“كنعان” تتابع نشر كتاب “فلسفة المواجهة وراء القضبان”، تأليف: محمود فنون، الحلقة (14)

10- أسلوب الشراء وعقد الصفقات:

بعد أن تفرض أجواء التحقيق وتمارس عدة تصرفات وأساليب، وبعد أن يظهر المحقق نفسه منتصراً وعارفاً وقادراً…، وبعد عدة محاصرات ، وبعد ان يكــون المناضل قد جابه كافة الأساليب بصبره وصموده وأفشل المحقق في الواقع، يظل امام المحقق باباً يطرقه اذا أتيحت الفرصة وهو باب الصفقات والشراء. فالمحقق لم ‏يستطع الحصول على شىء، ويفتش عن حلقة يعتبرها هامة ويريد كسرها فيصور للمعتقل بأن وضعه السيء في التحقيق باق الى ما لا نهاية، وان اعتقاله سيكون طويلاً، ولا حل أمامه الا بالتعاون مع المحقق وخدمة المخابرات في التحقيق مقابل الافراج عنه شريطة أن يدلي بكل ما لديــه ويشـي بجميع الرفاق… يبيع ويقبض الثمن وبالتالي يتحول من مناضل جريء الى عميل وضيع وخسيس.

ان عرض المحقق بهذه الصورة له عدة مغازي:

1. المحقق بهذا الأسلوب يهاجم وطنية وثورية وانتماء المعتقل سواء نجح أم فشل.

2. المحقق في الحقيقة يعبر عن فشله في الحصول على المعلومات والاعترافات بالطرق الأخرى وهذا نوع من الشهادة.. شهادة العدو يقدمها طائعاً مختاراً على صلابة وصمود المعتقل.

3. المحقق يهدف إلى اسقاط حلقة ثورية مرة وإلى الأبد اذا حقق هذه الصفقة فهو لن يضمن الحصول على المعلومات فحسب، بل ضمن سقوط مناضل ثوري من ساحة النضال وقد يستمر السقوط والتعاون بعد التحقيق.

4. المحقق يريد شراء أحد المناضلين ليكون أداة بيده لارغام المناضلين الآخرين على الاعتراف و المساس بصمودهم وعلى الأقل اظهاره أمام زملائه كنموذج متساقط.

5. المحقق يهدف إلى غاية عامة مفادها التشكيك، تشكيك المعتقلين خاصة والمناضلين عامة ببعضهم البعض واحداث تفسخات فيما بينهم أثناء وجودهم في المعتقل وبعد الاعتقال.

6. في غالب الأحيان تكون هذه الصفقة صورية من جانب المحقق الذي يريد الحصول على المعلومات عن طريق الخداع الى أن يضمن الحصول عليها وكتابتها والتوقيع عليها.

وهكذا فإن هذا الأسلوب من وجهة نظر المحقق يمكن أن يحقق غايات فيما لو تمكن من الذهاب بعيداً.وسواء أوفى بوعوده أو لم يوف كما يحصل عادة فإن المعتقل يكون قد وضع في حالة من الصراع والتفسخ ليست قليلة اذا ما دغدغت عروض المحقق عواطفه الفردية وذاتيته الراغبة في الخلاص بأي ثمن.

ان احداث الآثار النفسية الناشئة عن العرض هو غاية بحد ذاتها فإن أمكن ذهب المحقق خطوات أخرى، وإلا فإنه سيستمر في المؤثرات النفسية والجسدية بهذا الأسلوب أوغيره أو بعدة أساليب معاً.

المحقق يصور المسألة بشكلها المتكامل أمام المناضل: (تعاون معي… سأكتم كل شيء.. ولن أخبر أحداً بشيء.. ستخرج… نعطيك فلوس وكل أساليب الراحة وتصبح صديقاً لدولتنا.. ونعطيك مسدس اذا أردت.. تعاون معي.. وسنكتم كل شيء وبالتالي يمكنك أن تخرج من السجن بطلاً، وتقول لأصدقائك ومسؤوليك أنك صمدت في التعذيب ، وتلقيت ضرباً وارهاباً فظيعاً ولكنك تحملته ولم تقل للمخابرات شيئاً… ونحن لن نعتقل أحداً… فسيصدقونك وتصبح مسؤولاَ كبيراً معهم ومعنا ،ونحن ندبر أمر اعتقال أو مراقبة الآخرين ومن أجل خاطرك لن نعتقل  أحداً إلا اذا طلبت منا ذلك…) وبهذه الأطروحات وغيرها يهدف المحقق إلى تركيز ذهنية المعتقل في مسألة محددة ومشينة بغية التفكير في قبول العرض أو رفضه وهنا تنصب ضغوطات ومغريات المحقق إلى أبعد الحدود.

لقد سقط بعض من كانوا نسوراً في مناخ كهذا وابتذلوا أنفسهم غاية الابتذال ، وبعد الاعتراف ينصحه المحقق بالبقاء في السجن قليلاً لحين المحكمة والافراج عنه بطريقة شرعية بدلاً من طرق تثير الشبهة، أو قد لا يحتاج المحقق لمزيد من الخدع، بل يصفع المعتقل على قفاه ويتركه في الأغلال إلى ما شاء الله.

