التراكم: من النهب والتقشيط إلى القيمة الزائدة (1 من 2)، عادل سمارة

أن يتبقى حتى اليوم من يزعم أن الماركسية أُغلقت برحيل ماركس، فذلك خارج الفهم المادي التاريخي وطبعا الاقتصاد السياسي للماركسية، هذا دون أن ندخل إلى قوانين الديالكتيك كأرضية نظرية في وجوب التطور وحتميته حتى لو إعتور التطور تغيرات إلى الوراء فهي لا تنفي أن الحياة إلى الأمام إلى الأعلى.

الماركسية نظرية شاملة ومتطورة بتطور كل من الصراع الطبقي والعلوم ، ومعنى متطورة اي أن هناك ابوابا مٌشرعة لمزيد من المساهمة. وعليه، إذا كانت هذه السطور قائمة على ما ذُكر أعلاه، فهي ماركسية اي مساهمة في الماركسية.

لقد تعرضنا لمسألة القرابة سابقا حين كان الحديث عن الحراك الشعبي في العراق والذي كان طبقياً بامتياز لا قرابياً وكانت المفارقة كما كتب رفيق عراقي “أن كورونا جاء لإنقاذ الطبقة الحاكمة” وهي ليست لا قرابة ولا يحزنون بل هي تحالف طبقي على أرضية طوائفية من جهة ومحكومة بالسيد الأمريكي. إنه نموذج فاقع لتحالف راسمالية المركز مع كمبرادور المحيط ضمن محاولة المركز تحويل اقتصاد العالم إلى “قطاع عام راسمالي معولم لصالح هذا التحالف” هذا إلا إذا اكتشفنا قرابة دموية وعرقية بين نوري المالكي وترامب/و!

ومع ذلك اصر البعض على تجريده من اي محتوى طبقي في مجتمع تحكمه علاقات السوق الراسمالية المعولمة ويجري فيه الاستغلال بل النهب الطبقي المعولم اي على أرضية اقتصاد التساقط المُقتسم بين :

  • الإمبريالية بشركاتها وخاصة المسيطرة على النفط (الجلوس على المقاعد حول الطاولة).
  • والكمبرادور ولصوص الطوائف المحليين (الجلوس على الأرض لتلقي التساقط من الفتات) وربما يلملومنها بشفاههم.

إن قراءة هكذا تشكيلة على ارضية مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون، لا تزيد على كونها حشر الماركسية في علم الاجتماع، وهي ليست كذلك سواء من حيث  خطورة ردها إلى قراءة ابن خلدون للدول (شبه المدينة الدولة بعلاقات تجارية بحتة حتى أقل تطورا من الميركنتليلة) هو رد لا يمت للماركسية بصلة.

كما أن حصول الفساد لا يعني أن التشكيلة قرابية  وليست مرسملة، فمختلف التشكيلات في المركز المتقدم تضج بالفساد المغطى . ولعل أحدث فساد هو قيام الرئيس الأمريكي مؤخرا بضخ تريليونات الدولارات لصالح المصارف والشركات الكبرى لمواجهة كورونا ونزَّ بضع دولارات للعامل المحتجز في منزله. والتبرير هو المقولة الدارجة منذ ازمة 2008 : “هذا يجب أن لا ينهار” اي كبريات المصارف والشركات.

العولمة من الغزو والتقشيط إلى الاستعمار وتحالف طبقي معولم

صحيح القول بأن العالم تمت عولمة علاقاته بالحروب المسلحة بدءا من توسع القبيلة إلى توسع الدولة إلى توسع الإمبراطورية بمعنى أن عولمة العالم هي دينامية كامنة في تكوينه تدفع باتجاه عولمة اقتصادية سياسية ثقافية معرفية…الخ إلى أن ينتقل إلى الاشتراكية كمقدمة للشيوعية.

لذا للعولمة وجهان، وجه التفاعل الإنساني ووجه الصراع المصلحي.

قام الصراع المصلحي على آليات بدائية في الماضي حيث الغزو القبائلي الذي أساسه المباغتة والسرقة وأما القتال فهو حين الضرورة ومن ثم تحوله إلى الصراع بالغزو المباشر ليأخذ حالة التقشيط/الانتزاع  اي قيام المسيطر بانتزاع ثروة المهزوم ارتكازا على هزيمته، وهو ما بقي وتصاعد مع ظاهرة الاستعمار  على يد المركز الغربي ضد مختلف المستعمرات في العالم.

لكن ما تنبه له بوخارين  (   Bukharin, N Imperialism and World Ecomomy, London,Merlin Press. Ltd 1976)ومن ثم لينين ) Lenin, V.I , Imperialism the Highest Stage of Capitalism, London, 1938 في بداية القرن العشرين، ( والكتابان عام 1916) هو التحول في الاقتصاد العالمي وتعاطي بوخارين مع مسالة عالمية الاقتصاد وليس نطاقه القومي فحسب، وهو ما ارتكز عليه لينين وحلل العلاقات الاستعمارية للاقتصاد الرأسمالي العالمي تجاه البلدان المستعمَرة، أي حلل المرحلة الإمبريالية التي من شروطها أو منطق ترسخها هو الانتقال من التقشيط/الانتزاع للثروة إلى تصدير راس المال من المركز إلى المحيط ، طبعا دون أن  يُطلق تسمية مركز ومحيط، أي تشغيل راس المال في استخراج المواد الخام من المحيط المتخلف إلى المركز الصناعي. وهذا طبعا ناهيك عن تقويض صناعات المحيط (النسيج في الهند والصين) وتصدير منتجات المركز إلى المحيط بما تضمن ذلك من تحويل للثروة عبر تبادل لامتكافىء والذي تواصل حتى منتصف القرن العشرين متخذا شكل تصدير المركز لمنتجاته الصناعية إلى المحيط واستيراده المنتجات الزراعية. ظل هذا تبادل   لا متكافىء مسلّح اي تحت ضغط قوة الاستعمار، وانتقل بعد انتصار حركات التحرر الوطني في المحيط إلى استقلالها السياسي ولكن بقي التبادل اللامتكافىء على حاله، ولكن هذه المرة بمفعول التبعية. وهذا ما تجلى في تحويلات هائلة ومتواصلة من المحيط إلى المركز، على شكل صافي أرباح.

