خبر وتعليق قصير عن الإنتخابات التشريعية والرئاسية في جمهورية دومينيكان، الطاهر المعز

أوردت الصحف العربية، واللبنانية بشكل خاص، خبر انتخاب ” لويس رودولفو أبي نادر كورونا” (أو “أبي ناضر”)، في جمهورية دومينيكان (تقع في جزيرة تتقاسم أراضيها مع “هايتي”)، واختيار الناخبين (نحو 7,5 مليون ناخب من أصل 11 مليون نسمة )، يوم الخامس من تموز/يوليو 2020، 190 عضواً في مجلس النواب و32 عضواً في مجلس الشيوخ… كان تاريخ الانتخابات الرئاسية والتشريعية مقرّراً ليوم 17 أيار/مايو، ولكن وقع تأجيله، بسبب وباء “كوفيد 19” والحجر الصحي، إلى الخامس من تموز/يوليو 2020، وفاز “لويس أبي نادر”، مرشّح ومؤسس “الحزب الثوري العصري” ( سنة 2014)، المُعارض، والمُصنّف سياسيا في موقع “يسار الوسط”، بحصوله على نسبة 54% من الأصوات، خلفًا للرئيس “دانيلو ميدينا”، الذي قضى في السلطة ولايتين متتاليتين، منذ 2012 والذي لا يمكنه الترشّح لولاية جديدة، ويُصنّف حزبه “حزب التحرير” في موقع “يسار الوسط” أيضًا، وهي تصنيفات لا تُعبّر عن الفروقات أو الإختلاف بين هذه الأحزاب… ​​

اقتصرت معظم المواقع، والصحف العربية، على التّأكيد على الأصل اللبناني للرئيس الجديد، ولم تورد شيئًا عن توجاته السياسية وبرامجه، ونظرته للعالم، ولموقع شبه جزيرة “دومينيكان”، في العالم، وهي المحاذية لهايتي، والقريبة من كوبا، واعتبرت هذه المواقع الإخبارية أن ذكر “الأصل اللبناني” أكثر أهمية من البرنامج السياسي للرئيس الجديد، وكأن لبنان لم يُنْجب سفاحين مثل “سمير جعجع” الذي قد يُصبح رئيسًا للبنان، وجلادي مُعتقل الخيام (أنشأه الصهاينة بعد غزو لبنان)، ومن بينهم “أنطوان الحايك” الذي وقع اغتياله (آذار 2020)، و “عامر الفاخوري” الذي أطلق القضاء العسكري اللبناني سراحه، بعد التهديدات الأمريكية، في حال محاكمته…

إن صفة “العربي” أو “اللبناني”، ليست مُرادفًا أو ضمانة لدعم قضايانا العربية، في مواجهة الإمبريالية والصهيونية، خاصة إذا كان هذا “العربي” من الجيل الثالث أو الرابع لمهاجرين، غادروا البلاد بنهاية القرن التاسع عشر، ناهيك أن الهجرة المَشرقية نحو أمريكا (الجنوبية والشمالية) هي هجرة مُثقّفين (نذكُر مجموعة “أُدباء المَهْجر”، ومنهم جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي…) أو تُجّار ورجال أعمال، بخلاف هجرة مواطني المغرب العربي، نحو البلد المُستعمِر، وهي هجرة فلاحين صغار مُفَقّرين، بعد استيلاء المُستعمِرين على أراضيهم، وهجرة مُهمّشين باحثين عن عمل في أسفل درجات السُّلّم الإجتماعي، قبل هجرة الخبرات وذوي المؤهلات الجامعية، خلال العقود الثلاثة الماضية.

نُذَكِّرُ أن الرئيس الأسْبَق للأرجنتين، ثاني أكبر اقتصاد في أمريكا الجنوبية، “كارلوس منعم” (1989 – 19999)، من أُصُول سورية، ولكنه كان من أكثر الرؤساء يمينِيّة، ذو توجه شبيه بالمُحافظين الجدد الأمريكيين، وطَوّر علاقات الأرجنتين مع الكيان الصهيوني…

لهذه الأسباب وغيرها، ليس من المهم أن يكون الإنسان عربيا، أو من أُصُول عربية (حُكّام الخليج “عرب”، والعُملاء والجلاّدون والسّفّاحون أيضًا “عرب”، والإرهابيون “عرب”…) بل يهمّنا قبل كل شيء مواقف وبرامج وممارسات الأفراد والمجموعات، بشأن الكادحين والفُقراء من شعوبهم، وبشأن قضايا التحرر في العالم، ومنها قضايانا العربية، وفي مقدّمتها القضية الفلسطينية…       

