نماذج من الوضع الإقتصادي، خلال النصف الأول من سنة 2020، الطاهر المعز

تشير عبارة “أزمة” إلى وضع طارئ ومُؤَقّت، وقصير زَمَنِيًّا، قبل العودة إلى الوضع السّابق، الذي يُفْتَرَضُ أنه وضع “ازدهار”، أي عكس “الأزمة”، لكن العُمال والأُجَراء ومجمل الحرفيين وصغار المنتجين يلاقون صعوبات مالية ومَعيشية مُسْتَمِرّة، ولا تعود الأزمة الحالية إلى انتشار جائحة “كوفيد 19″، بل إن أزمة 2008 مُستمرة، رغم التخفيف من حِدّتها، بفضل المال العام الذي مَنحته المصارف المركزية والحكومات للشركات الكبرى، “بسخاء” لغاية سنة 2014 (سخاء الرأسمالي بمالِ غَيْرِهِ)، وعندما بدأت تنخفض وتيرة ضخ السيولة، أو ما سُمِّيَ “سياسة التّيْسِير النقدي” (وهو تيْسير للأثرياء وتَعْسير للفقراء)، عادت معه بوادر الكساد، لكن بِبُطْءٍ، فانخفض حجم المبادلات التجارية العالمية، وتأثّر الناتج الإجمالي العالمي، و يتوقع صندوق النقد الدولي (بداية شهر تموز/يوليو 2020) أن ينكمش الاقتصاد العالمين سنة 2020، بنسبة 4,9%، بعد أن توقع (نيسان/ابريل 2020) انكماشا بنسبة 3%، ونُشير أن نمو الناتج الإجمالي، المحلي أو العالمي، لا ينعكس إيجابًا على الأُجَراء والفُقراء، فالنّمُو لا يعني التّنْمِية، ولا يعني توزيع ثمرة النّمُو بشكل عادل، كما لا يعني استفادة المُنْتِجِين من ثمرة إنتاجِهِم…

نشرت منظمة الصحة العالمية تقريرًا في بداية تموز/يوليو 2020، مفاده “إن أسوأ مراحل جائحة كوفيد 19 لم تحل بعد”، رغم العدد المرتفع للضحايا، ورغم النتائج السّلبية للإقتصاد العالمي، التي نُشرتْ بنهاية الرُّبع الثاني من سنة 2020، وتتوقّع تقارير المُنظّمات المُمَثِّلَة للرأسمالية المُعَوْلَمَة أن يلاقي الإقتصاد العالمي صُعوبات في طريق التّعافي، والتعافي لا يعني، في لغة صندوق النقد الدّولي، تحسُّن وضع الأُجَراء والفُقراء، وإنما ارتفاع أرباح الشركات، والأثرياء والمَصارف والمُضاربين، ومن يُطلق عليهم خُبَراء الصندوق صفة “المُسْتَثْمِرِين”…  

فيما يلي عرض انتقائي للوضع في بعض الدول العربية، كما في الولايات المتحدة، كقاطرة للرأسمالية في مرحلة الإمبريالية وفي حقبة ما يُسمّى “العَوْلَمَة”:

في المغرب، بلغ معدل نمو الإقتصاد نسبة 3%، سنة 2018، وفي شهر تموز/يوليو 2019، أي قبل سنة من إعداد هذه الوَرقَة، توقع صندوق النقد الدّولي تراجع معدّل النمو، بناءً على جملة من المؤشرات والبيانات، ويلعب الصندوق دورًا هامًّا في تقديم القروض، وفي ضمان قُرُوض الدولة، ويشترط جملة من الإجراءات التي تزيد من حدة الفوارق الطبقية، وترفع نسبة البطالة والفقر، ولكن تقريره (تموز 2019) يدعو الحكومة (الإخوانية) إلى “اعتماد نموذج تنموي يستهدف تقليص الفوارق الاجتماعية، يتسع لأكبر عدد من المواطنين ويكون مبنياً على القطاع الخاص، وخفض الضرائب على أرباح الشركات، ومبنيًّا على تحرير العُملة، وعلى خفض حجم الرواتب وخفض عجز الموازنة، البالغ 3,7%…” ألم يفرض صندوق النقد الدولي “نموذج التنمية” الذي ينتقده، بل يرفض الصندوق تقديم أقساط القُرُوض للحكومات إذا لم تُطبق سياسات التقشف وخفض الإنفاق الحكومي، وتسريح الموظفين، وخصخصة ما تبقّى من القطاع العام.