صحيح أن موقف المحقق يختلــف ازاء المعتقلين  المختلفين فقد تستمر اللعبة بعد انزال المعتقل الى السجن حيث تقيم أجهزة الأمن معه اتصالات وتستمر في امتصاصه وتطالبه بالوشاية على زملائه في السجن، واعطاء تقارير عن نشاطاتهم وطرق تفكيرهم، وأي معلومات عن انتمائهم  ونشـاطاتهم السابقة او الحالية، وتتذرع اجهزة الأمن بأنها بهذا أنما تمتحن صدق واخلاص المنكود.

وليس مستبعداً أن تقوم أجهزة الأمن بحرقه على أنه هو الذي وشى بالجميع متبرعاً.. أن كل شيء محتمل عدا الافراج عن تلك الحالة التي لم تتكرر الا نادراً جداً وبشكل مذل للغاية حينما تكون التهمة بسيطة وعيارها غير ثقيل.

اما الحالات الغالبة التي تتم فيها صفقات من هــذا النوع فهي في العادة تكون ذات أهداف جزئية واسعار محددة سلفاً وغير قابلة للوفاء (اعترف بما عندك.. نتفق سوية على مقدار الاعتقال وليكن سنة واحدة أو ستة أشهر ومهما حكمتك المحكمة سنفرج عنك بعد قضاء المدة… ونحن على استعداد لكتابة اتفاقية خطية بيننا وبينك ويوقع عليها الضابط المسؤول…) بفرض أن أحد الاغرار وقع في الشرك، فإنه يتقيأ بما لديه ثم يلقى به في السجن (كالليمونة المعصورة) كما يقولون.

ان الجهل وحده والجبن والتخاذل هو الذي يمّكن ضابط التحقيق من جني شيء من هذا الأسلوب. ان غالبية المعتقلين لا يعطون المحقق فرصة اتباع هذا الأسلوب ويظهرون مقتهم وغضبهم على المحقق الذي تسول له نفسه مساومتهم موجهين له بذلك صفعة أخرى في سياق الصراع بينه وبينهم.

 ان هذا الأسلوب في نظر المناضل الثوري هو مس مباشر بالكرامة الوطنية والانتماء الوطني حيث يرد عليه المناضلون غالباً بتوجيه اهانات مماثلة للمحقق ولجمه عن الاستمرار في قيئه القذر، وبهذا يسقط أسلوب المحقق ويعلن افلاسه بطريقة من الطرق.

أما اذا فكر المعتقل بخداع المحقق والتظاهر بأنه قبل الصفقة، ويعطى شيئأ ما فان هذا المعتقل انما يعطي المحقق آمالاً كبرى بالنجاح والاستمرار في ‎التحقيق حتـى يمتص ما لا يستطيع امتصاصه. فتصرف المحقق بالأساس هو خدعة فيجب تفويتها وليس التساوق معها وصفع المحقق بمزيد من مواقف الصمود والصلابة.

 فخداع المخابرات غير مجدي هنا بل ان نتائجه القاسية محتومة، لأن المخابرات لديها وسائلها الكثيرة للابتزاز. كما ان الدخول في لعبة من هذا النوع في غاية الخطورة وتثير الشكوك من رفاق النضال. فهي ورطة كبيرة تبدأ ولا تنتهي كما أنها استخذاء للعدو واعتراف بقوته والخضوع لها.

أن دخول المحقق في نفسية المعتقـل عن طريـق الصفقات التجارية ومحاولة شرائه انما هو تعبير عن درجة التفاعل القائمة بين الطرفين في مرحلة من المراحل الذي يعكس في كل لحظة وزن كل طرف ازاء الآخر وتقييمه لدوره ولتفاعلاته ، ولشخصيته. أي يعكس صورة الواحد منهم في نظر الآخر ومجموع جوانب الوحدة الجدلية لكل منهم في مواجهة الآخر.

 هذا الفهم هو الذي شكل نقطة انطلاق المحقق في طرح ما يجول بخاطره وكما قلنا في البداية فإن المحقق يرمي بهذا الصنارة بهدف الاصطياد. وهذا هدفه عندما يمارس أية أسلوب من الأساليب الأخرى مع فارق أنه يريد أن يمزق هذه المرة ليس من داخل المجموعة المعتقلة أو المجموعة المناضلة فحسب وانما من داخل المناضل نفسه ليكون هو بنفسه المخروق والخارق لغيره في نفس الوقت أي ليكون عميلاً في صف العدو يستند على وضعه النضالي السابق وهذا أخطر ما في الأمر.

ان المحقق يريد أن يخرقه ليحوله إلى ملاءة قذرة ليلقي بنفسه وقذاراته على رفاقه، يشي بهم، ويشهد عليهم، ويساعد المحقق بصورة مباشرة في مهامه ازائهم وبعد أن يقوم بمهمته يلقي به المحقق في كيس النفاية كأي خرقة انتهى من استعمالها ولم تعد تصلح.

