“كنعان” تتابع نشر كتاب “فلسفة المواجهة وراء القضبان”، تأليف: محمود فنون، الحلقة (16)

ب. الأساليب العصبية:

شأن الأساليب النفسية، فإن الأساليب العصبية التي تؤثر على الحالة العصبية للإنسان، تؤثر بالتالي على حالته النفسية وعلى مجمل انفعلاته الداخلية والخارجية. فكما تتأثر الحالة النفسية بالمناخ العام والأقوال المأثورة والضرب والتعذيب، فإن الحالة العصبية تتأثر بالجو العام الذي يوضع فيه المعتقل، والممارسات التي يشهدها أو يمارسها، والأقوال والأفعال والضرب وأية مؤثرات أخرى ذات صلة.

في الجسم، يرتبط الدماغ بالأعصاب المتفرعة إلى بقية الأجزاء حيث توجد العصبونات المتصلة مع بعضها البعض كوحدة للجهاز العصبي الذي توجد نهاياته ومركزه في الدماغ. فالعصب البصري مثلا يربط بين العين والدماغ وكذلك أعصاب الحس التي تربط بين الجلد والدماغ 3ضوكذلك أعصاب السمع في الجهاز السمعي وهذه أهم الأعصاب التي تتأثر أثناء التعذيب العصبي.

وتعمل أعصاب الجسم بانتظام، وهي تتعرض للتعب وتحتاج للراحة والاسترخاء وفقا للقوانين التي تحكم فسيولوجيا الجسم وأهم قانون يحكم عمل الدماغ هو قانون الإثارة والتثبيط وهو أيضا القانون العام لعمل الدماغ سواء كانت مصادر الإثارة داخلية أم خارجية، اجتماعية، أم فيزيائية؛ فالدماغ يمثل الجهاز المركزي الذي يوحّد عمل بقية الأجزاء ويمثل مركزا لها.

والدماغ يمكن التأثير عليه من الخارج مباشرة، كأن يتعرض الرأس لصدمات عنيفة، أو بواسطة الأجهزة العصبية كأن تتعرض الأعصاب للتعب الشديد وبالتالي يتعرض الدماغ للتعب.

وعندما يتعرض الدماغ للتعب والإرهاق فإنه يتوقف عن العمل جزئيا للاستراحة لفترة ثوان، أو يتضاءل نشاطه لفترة حتى يستعيد حالته الطبيعية. هذه الفترة قد تطول أو تقصر حسب الحالة، وإذا كانت الحالة شديدة فإن الإنسان يحتاج إلى النوم بشكل ضروري، ويحتاج إلى السوائل إذا ما تم استنزاف معين للجسم، أو يحتاج للدفء أو التبريد. وهذه الحالات التي يحاول المحقق أن يخلقها حتى يضع المعتقل في حالة ملائمة له بهدف ابتزاز المعاومات منه.

وحتى يصل إلى هذه الحالة هناك عدة طرق:

  1. استخدام الضرب الشديد والترتيب على أطراف الأعصاب مثل أصابع اليد، والقدم والأذن والعين والشفاه والأعضاء التناسلية والمناطق التي فيها غدد حساسة، وهذه ظاهرة عامة ومستعملة باستمرار في التحقيق حيث يقف المحقق خلف المعتقل ويأخذ في ضربه بكلتا يديه على أذنيه ولمدة طويلة وبشكل متواصل، ثم ينتقل في الضرب إلى الشفاه كذلك، وباستخدام العصا يأخذ في الضرب على أصابع اليدين، ومن ثم القدمين. وباستخدام عصا غليظة يأخذ في الضرب على الأعضاء الجنسية وبشكل متواصل ورتيب لمدة طويلة، ويستعمل أيضا شد الشعر بقسوة ويضع رجله على كتف المعتقل ويأخذ في شد الشعر ويظل المحقق يتنقل بنظام معين في الضرب هنا وهناك طوال جولة التحقيق مثيرا جوا من الإرهاب والتشكيك والتضليل ومختلف المؤثرات النفسية الأخرى.

    في أجزاء الجسم المذكورة توجد أعصاب أشد حساسية من أعصاب الأجزاء الخارجية الأخرى في الجسم، وبالطبع كلما تلقت ضربة تقوم الأعصاب بإرسال إشارة إلى الدماغ فيظل الدماغ متيقظا ونشيطا، ومع الاستمرار يأخذ في الإرهاق، ونشاطه في الخفوت وهذا بالطبع ينعكس على الحالة النفسية.