يعتمد اقتصاد المغرب، مثل العديد من بلدان “الجنوب” على استخراج المعادن (خاصة الفوسفات) وعلى الزراعة، بهدف تصدير الإنتاج إلى أوروبا والخدمات والصناعات التحويلية، وانخفض الإنتاج الزراعي سنة 2018، بسبب الجفاف، وارتفعت أسعار المواد الغذائية، وانخفض نمو قطاع الخدمات، مع انخفاض عائدات السياحة وحجم تحويلات العمال المهاجرين، والإستثمارات الأجنبية (بنسبة 45%، سنة 2019) فانخفض حجم احتياطي النقد الأجنبي إلى حوالي 24,4 مليار دولار، وبلغ المعدّل الرسمي للبطالة 10,5% وهو في الواقع أعلى من ذلك، بالإضافة إلى توسع نشاط الإقتصاد الموازي، ليصل إلى نحو 50% من حجم الناتج المحلي الإجمالي…

يُعتَبَرُ اقتصاد المغرب، كما اقتصاد معظم الدول العربية، تابعًا، وغير متوازن، ومرتهنًا لعوامل خارجية غير مُستقرة، وهشّة، وأدّت السياسات الإقتصادية التي يفرضها صندوق النقد الدولي والبنك العالمي إلى زيادة الفوارق بين الطبقات ومن الفقر ومن تدهور ظروف الحياة، ومن غياب الفئات العدالة الاجتماعية، ما يدفع آلاف الشباب للهجرة غير النظامية، عبر المناطق المُحتلة (سبتة و مليلة)، وعبر مضيق جبل طارق، أو عبر جُزُر الخالدات.

أشارت تقارير المصرف المركزي والمندوبية السامية للتخطيط وبيانات البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة (بحسب وكالة رويترز 06 تموز/يوليو 2020) إلى ارتفاع نسبة الفقر سنة 2019، ليعاني 45% من “الحرمان الشديد”، بالإضافة إلى تَعَرُّض 13% من السّكّان الآخرين “للفقر متعدد الأبعاد” (الأمية وضُعف مستوى التعليم، والحرمان من الرعاية الصحية ومن غياب السكن اللائق…)، وإلى احتمال ارتفاع نسبة الفقر، خلال سنة 2020، لتتجاوز 45% المُسجّلة سنة 2019، فيما تستمر حكومة ائتلاف الإخوان المسلمين وحلفائهم في الاعتماد على الاقتراض طويل المدى (حوالي ثلاثين سنة) لتمويل عجز الميزانية، لتفوق نسبة الدّيْن الحكومي 82% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يرهن مستقبل الأجيال القادمة، وتتوقع البيانات الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط انكماش الاقتصاد بنسبة 13,8% بنهاية حزيران/يونيو 2020، وبنسبة 4,6% على أساس سنوي، وبلغت نسبة فوائض الديون حوالي 15% (أو أكثر من سبعة مليارات دولارا) من إجمالي النفقات الحكومية، واقترضت الحكومة من الخارج حوالي 3,5 مليار دولارا، سنة 2019، وقدّرت ميزانية سنة 2020 (التي وقع إعدادها سنة 2019) حاجة الحكومة إلى قُروض بقيمة خمسة مليارات دولارا، لسد العجز الناتج عن انخفاض العائدات…

