أزمة رؤية القرابة وجوهرها الاورومركزى، سيد البدري

معركتنا مع ذهنية ورؤية الاورومركزية حسمها سمير أمين ومدرسة العالمية ، وحسمت فى إلاطار الماركسي النظرى وان لم تشكل بعد تيارا ورافدا أساسيا فى مجال الممارسة فى العالم العربى ، ونفس المعركة مع ذهنية ورؤية رد الفعل للاورومركزية والتى ذهبت للبحث عن اليات ما قبل رأسمالية لتحليل الواقع خاصة العربى ( الخلدونية ) ، ووقفت عند التناول الاورومركزى للماركسية ولم تجد فيه ما يشبعها- وهى محقة – لتفسير واقعها. والغريب انه حين كانت الماركسية تتطور وتتخطى التناول الاورومركزى ، لم يبذل هؤلاء اى جهد حقيقى لاكتشاف هذا الأفق الجديد وهذه الرؤية التى بدء تطورها من الماوية إلى نظرية المراكز والأطراف ثم إلى الاهم وهو نظرية فائض القيمة المعولم والذى هو تطور يضيف ويأخذ رؤية لينين إلى آفاق اوسع ، ويفتح امام البشرية فى كل عوالم كانت مستغلقه عليها. لذلك فإن محاولة أسر تقدم الوعى وحبسه فى إطار نظرية رد الفعل الخلدونية أو التناول الماركسى القاصر الذى يقيدها وفق اورومركزية كلاسيكية رثة يمثلان عائقا أمام وعى الحاضر ومستقبل الوعى .

وبدون الخوض فى تهويمات احاول هنا أن أشخص أزمة هذا التناول المنهجية فى النقاط التالية :

١- تعترف مدرسة رد الفعل بصحة القانون العام ونظرية التراكم وفائض القيمة المعولم ، ولا يتسائل أصحاب هذه الرؤية عن الأساس النظرى الذى استند عليه سمير أمين فى صياغة رؤية فائض القيمة المعولم ، على الرغم من أن سمير أمين أشار إلى أن رؤيته تنتمى إلى النظرية الماركسية المضادة للاورومركزية، على الرغم انه لم يكن فى حاجة إلى تلك الاشارات فهو فى كل موضع وتحليل كان ملتزما بتحليل المادية التاريخية.

٢- اذا كان رؤية القرابة الخلدونية تعترف بصحة رؤية فائض القيمة المعولم ، فلماذا تتخذ موقفا سلبيا منها رغم استخدامها لمقولاتها ومفاهيمها العامة؟

  ٣- يتهرب هؤلاء من تبنى رؤية سمير أمين بل ويتخذون موقف العداء الغير مبرر منها ويبررون ذلك بما يلى: ” لا نستطيع ان نقول ان التراكم عالمي ثم ننساه ونعود الى الماركسية التي تعتبر التراكم داخلي . هناك تناقض خاف سمير امين ان يمضي به لاخره. التراكم اما داخلي وطبقي وفائض قيمة واما عالمي . واذا كان عالمي فالوحدة السياسية صارت عالمية وهذا ما فهمه لينين ولذلك قال ان التناقض الرئيسي هو بين الامبريالية والشعوب المضطهدة . هل انتبهت الان لماذا نحن لسنا يسارا ؟ لاننا نعتبر ان التناقض كالتراكم عالمي وليس داخلي”.

انتهى الاقتباس من رسالة الأستاذ روبير بشعلانى . وهنا نجد المفارقة المحزنة والتى فى اعتقادى تحول بين هؤلاء وبين سبر غور اساس الماركسية وتجعل هؤلاء اورومركزيين بامتياز، على الرغم من كل الصياح السابق على الاورومركزية ، ويتضح هذا جليا فى الإجابة على المسألتين التاليتن:

– الاولى، هى كيف نما وتشكل هذا التراكم وهذا النزح الامبريالى من الأطراف إلى المراكز وليس العكس ؟

-الثانية، اذا كانت العمومية تشترط الخصوصية وتطبعها بالطابع العام ، فهل معنى هذا انتفاء انتاج فائض القيمة المحلى ام اشتراطه وطبعه بطابع القانون العام للامبريالية فى مرحلتها الانية؟

ومن هنا يتضح تهافت النقد للمدرسة الماركسية والمادية التاريخية فى تفسير العالم والواقع المعاش، فهذا الكولاج الذى يأخذ قطعة من هنا وقطعة من هناك ، فنجد أنفسنا امام لوحة عشوائية دون رؤية حاكمة ، فسواء رؤى لينين أو ماو أو سمير أمين بخصوص الإمبريالية جميعهم استندوا المادية التاريخية ، ومن هنا تتجسد أزمة هذه الرؤية فى انها لا ترى العلاقة الجدلية بين العام والخاص بين فائض القيمة المعولم الذى هو محصلة النهب على الصعيد العالمى ، وبين فائض القيمة المحلى والذى هو جزء لا يتجزاء من فائض القيمة العالمى بعد استقطاع الطبقات الطرفية لحصتها حسب محددات القانون العام .

وبعبارة أخرى لا يدرك هؤلاء أن هناك مستويين وشكلين من استقطاع القيمة ، أحدهما على المستوى المحلى – تشترطه درجة التطور الاقتصادى والاجتماعي لبلد ما أو منطقة ما – والآخر عالمى تشترطه محصلة تطور الإمبريالية المشتركة أو القومية بحسب اقتسام مناطق النفوذ . ان كلا القانونين يعملان معا بحسب درجة التطور اللامتكافئ سواء تطور المراكز- وهذا يفسر تناقضاتها- أو تطور الأطراف وتراتبيتها على سلم التبعية ، وبدون فهم الرئيسى والثانوى فى كل حالة وموضوع تحليل يصبح التخبط سمة ملازمة لكل محاولة تحليل مبتسرة تخاصم هذه الرؤية الشاملة؛ أو تأخذ منها بحسب الهوى ما يتناسب مع موضعها.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.