وحينما ينزل الى السجن يتذرع بأنه لم يستطع الصمود وأنه ليس عميلاً بل (فقط) منهار.. (مسكين) وما الفرق بين عميل جندته السلطات خارج السجن وآخر جندته أثناء التحقيق. الفرق هنا في الخطورة فالمناضل الذي تجنده السلطات تحت هذا الاسم أو ذاك في أقبية التحقيق هو أشد خطراً وخسة ونذالة من الآخر لأنه (ينبش من داخل القلعة) ولا يمكن أن يريح ضميره المنحط بكلمات المسكنة ولا بد أن ينكشف أمره.

ان وزن المنهار بهذه الصورة هو وزن العميل تماماً ولا يستحق أن يعامل الا هذه المعاملة.

ان أسلوب الشراء لا يقتصر على اجبار المعتقل على اعطاء المعلومات في التحقيق، بل قد يستدعي المحقق المعتقل ويبلغه أن لدى المخابرات كافة المعلومات التي تدفعها للتحقيق معه وايداعه السجن وهي كذا وكذا وكذا.. على شكل مفاجأة ثم يطرح عليه الصفقة على أن يوافق ويذهب الى البيت ليصبح أداة ثابتة في أيديهم وطبعاً خلال ذلك يدلي بكل المعلومات وما هو أفظع ! وبعدها يطلب الى التحقيق وبكل بساطة يوقع الافادة وما يستتبعها.

قد يفكر البعض أن بامكانه خداع رجال التحقيق، فما أن يطرحوا بضـاعتهم حتى يوافق عليهـا، ولكن المحققين لا يلعبون معه ، وهم سيستكملوا التحقيق بكل السبل وصولاً إلى تركيع كامل، بما يتبعه من عماله داخل وخارج المعتقل ولقاءات وتبادل أسرار ومواعيد وشارة (x) بجوار البيت تأكيداً على موعد مع المخابرات في أوكارها ومكاتبها…

ان الثورة،  أو أي حزب ثوري يرفض أن يدخـل أحد أعضائه في أي صفقة من هـذا النوع مهمـا كانت الأهداف والنوايا في البداية وان الموقف الثوري الصحيح هو مجابهة اشكال التعذيب والتحقيق وليس تحويــل المناضل الى جبان وخرقة قذرة يتعاطى مع العدو كما لـو كان صديق ويفشي له أسرار الثورة ويجالسه ويتشـــاور معه في ترتيبات الايقاع بزملاء النضال!

11- الحرق السياسي والتشهير

يعتز المناضل بانتمائه وشرفه الوطني بين رفاقـه وأبناء شعبه ووطنه ، وهو من خلال انتمائه الوطني هذا يجسد نضاله ويدفع التضحية تلو الأخرى تلبية للواجب، وقد يسلخ المناضل سنوات وسنوات من عمره في معمعان النضال،  وليس أعز على نفسه في نفسه من أن يعترف  به رفاقه الذي يناضل معهم، وأبناء شعبه المكافح على أنه في الخط الوطني، ومناضل من أجل الحرية… هذا الاعتراف الذي يمكّنه من التفاعل في الوسط الجماهيري وممارسة التأثير والتحريض ومستعد لتحمل كل أشكال التعذيب وكل عسف التحقيق بصلابة وشرف. ان المناضلين من هذا النوع يسجلون في أقبية التحقيق أسمى آيات البطولة والصمود، ويفقئون عيون محققيهم.

غير ان المحقق الجلاد الذي يشتعل قلبه غيظاً أمام هذا الطود الشامخ والذي لم يستطع النيل منه لا يرمي سلاحه ببساطة، فقد يكون المعتقل هذا في نظر المحقق ورجال الأمن على جانب كبير من الأهمية، أو قد تكون لديهم خطة تخريب معينة يصلح هو ليكون بطلها معتقدين أن ألاعيبهم يمكن أن تمر مع أي مناضل. ورجال المخابرات الفاشيين يستعملون أسلوب الحرق والتشهير بسمعة المناضل الوطني أو لأفراد مختارين من بين ثلاثة أنواع:

1-   شخصيات ذوي سمعة وطنية ونضالية عالية: حيث يقوم رجال الأمن ببث الاشاعات عنهم بأنهم اجتمعوا معهم وتداولوا معهم في أمور سياسية واجتماعية وغير ذلك مما يوحي بأنهم متفاهمين مع السلطة ويتظاهرون بعدائها أمام الناس فقط.

2-   معتقلين وطنيين لم يدلوا بمعلومات أثناء التحقيق معهم: والأمر هنا أكثر أهمية لأن الوضع الاعتقالي المنغلق أثناء التحقيق والذي لا يمكّن المعتقلين من التفاهم فيما بينهم وتبادل المعلومات أو نقلها للخارج، ولأن المعتقل في هذه الحالة يصوغ أحكامه من خلال مشاهداته ومسامعه واستناداً لملاحظات بسيطة يبني عليها ما يشاء وفقاً لقدراته الذهنية. فإذا ما كان بعض هذه الملاحظات أو المظاهر التي يشاهدها مدسوسة ومتعمدة فقد يبني عليها تصورات خاطئة تسيء لصموده ولصورة رفاقه المناضلين المعتقلين معه.

