سياسة التتريك والتغيير الديموغرافي تُهدّد مُدناً سورية وليبية

أدّى المنعطف الاستبدادي الذي سلكته تركيا في السنوات الأخيرة تحت حكم حزب العدالة والتنمية الإسلامي، والذي اتخذ من حزب الحركة القومية اليميني حليفاً له، إلى تصاعد أيديولوجيات الإسلاموية والتتريك تحت راية الهوية العثمانية البائدة.
وبعد الفشل الذريع لتيار الإسلام السياسي، التركي القطري، في أعقاب ما أطلق عليه “ثورات الربيع العربي”، يبدو أنّ تركيا ردّت عبر توسيع تواجدها العسكري في عدد من الدول العربية كسوريا وليبيا والصومال، في محاولة جديدة لاستعادة جذورها العثمانية.
وتبدو اليوم المناطق التي سيطرتها عليها القوات التركية والفصائل السورية المسلحة التابعة لها، عبر ثلاث عمليات عسكرية “درع الفرات” و”غصن الزيتون” و”نبع السلام” الأكثر خضوعاً لسياسات التتريك والتغيير الديموغرافي الخطيرة، ولا يُستبعد أن يطال ذلك أيضاً مُدناً ليبية باتت خاضعة لسيطرة الجيش التركي وميليشيات الإخوان والمرتزقة السوريين، وفي مُقدّمتها طرابلس ومصراته.
وسبق أن صرّح أردوغان أن بلاده مطالبة بمساعدة مليون شخص في ليبيا من أصول تركية، في إشارة لعشيرة الكراغلة (أتراك كول أوغلو)، حيث يتم السعي لتشجيع الولاء للهوية التركية، وإزالة الإساءات المتعلقة بالعثمانيين من المناهج التعليمية، وافتتاح دورات لتعليم اللغة التركية، وإنشاء محطة إذاعية للأتراك الليبيين، فضلاً عن ترميم الآثار العثمانية في ليبيا، وبناء مسجد مماثل لمسجد السلطان أحمد.
واليوم فإنّ عدد الرموز والأعلام التركية وحالات التغيير الديموغرافي وطمس الهوية الثقافية التي تشاهد في المدن السورية المحتلة من قبل تركيا، قد لا يوجد لها مثيل على الأراضي التركية نفسها. وهو ما يكرس واقع الانفصال التي تريد تركيا فرضه مع مرور الوقت.
ومع أن تركيا لم تصل تمامًا إلى النتائج التي استهدفتها من وراء هجمات “نبع السلام”، إلا أنها تتخذ خطوات ترمي إلى بقائها بشكل دائم في تلك المناطق بما يتناسب مع هدفها الاستعماري، وذلك بتعزيز عمليات التغيير الديموغرافي والتتريك في المناطق المُحتلة، وبالتأكيد فإنّ أنقرة لن تخرج طواعية من تلك المناطق، كما يقوله التاريخ.
وبعد السيطرة على المناطق الممتدة من رأس العين إلى تل أبيض شمال سوريا أكتوبر الماضي، بطول 120 كلم وبعمق نحو 30 كلم، وبعد أن تمّ تهجير ما يزيد عن 300 ألف مدني من مدنهم وقراهم وبلداتهم ودمرت المنازل والمستشفيات والبنى التحتية، تعمل الحكومة التركية اليوم على جلب سكان جُدد من مناطق أخرى لتوطينهم بغية تحقيق أهداف سياسية بحتة، الغاية منها تغيير هوية المنطقة بشتى الوسائل وإجراء تغيير ديموغرافي وتعزيز عمليات التتريك.
ولا تزال القوات التركية والفصائل الموالية لها تواصل سياستها القمعية الممنهجة لدفع من تبقى من السكان الأصليين في مناطق نبع السلام للخروج من مناطقهم، حالهم كحال من رفض التهجير من أهالي عفرين.
وباتت مناطق كثيرة في الرقة والحسكة تشهد توطيناً مُتصاعداً لعائلات من الغوطة الشرقية بريف دمشق ومناطق سورية أخرى كانت خاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة الموالية لأنقرة، على حساب السكان الأصليين لها.
وضمن سياسة التهجير، تستمر لذلك عمليات الخطف والاعتقالات التعسفية بحق أهالي مناطق “نبع السلام” و”غصن الزيتون” دون التفريق بين مكونات الشعب السوري، إذ تطال سياسة القمع التركية الكرد والعرب على حدّ سواء، وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان.
وتتواصل الممارسات التعسفية من قبل الفصائل الموالية لأنقرة في مدينة تل أبيض الحدودية، وهي ذات طابع عربي، وتأتي تلك الممارسات جميعها لدفع الأهالي للخروج من مناطقهم، لإحلال المسلحين الموالين وعائلاتهم مكانهم.
وسبق أن اتهمت جهات حقوقية ومنظمات أممية، القوات التركية والفصائل السورية التابعة لها، بالقيام بالتطهير العرقي والتغيير الديموغرافي في عدّة مناطق بسورية.