يبلغ لويس أبي نادر 52 عاماً هو رجل أعمال (خريج كلية الإقتصاد)، لبناني الأُصُول، هاجَر جَدُّهُ في السنوات الأخيرة للقرن التاسع عشر، من لبنان إلى الدومينيكان، أما والدُهُ فكان وزيرا، وأسّس جامعة خاصة، يديرها شقيق الرئيس الجديد، وهي عائلة ثرية، ويرأس الرئيس الجديد مجموعة شركات أسستها عائلته باسم “أبيكور”، وهي مجموعة متعددة النشاطات (سياحة وصناعة، من بينها صناعة الإسمنت…)، لذا فإن موقعه الطّبَقي يضعه في صف أعداء الطبقة العاملة والكادحين والفُقراء، في بلده أو خارجها…

احتلت إسبانيا، جزيرة “هسبنيولا” (هايتي والدومينيكان، حاليا) منذ سنة 1492، وتداول عليها الإستعمار الإسباني والفرنسي (بداية من 1795) والأمريكي (بداية من 1905، بذريعة “حماية قناة بنما”)، وتعد جمهورية الدومنيكان ثاني أكبر دولة في منطقة بحر الكاريبي، بعد “كوبا”، وتُقدّر مساحتها بنحو 64,44 ألف كيلومتر مربع، ويسكنها نحو 11 مليون نسمة، من بينهم 7,5 ملايين مُسجّلين في القائمات الإنتخابية، وهي أيضًا ثاني أكبر اقتصاد في منطقة البحر الكاريبي، بدخل فردي سنوي يُعادل تسعة آلاف دولارا، وكان الإقتصاد يعتمد على قصب السّكّر، ثم تحول، خاصة منذ عقد سبعينيات القرن العشرين، إلى الإعتماد على قطاعات الخدمات والسياحة (تُشغل السياحة، حوالي 15% من قُوة العمل، لكنها وظائف موسمية وهشة)، ويتميز هذا الإقتصاد بانتشار الفساد الذي تُغَطِّيه الولايات المتحدة، عبر لجوء الفاسدين إليها، ورفضها تسليمهم للقضاء في بلادهم، وبارتفاع نسَب البطالة والفُقر، ما اضطر حوالي 1,5 مليون مواطن إلى الهجرة نحو الولايات المتحدة، ويُرسلون إلى أُسَرهم تحويلات تُقدر بنحو 10% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد، ويتميز الوضع أيضًا بعُمْق الفَجْوة الطّبقية بين الأثرياء (ومنهم الرئيس الجديد “لويس ابي نادر”) والفُقراء، ورغم تطور نظام الإتصالات وكل ما من شأنه اجتذاب السّائحين، يَشْكو السكان من سوء البُنية التّحتية ومن عدم توفّر الكهرباء ومياه الشُّرْب، والصرف الصحي، بسبب سوء حال الشبكات، خاصة في المناطق الشعبية، او في مناطق السّكن “العَشْوائي”، أما المناطق السياحية، حيث تنتشر ملاعب “الغولف”، فإنها “جُزُر” معزولة عن واقع البلد، حيث تنتشر الوظائف الهشة والدّعارة، كما نشطت تجارة العقارات، حيث يشتري الأجانب الأراضي والمباني في الجزيرة، ما يزيد من حجم الفساد الحكومي، ومن هيمنة الشركات الأجنبية على الإقتصاد، ومن تعميق الهوة بين الأثرياء والفقراء.

وصفت الصحف البريطانية برنامج الرئيس الجديد لجمهورية الدومينيكان “لويس أبي نادر”، بأنه “مشروع نموذجي لرئيس نموذجي”، وتضمن هذا البرنامج “النموذجي”، وعودًا بالمزيد من القوانين والإجراءات التي “تُحفِّزُ السّوق والتجارة الحرة ومناخ الإستثمار، وزيادة عدد المناطق الحرة (وهي عبارة عن مُستعمرات تشرف عليها تُديرها الشركات الأجنبية، العابرة للقارات)، ووعد بالمزيد من “الانفتاح الاقتصادي”، وحرية دخول وخروج رؤوس الأموال، وتقديم المساعدة التقنية، والاستشارات التجارية والقانونية المجانية للمستثمرين، في كافة القطاعات، بما فيها الزراعة والعقارات، مع إعفاء رأس المال الأجنبي المستثمر من كافة أنواع الضريبة (ضريبة الدخل، وضريبة القيمة المُضافة) لمدة عشرة سنوات، والإعفاء من الرسوم الجمركية، وعلى مستوى القطاع الحكومي، وَعَدَ بخفض عدد الموظفين الزائدين عن الحاجة، في المؤسسات الحكومية…” وتتردّد هذه الخطط والعبارات بكثرة في تقارير البنك العالمي وصندوق النّقد الدّولي، بينما تطالب الكادحة والفقرية من الشعب بتخفيف ضغوطات الحياة، ومعالجة الأزمة في مجالات التشغيل والسكن والرعاية الصحية والكهرباء والمياه والصرف الصحي…

هذا ما لم تذكره معظم الصحف العربية وغير العربية، بمناسبة انتخاب رئيس لم يقع التركيز سوى على “أصله اللبناني”… 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.