    2-التأثير المزعج على حاستي السمع والبصر:

    ا-استخدام الأصوات حيث يتعرض المعتقل رغما عنه لسماع أصوات رتيبة ومتكررة مما يثير الأعصاب ويهيجها، وبالتالي يظل الدماغ في حالة إثارة ويتعرض للتعب ويتعرض المعتقل للانزعاج الشديد.

    ب-استخدام الضواء لتهييج الأعصاب البصرية باستمرار ولنفس الغاية.

    ج-مشاهدة مظاهر مزعجة مثل تعذيب آخرين أمامه أو تعذيبهم على مسمعه، وبالأخص تعذيب الرفاق أو الأهل
  2. إيقاف المعتقل مربوطا إلى الخلف إلى الحائط أو بمربط خاص لساعات طويلة، ست ساعات أو عدة أيام مثلا وتوقيفه على رجل واحدة، أو قلبه على رأسه وربطه موقوفا لمدة طويلة، أياما مثلا أو ساعات.
  3. خلق جو متوتر ومتواصل حول المعتقل يتضمن التجويع ومنع الشرب والراحة والتوتير والإزعاج وحالة من الاضطراب تتداخل فيها العوامل الفيزيولوجية والنفسية ولمدة طويلة.
  4. إرغام المعتقل على ممارسات منافية لانسجامه الذاتي كأن يفرض عليه أن يقفز على رجل واحدة مدة طويلة وفي الأثناء يردد عبارات يطلبها المحقق كأن يستمر في شتم نفسه أو أصدقائه أو أقربائه.
  5. استخدام العقاقير الطبية مثل حقن الجسم بالإنسولين الذي يؤدي إلى احتراق السكر في الدم مما يولد طاقة زائدة عن حاجة الجسم، وهي طريقة شديدة الخطورة حيث من الممكن أن تؤدي إلى الوفاة أو إلى تمزق جسمي أو شلل. وهي تعتمد على إثارة طاقة زائدة في الجسم عن حد التوازن العادي مما يؤدي إلى الإرهاق الشديد.

الحقن بالمواد المخدرة بدرجة أقل مما يكفي للتخدير الشامل حيث يصبح الجسم في حالة أقرب إلى النوم شريطة أن لا يصل حدّ السبات لأنه في حالة  السبات لا يستجيب لأية مؤثرات، أما إذا كانت أقل بحد معين فإن الإنسان يتكلم بشكل متقطع وغالبا غير مفهوم.

 ومهما استغل المحقق هذه الحالة بعد الصحو فإنها لن تحصل على شيء ما دامت إرادة المعتقل صلبة وقوية، وينطبق على هذه الحالة ما ينطبق على حالة الإغماء واستغلالها، فالمحقق يعمد إلى إيهام المعتقل بأنه قال كل شيء وأن المخابرات كشفت كل الأسرار وغير ذلك مما يخلق البلبلة والزعزعة في نفسية الإنسان ويتركه نهبا للظنون.

 واستغلال هذه الحالة إلى أقصى درجة ممكنة علها تعطي للمحقق أية ثمار.

 وفي الواقع فإن المخدَّر الذي يستعيد وعيه بالتدريج لا يكون مؤهلا لإعطاء المعلومات ولا الإجابة على الأسئلة وحتى عندما توجه له أسئلة فإنه لا يدركها جيداً. وكمن هو في حلم تتداخل أفكاره وتتشوش إلى أن يستعيد وعيه تماما حيث يعود الموقف كما كان قبل التخدير.

ويمكن أن نُجمل بالقول إن الطرق العصبية هي نوع من غسيل الدماغ ووسائل لهذه الغاية. فهي تهدف إلى إضعاف النشاط المخي الواعي، وإضعاف تماسكه بحيث يسهل على المؤثر أن يمارس تأثيره في وضع يكون فيه المتأثر أكثر قابلية للتلقي. وقد تستمر عملية غسل الدماغ ما بعد مرحلة التحقيق بهدف إزاحة المواقف السابقة للمناضل وتعبئته بمواقف جديدة مغايرة لها، وذلك بإلقاء المواعظ والتشكيك بالثورة وأحيانا باعتماد الشواهد والأدلة السياسية.  

قلنا إن أساليب التعذيب والتحقيق المتعددة، في المراحل المتعددة، تمتلك آثارا تجميعية تراكمية على المناضل بغية دفعه درجة تلو الدرجة، أو دفعة واحدة إلى الانهيار والتساقط، والإدلاء بما لديه وإفشاء الأسرار وتعريض أمن الحزب والمنظمات، والحركة الجماهيرية للأضرار والأخطار.