 وكما ذكرنا في مكان سابق فإن عملية الحرق والتشويه ممكنة من خلال القليل من المظاهر كأن يوضع المناضل المراد حرقه في موضع يثير الشبهة لبضع مرات دون أن تبدو عليه ملامح المعاناة، ومثال على ذلك يمكن أن تجلس مجموعة من الضباط العسكريين الذين ليس لهم صلة مباشرة بالتحقيق على طاولة مريحة ومعهم أحد المعتقلين الذي يتم استدعائه لأي سبب فيراه هؤلاء الضباط العسكريين ويتكلمون معه بهدوء في مسائل تهمهم ثم يفسح المجال لزملاء آخرين من المناضلين بصورة متعمدة لمشاهدته في هذا الوضع مع الايحاء لهم بأنه يتعاون مع السلطات وأنه في جلسته هذه وجلسات أخرى يعبر عن هذا التعاون وها هو يدخن السجائر ويشرب القهوة ويجلس مع عدد من الضباط ذوي الرتب العالية بهذا الصدد..

 ان النماذج من هذا النوع تظل بسيطة ويمكن أن يفسرها المعتقلون لبعضهم البعض مع الايام ، وحتى يمكن أن يكون لديهم فكرة مسبقة عن سلوك السلطة هذا.. فوقوف مجندة الى جانب المناضل أثناء التحقيق، أو اخفاء اسمه تماماً  اثناء استجواب الاخرين، او الايحاء لهم بانه هو الذي وشى بهم قبل الاعتقال، او حتى الايحاء بأن أحدهم ( دون ذكر الاسم ) متعاون ويقدم كل المعلومات اللازمة.. فمن السهل  تجنب وكشف كل هذه النماذج و تجنب آثارها مع انها في بعض الاحيان يمكن أن تحدث الخلل المطلوب.

 غير أن هناك نماذج أكثر خبثاً يعبر عنها رجال التحقيق من خلال فرص أفضل تعطى لأحد المعتقلين في التحقيق في المعاملة، واسقاط بعض التهم التي يكون هو قد اعترف بها وعدم ادراجها في لوائح الاتهام.

ان هذا السلوك المقصود يثير التساؤلات حقاً ، وحول مسألة التهم الموجهة نفسها من الممكن أن لا يكون المناضل قد اعترف ببعض التهم وبالتالي لا توجه له في لائحه الاتهام ولكن السلطات تلجأ الى الايحاء بأنه قد أعفي منها عمداً من قبل المخابرات لأسباب معينة مما يوحي بوجود تعاون متبادل بين الطرفين.

لكن الأكثر خطورة في عمليات الحرق ، ان تعتقل مجموعة مناضلين ويجري بعد فترة قصيرة الافراج عن احدهم رغم وجود شواهد ضده دون الافراج عن الآخرين… ومهما يكن هدف المخابرات من هذه العملية التي قد تكون طعماً أو استكمالاً لخطط تتعلق بعمل الحزب ومناضلية فان المحققين والمخابرات لن يتورعوا عن الايحاء بأنه تم الافراج عنه لأسباب غامضة توحي بتعاونه مع رجال التحقيق والامن مستكملين عملية التشويه هذه في قريته أو مدينته عن طريق الاشاعات التي يطلقها عملاؤهم.

 وليس غريباً أيضاً أن يجري التحقيق مع جميع أفراد الخلية أو المجموعة باستثناء واحداً يبقى في الزنزانة لفترة ثم ينقل للمعتقل دون أية تحقيق بينما الباقين يتعرضون لكل اصناف التعذيب… أن هذا الوضع سيثير شبهة زملائه وشبهة كل المعتقلين الآخرين مما يجعله في وضع لا يحسد عليه من الصراعات النفسية، والنبذ والهمس والتشهير ويبقى في هذا الوضع الى أن يصبح ضعيفاً وهشاً حسب تقدير المخابرات ثم بعدها يجرى استدعاؤه للتحقيق معه. وليس من المستبعد أن تطلق المخابرات ومن خلال عملائها سيلاً من الاشاعات حوله وتكثف من اعمال المضايقة له أيضاً.

 أن عملية التشهير والتشويه هذه شديدة التأثير وقد تعرض لها العديد من المناضلين الصامدين الذين أودعوا السجن الاداري والذين سلطت عليهم جهود العملاء بالاضافة الى قيم متخلفة فى السجون وخاصة سجون التوقيف مثل سجن غزة والخليل ورام الله وجنين ونابلس وطولكرم. تلك السجون التي حصل وان تعرض فيها معتقلون اداريون لاضطهاد قاسٍ وتشهيرات وتشويهات أمنية وأخلاقية فبرزت ثلاث حالات جديرة بالذكر ، حيث قام أحدهم ونتيجة للمعاناة والضغط القاسي ، قام بطلب مقابلة المخابرات وعاد من عندهم يحمل على كتفة العديد من التهم الثقيلة التي اوصلته للسجن المؤبد ، وبالرغم من أن هذا السلوك غير مبرر الا ان الهدف من طرحه تبيان سلوك المخابرات وعملائهم ازاء المناضلين الذين يرغبون في تشويههم.. يوجد حالتين اخريين احدهم وقف وسط الغرفة مدافعاً عن نفسه ليؤكد بانه مناضل عريق ونشيط وفعل ما يفعله غيره وان خليته تعرف ذلك ولكنه أثبت صلابته في التحقيق بالقياس لمعظم المعتقلين الموجودين في السجن الذين لم يمسكوا ألسنتهم…وعلى الاثر استدعي للتحقيق لمدة ثلاثين يوماً اخرى سجل فيها صفحات اخرى من البطولة والصمود والتحدي للمخابرات والمشوشين معاً.