وكانت الإدارة الذاتية الكردية في شمال سوريا، طالبت الأمم المتحدة “بتجاهل دراسة مقترح الدولة التركية في توطين عوائل المرتزقة والعمل على تشكيل لجنة تقصي الحقائق والاطلاع على ممارسات تركيا ومرتزقتها وأوضاع المهجرين قسريا نتيجة للعدوان التركي”.
وناشدت الرأي العام العالمي “بالتحرك لمنع هذه الكارثة بحق أهالي وسكان المنطقة، والذي سيفتح الأبواب أمام صراعات قومية ومجتمعية نحن بغنى عنها”.
ويُصر شاهوز حسن، الرئيس المشترك لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، على أن الأمم المتحدة ستكون متواطئة مع الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان في مخططاته الرامية إلى إحداث تغير ديموغرافي في شمال شرقي سوريا، إذا لم ترفع صوتها ضدّ مخططات أنقرة.
وكانت تركيا قد منحت هويّات تركية للكثير من اللاجئين السوريين، حيث استطاع أردوغان استخدام أصواتهم في الانتخابات، وهو يستغل اليوم قضية اللاجئين لفرض تغيير ديموغرافي في تل أبيض ورأس العين.
وكي تُفصل المنطقة التي تشمل مدن تل أبيض ورأس العين، بدأت تركيا في إنشاء أسوار خرسانية، وبات والي أورفه عبد الله أرين يتردد باستمرار على هذه المدن ويدير بشكل مباشر الأعمال الإدارية هناك، وكأنها ولاية أو مقاطعة تركية جديدة، كما قام بتعيين مسؤولين عن هذه المناطق.
الكاتب في “أحوال تركية” جتين غورر، يقول إنّ الخرائط التي تُعرض مؤخرًا في وسائل إعلام حزب العدالة والتنمية تكشف أن تركيا تمددت خارج حدودها التي كان تم ترسيمها بموجب معاهدة لوزان، وأنها توسعت بحيث تضم حلب والموصل بل وجزءًا من أراضي اليونان وبلغاريا.
ووفقًا لهذه الخرائط فإن هدف تركيا الرئيسي والأساسي ليس إقامة “منطقة آمنة مؤقتة” في روجافا، بالعكس إنه الاستيلاء على جزء معين من الأراضي السورية، وضمّه إليها. وهذا لا يقتصر على الإدارة فحسب، إذ من الوارد احتلال المنطقة من الناحية الاقتصادية والثقافية أيضًا.
فبعد طرح الزيتون وزيت الزيتون المزروع في عفرين السورية في السوق المحلي التركي وكأنه بضاعة تركية، صرّح أردوغان مراراً بأنه يريد حصة من النفط المستخرج في المنطقة، وأنه سيمول بهذه الحصة المساكن التي يريد إنشاءها في المنطقة الآمنة وعودة اللاجئين.
ولا يرغب أردوغان بتوطين اللاجئين السوريين بالمناطق التي احتلها وحسب، بل واللاجئين القادمين من دول مثل تركمانستان وأوزبكستان وطاجيكستان وأذربيجان وأفغانستان، ليحدث بذلك تغييرًا سكانيًا جذريًا في الوقت نفسه؛ وفقًا لتقرير أعدّته الاستخبارات التركية.
ومن الواضح أن السكان الأصليين، يتم ترحيلهم بشكل مُمنهج، ويجري تنفيذ مراحل مشروع تتريك المنطقة، بما في ذلك الشوارع والقرى والأحياء والمدارس، وفرض تعليم اللغة التركية في المدارس.
ومن الخطوات التي اتخذتها تركيا في المناطق التي احتلتها إنشاء المدارس، وتأسيس الجامعات، وإظهار الاحتلال وكأنه “حملة توعية” وتجميل وجهه. وبعد قرار إنشاء كلية في عفرين تابعة لجامعة غازي عنتاب، سُميت مدرسة في تل أبيض باسم “نبع السلام”.
وتُعتبر بوابة التعليم الخطّة الأخطر في عملية التتريك للمناطق السورية التي تُسيطر عليها أنقرة من خلال فصائل سورية مسلحة موالية لها، وذلك نظراً لفرض اللغة والتاريخ التركيين على الطلبة السوريين بكل ما يحمله ذلك من عملية تزوير للعديد من الحقائق والوقائع التاريخية والثقافية والعلمية على حدّ سواء من وجهة نظر تركية عثمانية بحتة.
وتُقدّم مؤسسة البريد والبرق التركية خدماتها في المناطق السورية، للموظفين الأتراك والمواطنين السوريين معًا في المنطقة، حيث تلبي المؤسسة احتياجات الصيرفة والخدمات اللوجستية والشحن، وتقدم رواتب المدرسين والموظفين العاملين في وقف المعارف التركي بالمنطقة، والجنود الأتراك، فضلا عن رواتب الشرطة المحلية.
يقول تقرير حقوقي نُشر مؤخراً: أن تزور مدن جرابلس، إعزاز، الباب، وعفرين شمال سوريا، في ظل السيطرة التركية يعني أنه من الممكن أن تكون بحاجة لمترجم تركي– عربي عند تحويل النقود أو زيارة المشفى، أو الدخول إلى المدارس وما تسمى المجالس المحلية التي أمست مخافر مدنية وأوكاراً استخباراتية للدولة التركية على الأراضي السورية.

:::::

المصدر: موقع “أحوال تركية