هنا تجدر الإشارة إلى أن تصدير راس المال من المركز إلى المحيط لم يكن إلا بنسبة ضئيلة مقابل الاستثمار البيني  داخل المركز نفسه (سمير امين، التطور اللامتكافىء)

إتخذ تصدير راس المال من المركز إلى المحيط شكلين واتجاهين:

الأول: تقشيط المحيط بسلخ الفائض منه واستثمار جزء كبير منه في المستوطنات الراسمالية البيضاء، أي تقشيط الهند للاستثمار في مستعمرات شمال امريكا أي الولايات المتحدة وكندا، وفي استراليا ونيوزيلندا وجنوب إفريقيا، وفي الجزء المستوطن من الجزائر. أما الكيان الصهيوني فجاء متأخراً ولكن جرت فيه نفس عملية تقشيط الفلسطينيين لصالح المستوطنين اليهود حتى عام 1948 إلى أن تم تقشيط الفلسطينيين أرضهم.

والثاني: تصدير راس المال من المركز إلى المحيط والذي لم يُقصد به تنمية المحيط ورسملته بقصد وخطة، كما هو حال المستوطنات الراسمالية البيضاء، بل نهب الخام وعدم تصنيعه في المحيط نفسه حفاظا على عدم تنمية المحيط وتكريس تبعيته.

ما يهمنا في هذه الظاهرة/الثانية هو:  هل كان، ولا يزال، هذا الاستثمار في المناجم هو استغلال طبقي راسمالي؟ وهل تم عبر ذلك بزل قيمة زائدة وتحويلها إلى المركز؟

هنا ننتقل من نقطة تاريخية تسجيلية إلى قضية نظرية، وسؤالها:

هل ما يحصل عليه المستثمر الغربي من تشغيل عمال في الكنغو هو قيمة زائدة؟ هل الاستغلال في الصناعات الاستخراجية قائم على علاقات راسمالية؟ هل شرطا أن يكون كامل البلد المستَعمَر منخرط في علاقات إنتاج وتوزيع رأسمالية حتى نسمي تشغيل العمال في المناجم تشغيلا يبزل قيمة زائدة؟ هل ما يحصل عليه الرأسمالي الغربي هو ربح وحسب؟  وهل الربح ليس إلا شكلاً محولاً من القيمة الزائدة؟

لكن التشغيل في المنجم ليس مجرد تبادل تجاري سلعة بسلعة سواء مقايضة أم بالنقد، وطبعا بعلاقات سوق، وليس تشغل عبودي على أساس السُخرة، بل هو تشغيل العامل الذي يبيع قوة عمله للراسمالي، ولا يهم هنا إن كان من نفس القومية أم لا. على أساس كون هذا التشغيل المتعسف ليس سخرة كتبت روزا لكسمبورغ وهي تناقش توسع الاستعمار الغربي بعد الثورة الصناعية للحفاظ على معدل الربح بقولها: “بوسعك أن تجبرني على العمل لديك، لكن ليس بوسعك أن تجبرني على شراء منتجاتك”. هل كان العمل في المناجم مجرد إرغام ولو بأجر عبر المشايخ كوسطاء أم كان ضرورة معاشية للعمال رغم اقتطاع الشيخ النسبة الأعلى. بالمناسبة سماسرة التشغيل الفلسطينيين داخل الكيان الصهيوني يحصلون على ريع أعلى من أجرة العمال الفلسطينيين أنفسهم، وهؤلاء، ويا للمفارقة يحصلون على اجور أعلى مما يحصل عليه نظراؤهم الفلسطينيون من تشغيلهم داخل المحتل 1967!

ولكي نُزيل الإلتباس، لنقل أن التشغيل في المناجم بدأ سخرة وتحول إلى عمل مأجور وخاصة بعد دخول الشركات في المحيط لإقامة مشاريع إنتاجية وليس فقط الشعل المنجمي. ليس هذا وحسب، فمنذ عقو ثلاثة بدأ رأسماليو المركز بشراء أراضِ في المحيط وزراعتها وتصدير منتجاتها إلى المركز وطبعا مستفيدين من:

  • سعر رخيص للأرض
  • أجور اقل للعمال.

باختصار، ما يهمنا هو طبيعة ما يبزله الرأسمالي الغربي من هذا التشغيل، هل هو فائض أي قيمة زائدة أم لا؟ وهذا ما يهمنا هنا.

في هذا الوضع، أي أن العامل المحلي يبيع قوة عمله ليتم تقاسمها على اساس اقتصاد التساقط:

  • قيمة زائدة للراسمالي الغربي اي الشركة
  • وريع لصالح السلطة المحلية التي أعطت الامتياز للأجنبي.

وعلاقة اقتصاد التساقط هذه هي علاقة تحالف طبقي وإن بمراتبية واضحة ضد العامل المحلي الذي يقاتل على صعيدين ضد السلطة الطبقية المحلية وضد الراسمالي الأجنبي. أين يضع تركيزه؟ هذا أمر يخص كل ظرف، ولكن بالمطلق لن يكون حليفا للمحلي بما هو، اي المحلي، حليف للمستعمِر.  وحتى لو كان وعيه الطبقي ملتبسا، فإنه لن ينحاز لأي من الطرفين.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.