 أما الحالة الثالثة الجديرة بالذكر فإن احد المناضلين وبعد حملة من التشهير والتشويه والتساؤل والهمس والمضايقة المستندة على خطة المخابرات وعملائهم من جهة والتقاليد المرعبة فى السجن من جهة اخرى والتي يصوغها ويوجهها جماعات متخلفة سياسياً وحضارياً، بعد حملة كهذه اضطر لمقابلة أحد المناضلين المسؤولين في السجن… وشرح له معظم نشاطاته النضالية مع الادلة والبراهين كاشفاً بذلك أسراره على الآخرين وطلب أن يعيش في كنف هذا الفصيل مصمماً على الاستمرار في التحمل مهما كانت النتيجة.  وبالفعل كان عند قوله ومضربا للمثل.

في التحقيق تحصل مفارقات كثيرة.. فقد يصادف.. أن تقع بين ايدي المحققين بعض الوثائق او الرسائل ، أو يتمكنوا من الحصول على خاتم رسمي لاحد التنظيمات ، أو يكونوا بصدد التفتيش في مكان ما لغاية معينة فيجدوا شيئاً آخر على صلة بالمجموعة قيد التحقيق ، أو يقوم احد المعتقلين بالوشاية عن مخبأ خاص بالحزب أو يقوم احد بالادلاء بمعلومات يعرفها وليس لها اي صلة بمجرى التحقيق تفيد المخابرات في اعتقالات أو مداهمات أو التعرف على مخابيء تدخل الى جانبها عمليات الصدف.

هذه المفارقات تشكل مناخاً جيداً وفرصة ذهبية للتشهير بأحد المناضلين وحرقه على انه هو الذى قدم لهم هذه الاشياء أو قدم لهم المعلومات المطلوبة ، ويقوموا بكل ما يلزم من ايماءات واشاعات حوله.

 هنا يكون الدليل المادي موجود ، والمخابرات تصرح أو تلمح حول فلان مما يجعله محلا للهمس أو التصريح أو الاتهام والمحاسبة أي بعبارة أخرى قتله من داخله وداخل تنظيمه نفسه نيابة عنهم بعد أن عجزوا عن تركيعه ودفعه للاعتراف.

يمكننا ان نتصور مناضلاً صلباً وعنيداً قدم نفسه وجهده وأعصابه على مذبح الثورة، ونجح في أهم امتحان مواجهة في أقبية التحقيق، وخرج معتزاً بنضاله وصموده وبطولته ، ثم يلاحظ من حوله الهمس والتشكيك ومضغ الكلام من زملائه الذين انهار بعضهم جزئياً أو كلياً أو حتى لو كانوا أشد صموداً منه.. ماذا عليه ان يفعل؟ كيف يستطيع الاثبات لهم بأنه لازال في طليعة الصف الوطني وهذا مهم جداً له، لنفسيته، لاستمرار صموده، لاستمرار ثباته وقناعاته ، بل لاستمرار سعادته النضالية.. ناضل قبل الاعتقال، ولم يختم مرحلة من مراحل نضاله بالسوء بل بالبطولة والتحدي.. أن كثيراً من العوامل ستتفاعل بداخله كثيراً ، من أشد وأقسى انواع التناقضات ستعمل على تمزيقه وهذا هو هدف السلطة. اضعافه من داخله بطريقة مجرمة. أن عليه أن يواجه امتحاناً آخر.. الصمود.. لكن هذه المرة ليس أمام المحققين بل بين زملائه، بين رفاق دربه وأمامهم.

ليس هذه الحالات مجرد تصور ، بل في تجربة الاعتقال الفسطيني الكثير من المناضلين العتاه الذيـن قادهم رفاقهم الى ( الدورة ) وحققوا معهم حول فرضية عمالتهم مع السلطات ، بل حققوا معهم بمنتهى القسوة ولما يكن تحقيق المخابرات قد تبددت اثاره عن جلودهم.

 ويزداد الأمر سوءاً حينما لا تكون عملية التحقيق هذه منضبطة ، وما يدور فيها مكتوم ، أو حينما يتبرع أحدهم للمشاركة في التحقيق ولا يكون هو بنفسه نظيفاً كما حصل مرات عديدة في سجن الخليل ورام الله وطولكرم وجنين ونابلس وبئر السبع، وكفار يونا، يمكننا أن  نتصور معاً ما يجول في خاطر هذا المناضل وهو يعاني من هذه القسوة.. ماذا يقول لهم.. أيبوح لهم بمكنونات نفسه ليكون سره الذي يدفنه فقط في أعماقه مباحاً لعدد آخر غير مضمون الصلابة؟ أم يستمر في الكبت والغور الى الداخل حتى خطر الانفجار والتحطيم… ام يطلب العون من شرطة السجن ضد زملائه وليكن ما يكون ، حيث يجابه هناك تحقيق السلطة الذي هو في نفسه افضل الف مرة من أن يسأله زملائه مجرد سؤال ؟

هو صمد في تحقيق المخابرات ، وما عليه الا أن يتحمل هذه المعاناة القاتلة بصبر وشجاعة فالبطل الثوري يمكنه أن يجسد بطولاته تحت كل الظروف وخاصة أنه يدرك أن أساس هذه اللعبة هم المخابرات الذين هزمهم شر هزيمة في معاقلهم.

