الطاهر المعز:

غسان كنفاني، نموذج “المُثَقّف العضوي، المُشتبك” ( *)

09 نيسان/ابريل 1936 ( عكّا – فلسطين )

08 تموز/يوليو 1972 (بيروت – لبنان)

الطاهر المعز

كان عمره 17 سنة عندما انضم، سنة 1953، إلى حركة القوميين العرب، بعد لقائه بجورج حبش، وعندما تأسست الجبهة الشعبية أصبح عضو المكت​​ب السياسي والناطق الرسمي باسمها الجبهة، ورئيس تحرير مجلة الهدف، ويقول رفاقه أنه كان يعمل أكثر من عشر ساعات يوميا، وكان كثير التدخين، رغم مرض السّكّري و”النقرس”، ما يضطره للبقاء في المستشفى أيامًا.

عمل مُدرّسًا في الكويت (1955)، ومحررًا في صحفها، وكتب هناك أول قصصه القصيرة “القميص المسروق” (نالت جائزة)، وفي لبنان كان، بداية من 1960، مُحررا في مجلة “الحرية” اللبنانية، و”الأنوار” و”الحوادث” ورئيس تحرير مجلة “المحرر”…

نشر روايته “أرض البرتقال الحزين” عام 1963، وكذلك “موت السرير رقم 12″، وهي مُستوحاة من إقاماته القصيرة في المستشفى، بسبب مرض السّكّري، وفي نفس السنة (1963) نشر أيضًا رواية “رجال تحت الشمس” (تحولت إلى شريط سينمائي بعنوان “المَخْدُوعُون” )، وهي مُستوحاة من عودته من الكويت إلى دمشق، في شاحنة قديمة، عبرت الصحراء، وأَلْحَق بها “ما تَبَقّى لكم” .

بدأ الفكر السياسي أكثر تبلورًا في رواية “عالم ليس لنا” (1965)، وكان عمره 29 سنة، وكانت رواية “أم سعد” (1969) قمة في الإبداع والتقدير للأم – المرأة الفلسطينية، وظهر عُمْق التفكير في جوهر القضية الفلسطينية في رواية “عائد إلى حيفا” سنة 1970، وهي مستوحاة من روايات المُهَجّرين من حيفا إلى يافا، وتحولت إلى مسلسل سُوري.

كتب غسان كنفاني (بتوقيعه أو بأسماء مُستعارة، منذ 1955) العديد من الروايات الأخرى، نُشر بعضها بعد اغتياله، واستشهد قبل إنهاء البعض الآخر (روايات “الأعمى والأطرش” و”العاشق” و”برقوق نيسان”. ) وكتب ورَسَم للأطفال، كما كَتَبَ المسرحيات، والبحوث الأدبية، والكتب السياسية، ارتباطًا بالقضية الفلسطينية (ثورة 1936)، ومكّن القارئ العربي من اكتشاف “شعراء الأرض المحتلة”، في كتابه الذي يحمل نفس العنوان، وهو أول من كتب عن الأدب الصهيوني، وكان رسّامًا ماهرًا، وصَمّم ورسَم العديد من المُلْصقات الشهيرة للجبهة الشعبية، وكان ذات مرة في مخيم “عين الحلوة” في لبنان، ولفتت انتباهَهُ رُسُوم على جدران المخيم، فطلب مقابلة الرسام، وكان اللقاء مع المُراهق “ناجي العلي”، وأخذ منه بعض الرّسُوم التي نَشَرَها في مجلّة “الحرية”، وهكذا تمكّن العالم من اكتشاف أحد أكبر رسامي الكاريكاتور، واكتشاف “حنظلة”، ومات كلاهما مُغتالاً، غسان كنفاني بتفجير سيارته، سنة 1972، وناجي العلي بمسدس في وضح النهار في لندن، في نفس هذا الشهر من سنة 1987…  