في الجزائر (الدولة النفطية الوحيدة ضمن هذه العَيّنة من الإقتصادات العربية)، تزامنت الذكرى الثامنة والخمسين للإستقلال (05 تموز/يوليو 2020) مع انتشار وباء “كوفيد 19″، ما فاقم الأزمة الهيكَلِية للإقتصاد الرّيعي للبلاد، ومع انخفاض تاريخي لأسعار النفط الخام، إذ وقع بناء ميزانية سنة 2019 على أساس سعر خمسين دولارا للبرميل، وميزانية 2020 على أساس ثلاثين دولارا للبرميل، وبما أن الميزانية تعتمد على إيرادات المحروقات، يؤدّي انخفاض سعر النفط إلى انخفاض إيرادات الدولة، وإنفاقها، وإلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي، وأعلنت الحكومة الجزائرية عددًا من إجراءات خفض الإنفاق، ورفع الأسعار، وفرض ضرائب جديدة…

قَدّر البنك العالمي تَرَاجُعَ دخل الفرد في الجزائر بمعدل 90 دولارا أو ما يعادل 2,21% سنة 2019، ويتوقع أن ينخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي سنتيْ 2020 و 2021 “بِنِسَبٍ كبيرةٍ”، بحسب التقرير (كانون الثاني/يناير 2020)، وبذلك انتقل تصنيف الجزائر، ضمن البلدان متوسطة الدّخل، إلى درجة أدْنى، ويعتمد تصنيف البنك العالمي (على أساس القيمة الحقيقية للدولار) عددًا من البيانات التي تخص النمو الاقتصادي ونمو السكان ونسبة التضخم وسعر الصرف وغيرها، وهو تصنيف مبني على أساس نتائج 2019، قبل انتشار وباء “كوفيد 19”.

أشار تقرير آخر للبنك العالمي، نُشر في بداية نيسان/ابريل 2020 إلى ارتفاع نسبة التضخم إلى 9% وارتفاع نسبة البطالة، ونسبة الفقر من 24% سنة 2014، سنة أسعار النفط، إلى 15 مليون شخص، أو نحو 38% متوقعة سنة 2020، والتحاق حوالي 10% من السكان بدائرة الفقر، خلال العام الحالي، بسبب تدهور الوضع جراء “كورونا” وجراء الإحتجاجات التي استمرت عاما كاملا، وتعطيل الحياة الإقتصادية الاجتماعية، ما زاد من صعوبات الفُقراء والمُهَمّشين والعاملين… (راجع مقال عن استقلال الجزائر بتاريخ 05 تموز/يوليو 2020، حيث وردت العديد من البيانات الأخرى).

في مصر، وفي الذكرى السابعة لاختطاف قيادات الجيش الحركة الجماهيرية، والإلتفاف على المطلب الشعبي “وضع حد لحكم الإخوان المسلمين”، في الثلاثين من حزيران/يونيو 2013، نشرت وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب 05 تموز/يوليو 2020) تعليقًا مُطولا عن خبر إعلان الحكومة المصرية عن اكتشاف شركة “إيني”، الإيطالية للطاقة ( بالشراكة مع “توتال” و “بي بي” )، حقل غاز جديد، بالمياه الإقليمية المصرية (البحر الأبيض المتوسط)، وهو ليس الإكتشاف الأول الذي يتبجّح النظام المصري به، منذ سنة 2015، بعد أن باع الغاز للصهاينة، لعدة سنوات، بأقل من ثمن تكلفة الإنتاج، فيما ارتفع ثمن المحروقات التي يحتاجها المواطن، وأعلنت وسائل الإعلام المصرية أن مصر تنتج 7,2 مليار قدم مكعبة من الغاز، يوميا، ما أتاح تحقيق الإكتفاء الذاتي منذ سنة 2018، وتصدير ما زاد عن حاجة البلاد بحجم 1,4 مليون طن سنة 2018، و 3,5 مليون طن (مكافئ نفط)، سنة 2019، أو ما يعادل 1% من صادرات الغاز العالمية، سنة 2019، وتتوقع شركة “إيني” اكتشاف كميات أخرى كبيرة، ولذا قررت استثمار عشرة مليارات دولارا، وقدرت الشركة احتياطي حقل الغاز “ظهر” الذي اكتشفته في آذار/مارس 2015، بالبحر الأبيض المتوسط، بما يُعادل 5,5 مليارات من مُكافئ برميل النفط (يقاس الغاز بالمتر أو القدم المُكعّبة، ويقع “تنظيره” في مقاربة لتقدير المقابل من النفط)…