ولدى المخابرات في هذا الصدد أسلوب جديد ظهر بعد عام 1978 مع ظهور اقسام العار في السجون، تلك الأقسام التي تضم لفيفاً من العملاء والمتعاونين والمتساقطين الذين نبذتهم السجون وجمعتهم سلطات الاحتلال في أقسام خاصة يطلق عليها المناضلون اسم ( أقسام العار) او (قسم العصافير) في هذه الاقسام تجري في احيان كثيرة عمليات تحقيق مساعدة للمحققين عندما يفشلون في انتزاع الاعترافات من المناضلين.. حيث يدفع المحققين بالمناضل الصامد الى اقسام العار. فيستقبله ( الثوار! ) على أنهم قادة السجون ويدعون بأسماء أبرز المعتقلين القياديين في السجون، وبعد أن يتداولوا معه الحديث ويطمئنوا انه بلع الخازوق وصدقهم يقوم احدهم بالمناداة على الشاويش مثلاً طالباً اخراجه من بينهم لأنه (عميل ). ولا يستطيعوا تحمله ، وبالمناداة على الشاويش أو بدونها، يبدأون بضربه بقسوة متهمينه بالعماله.. بفرض ان هذا المناضل لا يعرف شيئاً وليس لديه فكرة مسبقة عن أقسام العار هذه…. ويضعونه في الزاوية أو في الدورة ويبدأون بالتحقيق معه..

 ما هي العوامل والمؤثرات الداخليـة والخارجية التي تتفاعل في نفسه ؟.. قد يلجأ الى الدفاع عن نفسه مثبتاً أنه مناضل ، ليس هكذا فحسب بل مناضل صلب وشجاع، وكان نشيطاً جدا قبل اعتقاله.. هنا تؤخذ أقواله وترسل جاهزة للمخابرات حيث يواجه بها ويخضع لامتحان جديد فاما الانهيار واما الصمود. وخاصة أنه يتعرض للصدمة وراء الصدمة، ويصيبه التشويش ويصحوا على نفسه في النهاية أمام المحققين الذين يواجهونه بأقواله ولعدم معرفته بطبيعة أقسام العار، سوف لن يجد تفسيراً لما حدث، فالفكرة السابقة لديه أن المعتقلين الفلسطينيون في السجون هم أبطال ومثال للتضحية والوطنية والوفاء، ويجابهون كل يوم وضعهم الاعتقالي وسلطات القمع ببسالة شرف ليس لها مثيل. هؤلاء كيف غرروا به؟؟

ان اقسام العار هي مستنقعات للدنس تمثل امتداداً للاضطهاد الصهيوني بأيدي فلسطينية المولد، تكمل كلما استطاعت ما عجز الاحتلال عن استكماله…. انها أقسام العار والقذارة، ترتدي أمام المناضلين مسوح الثورة، ليساعدها ذلك على ارتكاب قذاراتها. ان قذاراتها هذه ما هي الا صورة من صور قذارة ودناءة الاحتلال الهمجي العنصري… هذه الأقسام التي بدأت تنكشف حقيقتها بشكل متزايد أخذت تواجه هي أيضاً صمود وبسالة المناضلين الذين يتعرضون أثناء وجودهم فيها لأبشع أنواع العنف الجسدي والنفسي والخلقي،  والمحاصرة والمضايقة، وليس لهم من سلاح إلا الارادة والصبر. ان أقسام العار هذه بوصفها امتداد لأجهزة السلطة القمعية وافراز متعفن لها، تنوب عن أجهزة القمع الرسمية وتمارس الأعمال الفاشية باسمها، مخفية ورائها عنف السلطة ذاته. تلك السلطة التي يمكنها أحياناً أن تتظاهر بالبراءة. فهي (السلطة) ترسل المناضلين الصامدين لهذه الأقسام كي يواجهوا مصيرهم حيث يتظاهر الدنس المتساقط هناك بأنه وجه الثورة ويطالبون الموفدين الصامدين بالتقارير والمعلومات مرة بعد اتهامهم بالعمالة، ومرة بحجة أن هذه التقارير مطلوبة رسمياً، ومرة بحجة أنهم يريدون على الفور ارسال الأخبار والمعلومات والمطلوبات للقيادة المحلية حتى تأخذ حذرها من كذا وكذا.. وهي تحيط سلوكها هذا بكل أنواع الارهاب والقسوة والحيلة. اما اذا انكشف امرهم بسبب معرفة المناضل بهذه الاقسام فانهم يمارسون التحقيق لفترة كما يمارسه رجال السلطة او قد لا يمارسوا شيئاً مغطيين خزيهم وعارهم باتهامات للثورة.

