تونس، انتفاضة البُؤساء في تطاوين، الطاهر المعز

تطاوين مدينة يقطنها حوالي 70 ألف نسمة وتقع على بعد 600 كيلومتر جنوب العاصمة تونس. تنتج الولاية (المحافظة) حوالي 40% من النفط و20% من الغاز في تونس، لكن معدل البطالة مرتفع للغاية ويُقدّر بحوالي 30%، من جهة أخرى، ونظرًا لوجود حقول النفط، ولقُرْب المنطقة من الحدود الليبية والجزائرية، فإنها منطقة عسكرية معلنة في بعض مناطقها، وغير معلنة في مناطق أخرى، وبها قاعدة عسكرية أمريكية، للطائرات الآلية (درونز)، ضمن برنامج “أفريكوم” العسكري الأمريكي في إفريقيا.

هي منطقة مُهْمَلَة من قِبَل الدّولة، منذ 1956، ولم يتغير وضع سُكانها بعد 2011، رغم النسبة الهامة من الأصوات التي يحصل عليها الحزب الحاكم (النهضة، الإخوان المسلمون) في الإنتخابات، وسبق للشباب المُعطّلين عن العمل، في المدن الأكثر تأثراً بتلوث إنتاج النفط والغاز، تنظيم حركة احتجاجية، دامت قرابة الشّهْرَيْن، سنة 2017، في محطة ضخ النفط ب”الكامور”، وسط الصحراء، ودعم السّكان بكثافة هذا الاحتجاج ضد البطالة والفقر، كما دعمها الإتحاد العام التونسي للشغل (نقابة الأُجَراء)، خصوصًا بعد قَتْل رجال الدرك متظاهرًا خلال مسيرة، وكانت تلك القطرة التي أفاضت الكأس، فتوسّعت انتشرت الحركة إلى النقابيين والمدن الأخرى في الجنوب، وأجبر “اعتصام الكامور” الحكومة ( ائتلاف الإخوان المسلمين والدستوريين) على التفاوض والتوقيع مع النقابات على اتفاقية تنص على توظيف 1500 عاطل عن العمل في مواقع النفط و 3500 في الأنشطة الأخرى ذات الصلة، بالإضافة إلى وعود “بمساعدات تنموية حكومية بقيمة تُعادل 30 مليون دولار” …

لم تًفِ الحُكومة بوعودها، كما هو الحال إثر احتجاجات أخرى، في أجزاء أخرى من البلاد، وبعد ثلاث سنوات، يضطر المُعطّلون عن العمل إلى العيش عبر العمل في الإقتصاد الموازي، وتهريب وبيع بعض السلع من ليبيا، ما أدّى إلى انطلاق حركة احتجاجية، يوم الثالث والعشرين من شهر حزيران/يونيو 2020، وتنفيذ إضراب عام في المؤسسات العمومية، وفي السابع من تموز/يوليو 2020، قُتل “مهرب” شاب، برصاص الجيش، في منطقة الحدود الواقعة تحت المراقبة العسكرية، ما أَجّج الغضب والإحتجاجات ضد هذا الاغتيال وضد الحكومة التي لم تحترم بُنُود الاتفاقية الموقعة مع النقابات سنة 2017، وحاول الشباب يوم الخميس 09 يوليو إغلاق محطة الضخ نفسها في “الكامور”، حيث أقاموا خيمة اعتصام، كما فعلوا قبل ثلاث سنوات، ما اضطر الحكومة إلى إرسال ممثل لها، للتفاوض مع وفد من المحتجين مُباشرةً (بدل التفاوض مع الإتحاد العام التونسي للشغل، أو المنظمات “غير الحكومية”)، ويبدو أن الحكومة لا تقترح شيئًا، وهي غير قادرة على اقتراح أي حل، عَدَا القمع، وما المفاوضات سوى وسيلة لربح الوقت، لأن نموذج التنمية الذي تنتهجه الحكومات المتعاقبة منذ 1956، يُهمل المناطق الواقعة خارج ساحل البحر الأبيض المتوسط، فهو نموذج يُعَمِّقُ الفجوة الطبقية، والفوارق بين مختلف مناطق البلاد، كما أدّى تطبيق هذا النّموذج، بإشراف صندوق النّقد الدّولي والبنك العالمي، إلى وضع اقتصادي كارثي، يرتهن للخارج، وتتوقع الحكومة حدوث ركود بنسبة -6% (نمو سلبي) سنة 2020، فيما يصل الدين الخارجي إلى 82% من الناتج المحلي الإجمالي، ووصلت عائدات السياحة والصادرات وتحويلات التونسيين العاملين بالخارج إلى أدنى مستوياتها، بسبب تأثيرات انتشار وباء “كوفيد 19″…  