تبجّحت الحكومة “بسد حاجة  الاستهلاك المحلي والتوسع في استخدام الغاز، وتقليل الاعتماد على المصادر الأخرى مثل الكهرباء أو النفط”، بحسب وزير سابق للنفط، وبالفعل، تمكنت الدولة من توفير ثمن توريد الغاز ( أربعة مليارات دولارا سنويا)، وحققت إيرادات إضافية من الصادرات، لكنها، وللمفارقة، خفضت دعم المحروقات بنحو ستة مليارات دولارا، فارتفعت أسعارها بنسبة فاقت 400% خلال خمس سنوات من حُكْم المُشير عبد الفتاح السيسي، وفي الأثناء زادت نسبة الفقر، ليصبح ثُلُثُ الشعب المصري تحت خط الفقر، وحوالي 70% في حالة فقر، وتُصدّر مصر سنويا آلاف العاملين إلى الخليج وإلى أوروبا، وغيرها، وتستفيد الحكومة من تحويلات 11 مليون مغترب، التي تجاوزت قيمتها 26 مليار دولار، سنويا، أو ما يُعادل 8,8% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر.

 في السودان، انطلقت انتفاضة المواطنين، بداية من 19 كانون الأول/ديسمبر 2018، احتجاجا على رفع سعر العديد من السلع الأساسية، منها الوقود والحبوب والخبز، في ظل انخفاض قيمة الجُنيه السوداني، من 6,9 إلى 18 جنيها مقابل الدولار الأمريكي، وارتفاع نسبة التضخم إلى حوالي 70%، وأطاحت هذه الإنتفاضة التي استمرت حوالي أربعة أشهر، بالرئيس الجنرال “عُمر البشير” الذي نظم انقلابا سنة 1989، وبعد أكثر من سنة من ذلك التاريخ، لا يزال بعض أركان النظام السابق يُشاركون (عبر ائتلاف غير متجانس) في حكم البلاد، ولا يزال وضع الإقتصاد والمواطنين سيئًا، إذ تعاني البلاد منذ تموز 2011 (انفصال الجنوب) من فقدان أكثر من 75% من إيرادات النفط، المتواجد في الجنوب، وفقدت ميزانية الدولة أكثر من 80% من موارد النقد الأجنبي، وتحاول الحكومة الإنتقالية (التي غرقت في وحل العلاقات مع الإمارات، وفي التطبيع العَلَني مع الكيان الصهيوني)، إلغاء إسم السودان من قائمة “لائحة دعم الإرهاب”، وإلغاء “العُقوبات الأمريكية، المفروضة منذ سنة 1997 (وهي لائحة أمريكية، تؤدّي إلى فرض عقوبات، وتطبقها دول العالم الأخرى)، واجتذاب الإستثمارات الأجنبية، تحويلات العاملين بالخارج، الذين يُقَدَّرُ عددهم بنحو ستة ملايين، أو ما يعادل 15% من العدد الإجمالي لسكان البلاد، لكن هذه التحويلات، المُقدّرة بحوالي 4,5 مليارات دولارا، سنويّا، تأتي إلى الأُسَر عبر السوق الموازية، وليس عبر القنوات المصرفية النظامية، بسبب الفرق المُتزايد بين سعر الصرف الرسمي (55 جنيها مقابل الدولار) وسعر السوق الموازية (130 جنيها مقابل الدولار)، عند كتابة المَقال، ويمكن لهذه التحويلات، لو تَمّتْ عبر القنوات الرسمية، أن تُعزز احتياطي البلاد من النقد الأجنبي، وتُغطي أكثر من 35% من قيمة واردات البلاد…

ورثت الحكومة الإنتقالية أيضًا دُيُونًا ضخمة، عجز نظام عُمر البشير عن تسديدها، بلغت 62 مليار دولارا، أو ما يعادل 190% من حجم الناتج المحلي الإجمالي، وأدى العجز عن التسديد إلى رفع قيمة “خدمة الدّيْن”، وتحاول الحكومة التي يرأسها “عبد الله حمدوك” (موظف سابق في المؤسسات المالية الدّولية) التفاوض مع الدّائنين، وفق بيانات الحكومة، التي أوردتها وكالة “رويترز”، يوم السادس من تموز/يوليو 2020، للتوصّل إلى حل، “بالتعاون مع صندوق النقد الدولي والبنك العالمي”، اللَّذَيْن يشترطان “إصلاحات اقتصادية”، مثل تلك التي تُطبقها جميع الدّول المُقْتَرِضَة.

