أكثر من سؤال في الغام د. زلوم، عادل سمارة

سألني رفاق، وهل يستحق مقال د. زلوم كل هذا الاهتمام؟

السؤال منطقي بالطبع من حيث أن المقال ليس عميقاً، لكن ما يدفع للتوضيح هو الكشف عن بعض ما فيه من الغام مما يُشهد للكاتب بالمهارة و” التُقية”.

وهذا يجعل من اللازم اللازب الكشف عن تلكم الألغام، أو حتى عن ما تم اكتشافه كي لا تكون كالكثير من الألغام التي انفجرت في طريق النهوض العروبي فأعاقته.

أولاً: ينفي د. زلوم عن اليمن وحضرموت عروبتهما. ولا أود هنا الدخول في تفاصيل العروبة والعرب والأعاريب …الخ فقد فصلها الرفيق د. بهجت سليمان. ولكن ما يهمني هنا أن الكاتب حين ينفي عروبة اليمن وحضرموت فهو يرمي إلى تثبيت الموقف العنصري الذي يقول ان العرب لم تقم لهم حضارة سوى بعد الإسلام، هذا مع أن الإسلام هو إسلام العرب أي هو نتاج حضارتهم وقدرتهم على حمل هذه المهمة. فالمعالم الأكثر حضارية هي في اليمن، وبالتالي، حين يقتلعها الكاتب زلوم من العروبة فهو يخدم التوهيم العنصري بأن العرب لم تكن لهم حضارة لولا حملهم لرسالة الإسلام. لذا يكاد د. زلوم بأن يقول ما قاله الشعوبي أبو نواس: “ليس الأعاربي عند الله من أحدِ”. هذا مع ان هذه الاشتقاقات أو النحت اللغوي  ليست قواعد مطلقة للتركيز عليها بفصل العرب عن الأعراب. يقول المتنبي  وهو شاعر القومية العربية الأول:

(من الجآذرُ في زِيّ الأعاريبِ…. حمر الطلى والثنايا والجلابيبِ”

ولا أدري لمن يمكن أن ينسب د. زلوم الأرقام العربية لليمن أم للحجاز؟ إن هذا الشبق لنفي عروبة العرب مقصود به الطعن في القومية العربية المعاصرة مما يخدم الكيان الصهيوني بالمطلق.

كيف؟

تدمير القومية العربية يعني ضياع فلسطين بالمطلق لأن الرافعة الأساسية التي قاتلت وستقاتل حتى تحرير فلسطين هي العامل القومي العربي لأنها حضور بشري وثقافي وعقائدي مقارنة مع الإيديولوجيا الدينية السياسية /الدين السياسي أو مع التحريفية السوفييتية التي عجزت عن فهم أن العرب أمة وقوم وقومية حتى قبل عصر القوميات في المرحلة الراسمالية وأخص من تورط في ذلك ستالين الذي كان عظيماً في وطنه متخلفاً وأورومركزانياً تجاه العرب وفلسطين. ولم يتفهم العلاقة الجدلية بين العروبة والماركسية الحقيقية سوى من ينطلق من موقف فكري ميداني اي عروبة اشتراكية أو ماركسية، وهذه معضلة يصعب فهمها على كثيرين، للأسف.

وللأسف ايضا، فإن من يفهم اهمية القومية والقومية الماركسية هي الثورة المضادة ولذا يكون هدفها/تستهدف  تدمير الوطن العربي  واستخدام العدو التركي كما الصهيوني.

قد يتخيل د. زلوم ان اردوغان بطلا قوميا/إسلاميا!! لكن الرجل أداة للإمبريالية والصهيونية معا وكل ما يثرثر به عن امبراطورية تركية حتى لو بمستوى علاقات تجارية لن يكن له لأن المركز الإمبريالي لا يؤمن بتآخي اللصوص. لذا، يُطال له الحبل.

ثانيا: قرر د. زلوم تجريد قريش من عروبتها وتجريد النبي ايضا، وربما لم يجرؤ على تجريد النبي من لغته العربية أو ربما كان ليقول بأن محمدا تعلم العربية من القرآن وليس من قصي بن كُلاب أو امرىء القيس!

