إلى جانب ادعاءاتهم بأن بلادهم كانت دائما “ديمقراطية” يفضح تحيزهم للعرقية الذكورية البيضاء، غالبا ما يُفاجأون، كما لو لم يسبق لهم أبدا أن فكروا في مدى التنافر وعدم التناسب فيما بين هذه الادعاءات المتناقضة.

ما يشير إليه هذا التحيز هو أن القومية الأمريكية البيضاء والتفوق العرقي الأبيض مهيمنان على الثقافة البيضاء السائدة في الولايات المتحدة، لدرجة أنها تجعل حتى معظم الأكاديميين الأمريكيين يغفلون عن طبيعة بلدهم الحقيقية. أتذكر خلال السنة الأولى من دراستي في برنامج الدكتوراة في جامعة كولومبيا أني طرحت سؤالا عن هذا التناقض على واحدة من أساتذتي البيض الليبراليين، في إحدى المحاضرات التي أصرت خلالها بطريقة تبجيلية على أن الولايات المتحدة كانت ديمقراطية منذ عام 1776، وأنها كانت الديمقراطية الوحيدة في العالم آنذاك. كانت إجابتها القوموية الصارمة والفخورة على سؤالي هي: “هل يمكنك أن تزودنا ببلد آخر كان أكثر ديمقراطية خلال هذه الفترة؟”. وحيث أن جوابها لم يمكنه تخيل سخف مفهوم الديمقراطية العرقية البيضاء الذكورية، على أنه مفهوم يدل على “الحرية”، عند أغلبية شعوب العالم، ناهيك عن غالبية سكان الولايات المتحدة، لهو دليل آخر على هذه القناعات القومجية.

وعليه، ينبغي النظر إلى الانتفاضة الحالية في الولايات المتحدة في هذا السياق من الالتزام بالتاريخ الرسمي لتفوق العرق الأبيض، لا سيما من حيث صلتها بإصرار المنتفضين على إزالة أو تدمير العديد من التماثيل في البلاد التي تمجد العبودية وسيادة العرق الأبيض.

فلنأخذ المثال الأكثر تطرفا للغزو والإبادة الجماعية، ألا وهو كريستوفر كولومبوس، فلا يزال اسمه مقدسا عبر الولايات المتحدة (حتى الجامعة التي أعمل فيها، فقد تمت إعادة تسميتها في عام ١٧٨٤ بجامعة “كولومبيا” تيمنا به وكشكل من أشكال الانتساب له، بعد أن كان اسمها “كنغز كولدج” أو “كلية الملك”، وإن كان من حسن حظنا بأن جامعة كولومبيا لا تحتفل بالعطلة الفيدرالية القومية “عيد كولومبوس” التي أنشأها الرئيس فرانكلين روزفلت في عام 1934).

وفي حين احتفل الأمريكيون البيض بكولومبوس في وقت مبكر، قام الأمريكيون من أصل إيطالي في نهاية القرن التاسع عشر بتبني كولومبوس، وكان معظمهم من المهاجرين من صقلية وجنوب إيطاليا، وقد عانوا الأمَرين من التمييز العنصري في الولايات المتحدة بسبب بشرتهم الداكنة، لدرجة أنه تم إعدام بعضهم في عام 1891 في مدينة نيو أورليانز من قبل العنصريين البيض. وعبر تبنيهم لكولومبس، حصل الأمريكيون الإيطاليون اليمينيون على تذكرتهم لدخول نادي البيض والتفوق العرقي الأبيض، حيث بدوا من خلال تبنيهم لكولومبس وكأنهم قد شاركوا أيضا بغزو الأمريكتين وبالإبادة الجماعية لشعوبهما الأصلية.

وكذلك هو الأمر مع الأمريكيين الإسبان البيض العنصريين في ولاية نيو مكسيكو، والذين شعروا بالفزع في الأسبوع الماضي من قيام السكان الهنود الأصليين والسكان التشيكانو (والأخيرون هم ثمرة التزاوج بين الإسبان والهنود الأصليين) وحلفائهم بإزالة تمثال الغازي الإسباني ومجرم الإبادة الجماعية، خوان دي أونياتي، من وسط مدينة ألبوكيركي. وما زلت أتذكر رعبي عندما كنت تلميذا مراهقا أحضّر للبكالوريوس في جامعة نيو مكسيكو، كيف أن في جامعتي مبنى يحمل اسم أونياتي تكريما له، رغم أنه قام بمذابح راح ضحيتها مئات من الهنود من قبيلة أكوما. ولم يزل هذا المبنى قائما حتى اليوم، حاملا اسم هذا المجرم دون حرج.

أما بالنسبة لتماثيل الجنرالات الكونفدراليين من الجنوب الأمريكي، بما في ذلك تماثيل العنصري حامي العبودية الجنرال روبرت إي. لي، الذي نُصب أحد تماثيله في مدينة ريتشموند في ولاية فرجينيا في أواخر عام 1924، فقد خاض هؤلاء الجنرالات حربا انفصالية ضد الولايات المتحدة من أجل الحفاظ على العبودية في ما يعرف بالحرب الأهلية الأمريكية.