 والأساليب العصبية والنفسية ما هي إلا أشكال لممارسات المحقق في أقبية التعذيب تمارس وفقا لخطط مدروسة، أو تجارب وفقا لافتراضات يصوغها رجال التحقيق عن شخصية ونفسية المعتقل بعد دراسة حالته منذ البداية أو في كل مرحلة من مراحل التحقيق. كلها صيغ للتعذيب الجسدي والنفسي والعصبي وهي تعبير عن معركة المحققين مع المعتقل ابتداء من هدف الحصول على الاعترافات كمعلومات عن الحركة الثورية وعن المعتقل نفسه، كمادة للإدانة وتوجيه الضربات المادية، وانتهاء بالمساس بشخصية المناضل بوصفه مناضلا وتعريضه للهزات والهزائم المعنوية، وتعريض الحركة الثورية لهذه النتائج. في هذه المعركة يهاجم رجال التحقيق الجلادون بما لديهم من أساليب وأشكال تعذيب.

 ويرد المعتقل ويهاجم بصموده وصلابته وإيمانه العميق بثوريته وعقائديته مدافعا ليس فقط عن ذاته بل عن كل ما يمثله وجوده “الأعزل ظاهريا” في أقبية التحقيق من مشاعر الإخلاص والثورة ومن ارتباطات حزبية وفكرية في الواقع.

 من خلال هذه المعركة تتركز معظم جهود المحققين على عزل المناضل عن هذه الارتباطات وإضعافها أو تحويلها إلى ارتباطات ضارة في نظر المعتقل والطعن فيها بحيث يرى أن هذه الارتباطات هي التي وضعته في هذا الموقف ليتحول بالتالي ضدها وينهار، أو على الأقل تفكيك هذه الارتباطات والإجهاز على آثارها التعبوية وما تخلقه من صبر وإصرار وصمود وتحدٍّ.   

ومن خلال هذه المعركة يتوجه المحقق بأساليبه المختلفة للإخلال بالتوازن الجسمي الذي يحصل في الغالب نتيجة للتعذيب الجسدي. والإخلال بالتوازن الجسمي يهدف إلى الإخلال بالتماسك العصبي والنفسي وتشويش التفكير، وسلامة تفكير المناضل وإضعاف تكوينه الشخصي العام ليكون سهل المنال في أيدي المحققين. 

فالضرب المتواصل على تجمعات الخلايا العصبية الحساسة من شأنه تهييجها باستمرار لإيصالها إلى حالة التعب، ومن المعروف أن درجة حساسية الجسم تتأثر بكون الجسم في حالة عادية أو في حالة تعب شديد وأن نشاط الخلايا العصبية لا يسير على وتيرة واحدة، بل إنه يضعف أو يزداد رهافة. فالخلايا العصبية مرتبطة بالدماغ، والدماغ لا ينشط في خط مستقيم وإنما يعلو ويهبط ويتأثر بالحالة الجسمية بشكل واضح، وعندما يتعرض للتعب الشديد نتيجة لتهيج الأعصاب فإن نشاطه يخفت كما تخفت سيطرته على بقية الأجزاء وخاصة الخارجية منها، وقد تتوقف لبضع لحظات في أوج التعب والإرهاق.

 ولأن خلايا الدماغ لا تتعرض للتلف حسب درجة النشاط، وبخلاف خلايا الجسم، فإن الدماغ الشديد الإرهاق يتوقف جزئيا أو كليا عن العمل حتى يستعيد قواه. وإذا ما استمرت مؤثرات التعب والإرهاق، فإن الدماغ يحتاج من أجل استعادة توازنه لفترة راحة أطول تستدعي النوم العميق كي تستعيد خلايا الأعصاب والدماغ نشاطها المعتاد.

 وخلال مرحلة التعب والإرهاق هذه  قد يفقد الشخص قدرته على التركيز كما يفقد قدرته على الفهم السليم لما يسمع ويرى.  

وعندما يصبح في حاجة شديدة للنوم يبدأ الابتزاز من جهة المحقق الذي يعمد إلى إيصال المعتقل لهذه الحالة خلال التحقيق بفعل تعريضه للإرهاق الجسدي والعصبي لفترة طويلة ومتواصلة عن طريق إجبار المناضل على الوقوف مربوطا لمدة طويلة، أو ضربه بشكل متواصل على كل أجزاء جسمه بما فيها الأذنين والشفتين والأعضاء الجنسية والأطراف.

 في النتيجة يصبح الجسم في أمس الحاجة للنوم وكلما اقترب المعتقل من حالة الإغفاء عاد المحقق للإثارة من جديد ومن ثم المساومة مرات متواصلة. 

يضع المحققون المعتقل في الحالة التالية:

 النوم يساوي الإفشاء بالأسرار، وإن أردت النوم فما عليك إلا أن تفشي الأسرار أو بعضها، أو على الأقل أن تعد بذلك ومن ثم يُسمح لك بالنوم لفترة من الزمن.