ورد في تقرير للبنك العالمي (نيسان/ابريل 2020) أن حجم الاحتياطي النقدي لا يتجاوز 1,4 مليار دولار، أو ما يعادل واردات ستين يوما فقط، وأن نسبة التضخم بلغت 60% بنهاية سنة 2019، و81,4% بنهاية الرُّبع الأول من سنة 2020، بسبب ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية والمشروبات، وارتفعت أسعار الغذاء، والنقل وإيجار المسْكن، لترتفع نسبة التضخم إلى 98,8% في شهر نيسان/ابريل 2020، ولتتجاوز 114,2% بنهاية شهر أيار/مايو 2020، وفق الجهاز المركزي للإحصاء، فيما يعاني الاقتصاد السوداني من الإنكماش الذي بلغت نسبته 2,5% سنة 2019، ومن العجز المُزمن، الذي يُقدّر بنحو 7,8% من الناتج المحلي الإجمالي لسنة 2020، وأعلنت وزارة المالية (03 تموز/يوليو 2020) أن مستوى الدين الخارجي بلغ 190% من قيمة الناتج المحلي الإجمالي، وهو أحد أعلى المعدلات العالمية.

تستحوذ الشركات التابعة للأجهزة الأمنية والعسكرية على جزء هام من النشاط الإقتصادي، ولا تستفيد خزينة الدّولة منه، مثلما يحدث في مصر أيضًا، ومن جهة أخرى، لم تهتم حكومات السودان المتعاقبة بزراعة المساحات الواسعة من الأراضي الخصبة، وبتربية الحيوانات، ما من شأنه التخفيف من حدة تأثير العقوبات الأمريكية، وخفض قيمة استيراد المواد الغذائية، وغيرها من المشاكل التي يُعانيها سُكان البلاد، ولم يستفد السودان من قرار رفع الولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية والتجارية في تشرين الأول/اكتوبر 2017، بسبب إبقاء اسم السودان على لائحة “الدول الراعية للإرهاب”، ما حال دون إمكانية التفاوض مع الدّائنين، لتخفيف الشروط، وإلغاء الفوائد المتأخرة، كليا أو جزئيا، وعلى أي حال فإن الحكومة الحالية تبحث عن تمويلات خارجية بقيمة خمسة مليارات دولارا، ولكن عودة القُرُوض من جديد تُعيد معها الشروط المجحفة، مثل إلغاء دعم السلع الأساسية، الذي يقترحه رئيس الحكومة المؤقتة “عبد الله خمدوك”، حتى قبل الحصول على القُروض، خلافًا لما تقترحه اللجنة الإقتصادية ل”تحالف قوى الحرية والتغيير”، من إصلاح المالية العامة، والقضاء على الفساد، قبل تطبيق “الإصلاح الهيكلي” الذي يفرضه صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، والذي قد يتسبب في احتجاجات شعبية جديدة…