تشابهت شعارات الحركة الإحتجاجية لسنة 2020 مع شعارات 2017، ما يُشير إلى استقرار الوضع السيء، أو ربما تعفّنه، ونشر مواطنو مدينة “رمادة” (منطقة حقول نفط وثكنات عسكرية)، أشرطة فيديو تُظْهِرُ المتظاهرين يُرَدِّدُون شعارات ضد الحكومة، ومنها “إما العيش بكرامة أو الموت”، وتصدرت النساء، منهن مُسنات، العديد من المُظاهرات (كما في منطقة “الحوض المنجمي” بالوسط الغربي، سنة 2008)، مُنَدّدات بارتفاع نسبة البطالة، وبتهميش محافظة “تطاوين”، ما يضطرّ جزءا من سكان جنوب البلاد للإسترزاق من تهريب السلع على حدود تونس مع الجزائر وليبيا، ونَظّم سُكّان مدينة “رمادة” يوم السبت 11 تموز/يوليو، مظاهرة حاشدة، تلاها اعتصام أمام مبنى البلدية، وطَالبَ المُتظاهرون والمتظاهرات بالإستثمار في مشاريع تنموية، وبوضع حد للتهميش وللحصار العسكري، والمضايقات والتّسلّط، بالإضافة إلى ما يُعانيه سكّان المنطقة، مثل باقي سُكّان البلاد، من ارتفاع الأسعار والفقر والبطالة…

تواصلت المظاهرات، حتى كتابة هذه الفقرات (يوم الأحد 12 تموز/يوليو 2020)، فيما تشن وسائل الإعلام الرسمية والمُقرّبة من الإخوان المسلمين وحلفائهم حملة تشويه وتخوين مواطني هذه المنطقة، وأعلن رئيس بلدية مدينة “رمادة” النفطية (في أقصى الجنوب): “إن شباب هذه المدينة لم يخْتَرْ العيش من التجارة غير النظامية، بل اضطر إلى ذلك، بحكم غياب أي فُرصة عمل، وبسبب الإهمال والتّهْمِيش الذي تعاني منه المنطقة، بشكل عام…

أظهرت الإحتجاجات العديدة، بمناطق الجنوب والغرب في البلاد، غياب برنامج بديل للسياسات التي انتهجتها حكومات فترة الحبيب بورقيبة (1956 – 1987) وفترة زين العابدين بن علي ( 1987 – 2011)، إذ لا يمتلك الإخوان المسلمون، الذين يحكمون البلاد منذ 2012، برنامج تنمية أو بناء اقتصاد وطني مُنْتِج، بل أظْهرت قيادات الإخوان المسلمين براعةً فائقة في السرقة والإبتزاز، ونهب المال العام وثروات البلاد، وبرعت هذه القيادات في الدفاع عن مصالح الشركات الأجنبية العابرة للقارات، بدعم من صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي، فتضاعفت قيمة الدّيُون الخارجية، وارتفعت نسبة البطالة والفقر، وارتفعت الأسعار بشكل جُنُوني، خاصة بعد انهيار سعر صرف الدّينار التونسي، مقابل الدّولار واليورو، وفتحت القيادات الإخوانية الباب أمام الشركات التركية التي تبيع الإنتاج التركي في محلات شبكات المتاجر التركية، ما أدّى إلى إفلاس المنتجين وصغار التجار التونسيين…       

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.