ولكن، لماذا فعل د. زلوم ذلك؟

المعروف بأن الخليفة يجب ان يكون عربيا، وحتى من قريش. وحين يُخرج زلوم النبي وقريش من العروبة يصبح من الطبيعي أن يكون الخليفة عثمانياً لا يعرف كلمة من العربية.

وبالطبع لا يقصد د. زلوم بهذا التشويه خدمة سليم الأول ولا السلطان عبد الحميد الذي أعدم منا  حتى شبع، ولكنه يقصد تبرير الأطماع التركية ضد الأمة العربية عبر تغطيتها ب “الخلافة”.

الذي أنهى تلك الخلافة المزورة هو اتاتورك، لكن اردوغان لم يخرج عن تراث أتاتورك.

وإذا كان العثماني خليفة، فلماذا استغل العرب وكل المسلمين حتى آخر قطرة دم؟

فالعرب، حتى الجزء الذي يقبل به د. زلوم موجود في الإسلام قبل الترك والسلاجقة، فلماذا احتلت العثمانية الوطن العربي؟ هل لنشر الإسلام بين من علَّموهم الإسلام؟ ما الفرق بين ذلك الاحتلال وداعش اليوم؟ ألا يقولون بأنهم يريدون أخذ سوريا إلى الإسلام؟ ولأن أكثر العرب مسلمون، صار لا بد من تكفيرهم لتبرير ذبحهم.

ثالثا: ماذا عن أمة الإسلام ودولته؟ يؤكد ويتمسك مختلف إيديولجيوا الدين السياسي بأن المسلمين أمة. وهذا بالطبع مقصود به إنكار وإدانة القومية، اية قومية.

ولكن واقع العالم كافة بما فيه الأمم التي تدين بالإسلام هو واقع قومي، ومرحلة الراسمالية من التجارية وحتى العولمة هي مرحلة الدولة القومية. كما أن مختلف الأمم التي تعتنق الدين الإسلامي أو الإسلام ودينا آخر كالمسيحية هي أمة/دولة وليست جزءا مما يسمى أمة الإسلام.

فأمة الإسلام هي معنى ثقافي وليست معنى ديمغرافي اقتصادي اجتماعي. وطبقي ايضاً

واللافت بل المُفارق أن أكثر أمة تعتدي على الأمم الإسلامية هي الأمة الطورانية التي تتشدق بوجود أمة إسلام!

وفي العلاقة العربية العثمانية، بدأ هذا الاستعمار  منذ 1516 ولم يتوقف!!

المهم في الأمر، وطالما أن زعم امة إسلام واحدة بالمعنى الخلافي والدولاني، فإن هذا يخدم الكيان الصهيوني وحده أولا وأخيرا  لأن:

  • تحقيق دولة أمة الإسلام مستحيل
  • وثانياً يعطي اليهود فرصة الارتكاز على هذا الزعم وتبرير بناء على ذلك زعمهم بان اليهودية قومية وليست مجرد دين.

هناك نقطة أخيرة، اود الإشارة إليها وهي:

لماذا يقف تيار الدين السياسي في تركيا مع القومية الطورانية وقوفا حتى متعصبا وعدوانيا؟

ولماذا يقف الدين السياسي في إيران مع الوطنية بل القومية الفارسية؟

ولماذا في امريكا تتعصب المحافظية الجديدة للأمة الأمريكية الحديثة العهد؟

بل لماذا في كل العالم تقف قوى الدين السياسي مع قومية البلد باستثناء قوى الدين السياسي في الوطن العربي؟  وطبعا د. زلوم مثال حي على ذلك؟

يبدو أن هؤلاء يريدون “تنفيط” الإسلام، اي جعل الإسلام كارثة على العرب كما هو النفط!

حاشية: حينما كنت في التوجيهية 1962-63 كان يعلمني كل من د.أحمد فيهم جبر (فلسفة) والأستاذ عليان زايد (تاريخ). هذا متدين وذاك ايضا. ذات مرة في درس التاريخ قلت أن تركيا استعمرت الوطن العربي 400 سنة ، فكاد زايد يضربني لولا أنه رآني اقوى منه، بينما كان د. جبر يستمع ويناقش حضارياً.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.