في الولايات المتحدة، رائدة الإقتصاد الرأسمالي العالمي، تضرر العاملون من موجات التسريح الجماعي، وتضرر الفُقراء، وحتى متوسطو الدّخل، بينما استفاد اقتصاد الريع، والمُضاربون في أسواق الأسهم من انتشار وباء “كوفيد 19″، حيث ارتفعت مؤشرات أسعار الأسهم، خلال الرّبع الثاني، بنهاية شهر حزيران/يونيو 2020، بشكل قياسي، لم يتكرر منذ العام 1998، ويوقع أن يُساعد الدّعم الحكومي في زيادة الأرباح، رغم ارتفاع معدلات الإصابة بفيروس كورونا في الولايات المتحدة، كما ارتفع معدل الإنفاق الاستهلاكي – الذي يُشكل نحو 70% من إجمالي النشاط الاقتصادي الأمريكي – بنسبة قياسية بلغت 18% بنهاية شهر أيار/مايو 2020، مقارنة بشهر نيسان/ابريل، لكن الإنفاق يكاد يقتصر على الأساسيات، وليس على الكماليات، رغم ارتفاع طلبات الرهن العقاري لشراء المنازل الجديدة، إلى أعلى مستوى لها خلال 11 سنة، خلال شهر حزيران/يونيو 2020، فيما يتوقع إغلاق حوالي 25 ألف متجر، قبل نهاية سنة 2020 (وردت هذه الأخبار في موقع شبكة سي بي أس نيوز الإخبارية الأميركية)، ورغم انتشار الوباء سمحت الدولة الإتحادية وحكام الولايات بإعادة فتح 80% من متاجر التجزئة والمطاعم الصغيرة…

يعود فضل تحقيق مكاسب اقتصاد الريع، والإقتصاد غير المُنْتِج، إلى المساعدات الحكومية للأثرياء (كما حصل خلال أزمة 2008/2009)، وتوسيع إعانات البطالة، التي ارتفعت نسبتها إلى مستوى قياسي، في شهر أيار/مايو إلى 13,3%، وانخفضت إلى 11,1% خلال شهر حزيران/يونيو 2020، خلال هذه السنة الإنتخابية، حيث قدّم قرابة 27 مليون شخص طلبات للحصول على إعانة بطالة، خلال خمسة أسابيع، ناهيك عمّن لم يتمكنوا من تقديم الطلبات، وهو أمر غير مسبوق في الولايات المتحدة، ما يزيد من حذر بعض المُحلّلين والباحثين، خصوصًا بعد نَشْرِ  بيانات الإقتصاد الأمريكي، ونمو الناتج المحلي الإجمالي، خلال الربع الأول من العام الحالي، وبعد نَشْر توقعات الإحتياطي الإتحادي ( المصرف المركزي)، بنهاية شهر نيسان/ابريل 2020، وأظْهرت هذه البيانات احتمال حصول ركود تاريخي، للإقتصاد الأمريكي، وانخفاض الناتج المحلي الإجمالي (أو انكماش) بنسبة قد تصل إلى 6,5% خلال سنة 2020، بعد عشر سنوات من النمو المستمر، وسبق أن توقّع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي (المصرف المركزي الأمريكي)، في مقابلة مع شبكة “سي بي إس”، منتصف شهر أيار/مايو 2020، احتمال انكماش الاقتصاد الأميركين بنسبة تتراوح بين 20% و 30%، وأن التباطؤ الاقتصادي قد يستمر حتى أواخر سنة 2021، ويرى الحل في مزيد توزيع المال العام، وضخ السيولة، التي يُسمِّيها “حوافز اقتصادية”، لصالح الأثرياء والشركات، بعد أن تجاوز عدد طلبات البطالة 36 مليون طلب للحصول على إعانات البطالة، وقد تصل النسبة الحقيقية للبطالة إلى 25%، بسبب ركود الإقتصاد، خاصة لدى فئات النساء والعاملين بدوام جزئي، وفي وظائف هَشّة، لتتحمل الفئات الأشد فقرًا وهشاشة، نتائج الأزمة، ويثتوقّع أن تظل نسبة البطالة مرتفعة، بينما اتفق نواب الحزبَيْن الجمهوري والديمقراطي على إضافة ثلاثة تريليونات دولارا، للأثرياء، أو ما يعادل 14% من حجم اقتصاد البلاد…