لقد تعلم المناضلون كيف يواجهون أوباش أسطبلات العار هذه كما تعلموا مواجهة سلطات التحقيق، وفي ميدان عمليات التشهير والحرق يحمل المناضلون سلاحهم أيضاً ويواجهون.

3-   اما النوع الثالث الذي تستخدم ضده عمليات الحرق والتشهير فهم أشخاص أو مناضلين تنتقيهم السلطة ليكونوا كبش فداء تغطي بهم على عملاء حقيقيين.

ويجري أنتقاء هؤلاء الضحايا اما من بين المناضلين الصامدين في التحقيق أو اشخاص على الهامش تحملهم سلطات التحقيق حمل الاخرين وبنفس السبل والوسائل المذكورة أعلاه وتشير لهم بالبنان على أنهم متعاونون معها، وأنهم متساقطون بالخفية ، وهم الذين وشوا وتساقطوا وقدموا كل المعلومات التي حصلت عليها اجهزة الامن مخفية بذلك الوشاة الحقيقيين والمتساقطين الحقيقيين وهذا قد يكون اثناء التحقيق أو في المحكمة وعلى مسمع من ذوي المعتقلين.

وقد تستمر عمليات الحرق كما ذكرنا في السابق الى خارج السجن حيث تكرر سلطات الامن استدعاء الشخص المعني الى مكاتبها بصورة فوق عادية ، أو يقوموا بزيارته في البيت مستغلين عادة الكرم العربية لدى البعض او الجهل والخوف لدى البعض الاخر فينشأ عن زيارات كهذه القيل والقال وان فلان يستقبل المخابرات في بيته وكل ما تحويه عبارات كهذه من إيحاءات وتلميحات بعلاقته الودية معهم وارتباطه بهم كأي عميل.

 ولو قامت السلطات بعد فترة بالقاء القبض على احد السكان أو كشف سر من الأسرار الوطنية فإن أصابع الاتهام في الغالب ستوجه للبيوت التي استقبلت المخابرات.

ان هذا البعض من الناس لا يدرك أن بامكانه طرد رجال المخابرات وعدم استقبالهم، انه يعتقد أن هؤلاء ما داموا سلطة رسمية فلهم الحق في استدعاء المواطن في أي وقت يشاؤوا وأن لهم الحق زيارة بيته كلما رغبوا، وبسبب قانوني وبدون سبب. وبالطبع فإن هذا اعتقاد خاطئ وان كل من لديه احساس وطني فلديه أيضاً شعور عدائي ضد هؤلاء الأوباش وليس أسهل من طردهم وفضحهم حينما يحاولوا الاقتراب من البيت الا لسبب قانوني كأن يكونوا قادمين لاعتقاله ويمتكلون اذناَ بذلك.

انه لا يحق لرجل المخابرات زيارة المواطنين في بيوتهم رغما عنهم ، كما أنهم لا يستطيعون فرض انفسهم على احد دون ان يتجاوب معهم. ولا يجوز أن تثور الشهامة التقليدية لدى رؤيتهم أمام البيت ودعوتهم لشرب القهوة كأي ضيوف.

ان اساليب الحرق هذه هي دلالة على فاشية ولا أخلاقية الاحتلال الذي لا يستطيع تعزيز استمراره واحتلاله واضطهاده الا بمزيد من الاضطهاد والظلم والعنصرية والفاشية.

لقد أدت أساليب الحرق والتشهير بالفعل الى عدد من الأزمات في السجون ليس فقط في حدود الأفراد الذين توجه لهم الشائعات والهمس المقصود وغير المقصود ، بل ايضا شملت العلاقات بين المنظمات السياسية في السجن : فإن عملاء مدسوسين يتسترون بانتماء للمنظمة (أ) مثلاً يوجهون دسائسهم ضد مناضل ينتمي إلى المنظمة (ب) ويفتعلون ما يستطيعوا من الاشاعات والمشاكل التي من شأنها أن تؤزم العلاقة بين المنظمتين وتخلق بينهما جواً من التوتر والعلاقات السلبية ، وقد ثبت بالتجارب الملموسة أن معظم المشاكل التي حدثت بين المعتقلين كان وراءها عملاء يظهرون حماسهم الشديد للمنظمة (أ) التي يتظاهرون بالانتماء لها. وفي معتقل بئر السبع كان خليل ابو عريش الملقب (مظلوم) بطلاً للعديد من المشاكل ، حيث أثبتت التحقيقات فيما بعد انغماسه في وحل العمالة، أما في سجن الخليل فقد ظهر “السبع الكتة” كبطل لهذا النوع من المشاكل لفترة طويلة الى ان تم كشفه واعترافه بنذالته وعمالته بعد ان كان يظهر الكثير من الحماس لاحدى المنظمات الوطنية ولايهاب الاشتراك في عمليات التحقيق مع العملاء. وفي الارشيف عشرات من الامثلة الملموسة.