إن الاحتفاء المستمر بهؤلاء على شكل إقامة تماثيل لهم في شمال وجنوب الولايات المتحدة هو شهادة على استمرار هيمنة نسخة تفوق العرق الأبيض من تاريخ الولايات المتحدة. ولم يتم نصب غالبية هذه التماثيل قبل الحرب الأهلية أو أثناءها (انتهت الحرب عام ١٨٦٥)، بل بعد عقود من انتهائها، أي بعد عام 1900، وذلك من أجل دعم نظام الفصل العنصري الذي يدعى جيم كرو والذي حلّ محل العبودية بعد إلغاء الأخيرة، وخلال فترة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين لتأكيد التفوق العرقي الأبيض ضد منح الحقوق المدنية للأمريكيين السود الجاري آنذاك.

وفي خارج الولايات المتحدة، نجد أن معظم البلدان الأوروبية أيضا تفتخر بتاريخها الاستعماري. ففي فرنسا مثلا، حيث يعترض المتظاهرون على الاستمرار في تمجيد تاريخ الإبادة الجماعية والعنصرية الاستعمارية في البلاد، رد عليهم الرئيس الفرنسي المحافظ إيمانويل ماكرون على الفور بالتأكيد على أن “الجمهورية [الفرنسية] لن تمحو أي أثر أو أي اسم من تاريخها.. فلن يسقط أي تمثال” لمجرمي الحرب الاستعماريين، لأن القيام بذلك، على حد زعمه، سيكون بمثابة “إنكار هويتنا”.

ومع ذلك، لم يكن لدى الفرنسيين مشكلة منذ الحرب العالمية الثانية في محو اسم المارشال فيليب بيتان، على الرغم من أن بيتان كان بطل معركة فردان خلال الحرب العالمية الأولى. لكن تعاون بيتان مع النازيين خلال الحرب العالمية الثانية وقيادته لفرنسا فيشي جعل من بيتان خائنا. وفي واقع الأمر، استمرت الجهود لمحو اسمه على ما تبقى من الشوارع التي سميت باسمه في فرنسا حتى عام 2011، على الرغم من أن الرئيس ماكرون أراد تكريم هذا الخائن لفرنسا قبل عامين لو لم تردعه الاحتجاجات اليهودية عن عزمه. للمفارقة، لا تزال النصب التي تمجد بيتان قائمة في مدينة نيويورك.

لماذا يستحق بيتان عدم التكريم وعدم الاحتفاء، بينما يستمر التمجيد بمجرم الحرب المارشال هوبير ليوتي أو الجنرال هنري غورو أو فيليب لوكلير أو جان إتيان فالوي، والعديد من المسؤولين الاستعماريين الآخرين الذين ارتكبوا جرائم لا توصف في البحر الكاريبي وأفريقيا والعالم العربي والهند الصينية؟ يبدو أن مجرمي الحرب هؤلاء مقبولون لدى ماكرون لأنه محق في التأكيد على أن غالبية المواطنين الفرنسيين البيض، بخلاف المواطنين الفرنسيين غير البيض، يواصلون تمجيد تاريخهم الاستعماري والإبادة الجماعية والتماهي معها، في حين تعلم معظمهم التنصل من بيتان لأن ضحاياه كانوا من البيض. ويمكننا القول بأن طرح بيتان ككبش فداء يساهم في طي سيرة أعداد غفيرة من الفرنسيين البيض الآخرين الذين تعاونوا مع النازيين وخانوا وطنهم.

وشأنه شأن ماكرون، أكد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون في معرض ردّه على التظاهرات الضخمة التي استهدفت التاريخ الاستعماري العنصري والإبادة الجماعية في بلاده والتمجيد المستمر للمسؤولين الاستعماريين، أن إزالة تماثيلهم هو بمثابة “كذب على تاريخنا”، بينما ما يطالب به المحتجون هو تصحيح التاريخ الزائف الذي تستمر بريطانيا في التمسك به، حيث تمجد الإبادة الجماعية والمجرمين العنصريين كأبطال قوميين، بما في ذلك ونستون تشرشل، الذي أذن باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد العراقيين المناهضين للاستعمار في عام 1920، وضد الثوار الروس من قبلهم في عام 1919، وكان مسؤولا عن المجاعة في البنغال في الهند عام 1943 والتي راح ضحيتها الملايين. كان تشرشل أيضا قد دعا إلى استخدام الغاز السام ضد الهنود المناوئين للاستعمار، والذين نعتهم بـ”البرابرة”، لكن جن جنونه عندما رفض مسؤولو وزارة استعمار الهند ذلك، ووصفهم بـ”الجبناء” لرفضهم اتباع توجيهاته.

لماذا إذا يجب على المواطنين غير البيض من البريطانيين، أو الفرنسيين، أو الأمريكيين، ناهيك عن المواطنين البيض المناهضين للاستعمار والمناهضين للعنصرية، الانصياع لما يريده مواطنوهم العنصريون البيض (والمتعاونون البُنّيون والسود مع المؤسسة البريطانية والفرنسية والأمريكية) من تمجيد لهؤلاء المجرمين في تاريخ بلادهم؟ فتماثيل هؤلاء المجرمين هي جزء من القومجيات الأمريكية والبريطانية والفرنسية السامة التي أسست على عبادة هؤلاء القتلة، والتي لا تزال ملتزمة ومفتخرة بسيادة العرق الأبيض وبتاريخ العبودية والغزو الاستعماري.

إن إزالة وتدمير هذه التماثيل ليس أكثر من تصحيح جزئي للذاكرة التاريخية الزائفة والممأسسة التي تنشرها هذه الأصنام، وبمثابة خطوة صغيرة إلى الأمام نحو إعادة تعريف محتمل لما يجب أن تعنيه الهوية الأمريكية والفرنسية والبريطانية.

:::::

“عربي 21”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.