من جهة أخرى، نُذَكِّرُ أن دونالد ترامب رفع شعار “أمريكا أولاً”، وأعلن الحرب التجارية على المنافسين، ممّن كانوا يُعدّون خصوما (الصين وروسيا) أو “أصدقاء” وأعضاء في حلف شمال الأطلسي ( مثل ألمانيا)، وادّعى الرئيس الأمريكي أن الحرب التجارية سوف تُخفّض العجز التجاري الأمريكي، لكن أظْهَرَ تقريرٌ حديثٌ لوزارة التجارة (06 تموز/يوليو 2020) تراجع الصادرات الأميركية، بنسبة 4,4%ن وبلغ العجز، خلال البرع الأول من سنة 2020، أكثر من 54,6 مليار دولارا، بزيادة 9,7%، وهو أكبر عجز مَوْسمي (أو فَصْلِي) منذ إعلان الحرب التجارية، في كانون الأول/ديسمبر 2018، واستمرت العجز التجاري، خلال الربع الثاني، ولم تُنْشر النتائج، عند تحرير هذه الورقة (08 تموز/يوليو 2020)، ويُؤشِّر تراجع الطلب على الخدمات الأمريكية في مجالات “خدمات الأعمال”، والرعاية الطبية والتعليم العالين على استمرار العجز التجاري الأمريكي، لأن “تجارة الخدمات” تُشكل جزءً أساسيا من الصادرات التجارية الأمريكية، مُقابل توريد الكثير من السّلع المُصنّعة، بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال” (06 تموز/يوليو 2020)، وكدليل على فشل سياسة الإبتزاز والحرب التجارية، سجّلت صادرات السلع الصناعية والسيارات الأميركية أدنى مستوى منذ آب/أغسطس2009، و”من المُرجّح أن تظل التدفقات التجارية مقيدة بسبب ضعف النمو العالمي وانخفاض الطلب في الداخل والخارج”، بحسب تقرير وجهته شركة “هاي فريكوانسي إيكونوميس إل تي دي”، لزبائنها، في مذكرة للعملاء، “من المرجّح أن تظل التدفقات التجارية مقيدة بسبب ضعف النمو العالمي والطلب المنخفض في الداخل والخارج”.

كان الإتحاد الأوروبي (كمجموعة) أكبر شريك للولايات المتحدة، وصدّرت دول الإتحاد إلى الولايات المتحد، سنة 2019، نحو 18% من إجمالي الصادرات خارج الاتحاد الأوروبي (بقيمة 434,4 مليار دولارا، ويستورد الإتحاد من أمريكا نحو 12% من السلع التي يستوردها الإتحاد من خارج بلدانه، بقيمة 262,4 مليار دولار،  أميركي (232 مليار يورو)، بفائض تجاري لصالح الاتحاد الأوروبي بقيمة 173 مليار دولار أميركي (153 مليار يورو)، ثم سجّلت الصادرات الأمريكية نحو الإتحاد الأوروبي أكبر تراجع  لها، خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2020، بحسب مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات”، وبحسب وكالة “بلومبرغ” الأمريكية، ولذلك أعلنت الولايات المتحدة، فرض زيادة الرُسوم التي قد تصل إلى 100% على الصادرات الأوروبية، في قطاعات الغذاء والصناعات (الشاحنات والطائرات)، ما يُضاعف سعر المنتجات للمستوردين في الولايات المتحدة، وقد يمنع دخولها إلى الولايات المتحدة بالكامل…

أما بشأن التعاملات التجارية مع الصين، ورغم زيادة الصين وارداتها من الإنتاج الزراعي الأمريكي، بقيمة 200 مليار دولارا، خلال سنتَيْن، فإن التقارير الأمريكية التي نُشِرَتْ يوم الخميس 02 تموز/يوليو 2020، تُشير إلى بلوغ العجز التجاري مع الصين نحو 27,9 مليار دولارا، خلال شهر أيار/مايو 2020، ولا يزال إجمالي العجز يقارب 25% من إجمالي المبادلات التجارية بين الدولَتَيْن…

لا يَدْعو الوضع الإقتصادي العربي، ولا العالمي، إلى التفاؤل، خاصّة وأن فئات العاملين والفُقراء تتحمّل وزْرَ النتائج السّلْبِية لقرارات وإجراءات وممارسات وبرامج وخطط الحكومات والأثرياء، ولا تجني شيئًا من الفوائد، وسوف يستمر هذا الوضع مادامت هذه الفئات تفتقر إلى هيكل أو هيئة أو إطار مُوحّد (والوِحْدَة سبيل القُوّة) يدافع عن مصالحها، ويحاول تحقيق مطامحها في العدالة الإجتماعية…    

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.