ان عمليات التشويه والحرق لا تطول اناس معينين فحسب ، بل كل من يمكن ان يشكل هدفاً لذلك وتتوفر أي درجة من الامكانيات لتوجيه هذه الاساليب ضده ، ويشكل المتعاونون مع الاحتلال والمندسون في صفوف المنظمات عنصراً هاماً في اثارة الشكوك والنزاعات والمشاكل.

ولم يتورع زبانية هذا الاسلوب في بث الشكوك والتشهيرات ضد معتقلي احدى المنظمات الحزبية الفلسطينية جماعة وافراداً، فهذا متعاون مع سلطات الإدارة، وهذا متعاون مع سلطات المخابرات ، وكلهم في خدمة ( اسرائيل ).. هكذا كانت تدور الاشاعات والاقاويل المدعومة  بالتهديد والارهاب.. يا للخساسة.

 فان مناضلين قضى الواحد منهم من عمره في النضال بمقدار سني حياة هؤلاء الاوغاد بأكملها ويزيد، ولكنهم وبخطة مدروسة على ما يبدو مارسوا ضدهم كل انواع المضايقات والإشاعات والمقاطعات ونجحوا لمدة طويلة الى ان ادرك مسؤولي منظمات السجن عقم ، ولا وطنية هذه الاساليب ووضعوا لها حداً. حصل ذلك في سجن الخليل وطولكرم وجنين وحصل شيء شبيه في سجن بئر السبع… هكذا تستمر ملاحقة العدو للمناضلين في سجونهم وخارج السجن بغية توتير نفسياتهم وأعصابهم دون جدوى.

لقد شكلت تجارب عديدة ماضية ، وعياً كافياً في خلفية المناضلين في السجون وخارجها وأصبح مثيروا هذه الشكوك هم المستهدفون.

وعلى العموم فان لدى المخابرات اسلحتها لاثارة البلبلة في نفوس المعتقلين وتشويش حياتهم ونفسياتهم غير أن هذه الأسلحة ليست فعالة دائماً الا في حالات الجهل وعدم الروية. ان ادراك المناضل وحتى المواطن العادي لهذه الأساليب سوف يثلمها منذ البداية.. فإن عرض صورة المناضل يقف الى جواره ضابط مخابرات امام مقهى أو مطعم أو حانوت او في الشارع لا يعني بانهم اصدقاء ، لان بامكان ضابط المخابرات أن يقف إلى جانب أحد المناضلين أو ( المشتبهين ) لدى السلطات في أي مكان يصادفه فيه ويتبادل معه بعض الأحاديث كان يسأله عن اسمه وعمله مع ابتسامة ، مع وجود مصور يلتقط مجموعة من الصور لاستخدامها في التشكيك والحرق في الوقت المناسب ، وحتى هذا ممكن في السجن كان يقوده رجل المخابرات الى جانب شجرة أو حديقة ورد ومعهم فتاه ويتبادلون بعض الحديث ، والابتسامات تعلو الوجوه ، ومن مكان خفي يقوم المصور بالتقاط الصور ومن ثم عرضها على معتقلين آخرين بطريقة من الطرق، بالصدفة المتعمدة مثلاً.. واذا كنا نعرف امكانية هذه الاحتمالات فإنها لن تثير الوهم في نفوسنا.

 ومن المهم الى ابعد الحدود أن لا يتداول المعتقل الأحاديث عن مدى اعترافاته ومدى ما أخفى من معلومات مع زملائه في السجن لان هذه الأسرار تخصه وحده ولا يجوز بحال من الأحوال البوح بها لأحد لا في الزنزانة ولا في السجن. بالضبط كما انه لا يجوز تداولها مع احد قبل وبعد الاعتقال فالسرية المطلقة هي عماد العمل النضالي السري وبسبب هذه الحقيقة بالذات تقوم سلطات الاحتلال بالتركيز الشديد على مطاردة العمل السري  عن طريق أجهزة المخابرات و عدد هائل من المجندين بأي درجة كانت.

(ليس المهم أن أثبت أنني من خيرة المناضلين اذا ما تعرضت لحملة تشويه وتشهير وحرق بل المهم أن يستمر صمودي وحفظي لكنوزي الثمينة في صدري المغلق  هذا هو الرد الرئيسي على حملات التشهير وسوف تثبت الأيام سلامة وصحة موقفي دون شك). وما دام للحزب أو المنظمة قيادة قادرة على فرز الغث من السمين فسيأتي اليوم الذي يعاد فيه الاعتبار وسيفهم الرفاق كيف كنت صلباً. وبالإمكان من خلال الصبر ، والفهم العميق للمسألة ، شرحها للمعنيين بطريقة تحفظ الكرامة بعيداً عن تعكير المزاج.

أن جميع من هم قيد التحقيق مطالبون بافشال هذا الأسلوب عندما يأتي دورهم لاستخدام نتائجه عليهم ، مجموعة من خمسة مناضلين مثلاً أوحت لهم اجهزة التحقيق بأن احدهم متعاون ، لماذا؟ بقصد التأثير على صمودهم هم، على صمود كل واحد منهم ، وبالتالي وبعد أن انكشفت اللعبة لم يبقَ سوى اسقاطها وفعلاً أسقطت.

 _________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.