أعدّت حكومة الكيان الصهيوني قائمة قيل أنها تحتوي حوالي مائة من المُثقّفُين والأدباء والصحافيين الفلسطينيين (وبعض العرب الآخرين) بهدف اغتيالهم، وكان غسان كنفاني من بينهم، بسبب قُدْرَتِهِ على الحديث مع الأجانب (كان يتكلم ست لغات) وإقناعهم بعدالة القضية الفلسطينية، وبسبب كتاباته ومعرفته بالعَدُوّ، وسُمّيت تلك القائمة “قائمة “غولدا مائير” (رئيسة وزراء الكيان الصهيوني آنذاك)، ونُسب لها تعلق على اغتيال غسان كنفاني: “اليوم تخلّصنا من كتيبة فِكْرية، كانت تُشكل خطرا يفوق خطر لواء مسلّح”   

يُقَدّر عدد الكتب التي نشرها بنحو 18 كتابًا، وعدد غير معروف من المقالات، وتُرْجِمت أعمال كنفاني إلى 17 لغة، وانتشرت في 20 دولة، غير عربية، ونالت جوائز، منها في حياته ( سنة 1966) جائزة أصدقاء الكتاب في لبنان، عن روايته “ما تبقى لكم”، والبقية بعد استشهاده، ومنها جائزة منظمة الصحافة العالمية، سنة 1974، وجائزة اللوتس سنة 1975، وَوِسام القُدس سنة 1990…

نُسِبَتْ له العديد من الأقوال، التي كتبها في مؤلفاته، ومن بينها:

في صفاء رؤيا الجماهير تكون الثورة جزءًا لا ينقسم عن الخبز والماء وأكف الكدح ونبض القلب.

إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية فالأجدر بنا تغيير المدافعين لا القضية.

إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت..إنها قضية الباقين …

لقد حاولوا أن يذوبوني كقطعة سكر في فنجان شاي ساخن، وبذلوا -يشهد الله- جهدًا عجيبًا من أجل ذلك، و لكنني مازلت موجودًا رغم كل شيء.

في الوقت الذي كان يناضل فيه بعض الناس ويتفرج بعض آخر، كان هناك بعضٌ آخر يقوم بدور الخائن…

إن الجلوس مع العدو -حتى في استديو تلفزيوني- هو خطأ أساسي في المعركة، وكذلك فإنه من الخطأ اعتبار هذه المسألة مسألة شكلية.

يسرقون رغيفك ثم يعطونك منه كسرة، ثم يأمرونك ا تشكرهم على كرمهم، يا لوقاحتهم.

أنا أعرفُ أَنكَ ذَات يوم سَتُدْرِكُ هذه الأشياء، وتدرك أن أكبر جريمة يمكن لأي إنسان أن يرتكبها، كائنًا من كَان، هي أَن يعتقدَ ولو للحظة أن ضعف الآخرين وأخطاءهم هي الَّتي تشكل حقه فِي الوجُودِ على حسابهم، وهي الَّتي تبرر له أَخطاءه وَجَرَائِمه.

لا شيء، لا شيء أبدًا، كنت أتساءل فقط، أفتش عن فلسطين الحقيقية، فلسطين التي هي أكثر من ذاكرة، أكثر من ولد، وكنت أقول لنفسي: ما هي فلسطين بالنسبة لخالد؟ إنه لا يعرف المزهرية، ولا الصورة، ومع ذلك فهي بالنسبة له جديرة بأن يحمل المرء السلاح ويموت في سبيلها… لقد أخطأنا حين اعتبرنا أنّ الوطن هو الماضي فقط، أما خالد فالوطن عنده هو المستقبل، وهكذا كان الافتراق، عشرات الألوف مثل خالد لا تستوقفهم الدموع المفلولة لرجال يبحثون في أغوار هزائمهم عن حطام الدروع وتفل الزهور، وهم إنما ينظرون للمستقبل، ولذلك هم يصححون أخطأنا، وأخطاء العالم كله.

(* ) تَعُود “براءة اختراع” مُصطلح “المُثَقّف المُشتبك” للرفيق والصّديق “عادل سمارة”، واستخدم الشهيد “باسل الأعرج” ( 1984 – 2017 ) هذا المُصطلح في كتاباته، ونسبه “لصاحبه”.  

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.