 قد يكتفي المحقق بالحصول على وعد بالكلام ليعتبر هذا نصرا مؤزراً وبداية جيدة لكسب المعركة. وهو لا يهمه إن كان هذا الوعد صادقا أم كاذبا، إن ما يهمه أن نهجه في التعذيب والتحقيق هو الذي مكّنه من الحصول على وعد كهذا. والسبب أن المعتقل بالأساس لم يأت متبرعاً إلى أقبية التحقيق لغايات داخلية للإدلاء بالمعلومات، بل إن المحقق يهدف إلى إرغامه على البوح بما لديه. وكانت البداية أن أرغمه على البوح بها نفسها ولا يهم أن يكون هذا البوح تنفيذاً للوعد أم لا، فبعد الوعد قد يرسل المعتقل لينال قسطاً من الراحة الضرورية، والتي يراها المحقق ضرورية جدا وبعدها يجلبه للقبو في مرحلة جديدة تبدأ بالتذكير بالوعد ومن ثم تستأنف بما يلائمها من الأشكال والأساليب الفاشية. 

إن مجرد إعطاء الوعد بالاعتراف لمحقق خلال مرحلة التعذيب هو نوع من الخضوع، فهذا الوعد قد أُخِذ بالقوة. فالمحقق، أثناء ممارساته القذرة وفي مرحلة معينة من الإنهاك الجسمي، يطلب من المعتقل أن يعده بالكلام، وقد يطلب منه أن يكتب وعده خطيّاً ويصر على طلبه مع استمرار التعذيب والإرهاق العصبي والجسدي بصورة عامة؛ أي أن المحقق يقاتل بشدة من أجل الحصول على هذا الوعد. إنه ليس مجرد تبرير يتطلبه التحقيق للسماح للمعتقل بنيل قسط من الراحة الضرورية لبقائه على قيد الحياة. فالمعتقل لن يموت في حال استمرار الإرهاق، وكل ما في الأمر أنه سينام رغم أنفه ورغم أنف المحقق وسيكون في حالة من الغيبوبة.

 وكي لا يصل المعتقل إلى هذا الحالة التي ستجبر المحقق على إنهاء جولة التعذيب، فإن المحقق يسعى لتبسيط الأمر بطرح طلب الوعد أو التعهد بالاعتراف وليس الاعتراف ونتيجة هذا التعهد الشفهي أو الكتابي يحصل المعتقل على (الراحة والنوم). 

إن المحقق يسابق الزمن، يريد قبل إغماء المعتقل أن يبتز منه موقفاً يشير على الأقل إلى استعداده اللاحق للانهيار كي يعتبر نفسه قد أنجز شيئاً ما هو في الحقيقة إلا الوصول بالتحقيق إلى مرحلة جديدة تتضمن تنازلا من جانب المعتقل للمحقق ونقاشاً وممارسات حول الوفاء بالوعد أو النكث به، فتبدو المسألة بالنسبة للمعتقل بسيطة (يحلّها حلّال) بعد الاستراحة والنوم؟! 

لكن المحقق يستأنف نشاطه بنفس الأسلوب السابق مرفداً إياه بممارسات أخرى لإيصال المعتقل إلى نفس الموقف على الأقل أو خطوة متقدمة عليه. فعندما يصل المعتقل لحالة الإرهاق الشديد مرة ثانية، يركز المحقق على خطورة وقسوة التحقيق وعدم قدرة المعتقل على الصمود للنهاية وتحفيزه للاعتراف تحقيقاً لوعده الذي لا يكفي تكراره مرة أخرى، بل لابد من قول شيء حتى يقتنع المحقق بإعطاء المعتقل قسطاً من الراحة. وقد لا يتوقف المحقق عن التعذيب وممارسة الإثارة العصبية بمختلف أشكالها حتى لو وصل المعتقل إلى حالة الإغماء أو النوم الدماغي نتيجة للتعب والإرهاق المتواصل خاصة أن جسم الإنسان يحتمل هذه النتائج دون أن تشكل خطورة على الحياة. وقد حصل أن أُبقي رفاقٌ في حالة اليقظة لمدة تجاوزت الثلاثة أيام وبعضهم سبعة أيام لم يرسلوا خلالها إلى زنازينهم. 

إن التعذيب الجسدي والإرهاق النفسي والعصبي لا يقتصران على أقبية التعذيب فحسب، بل إن التعذيب يلحق بالمعتقل إلى الزنازين التي هي مقر تجميع المعتقلين الجدد حيث يوضع معتقل واحد أو اثنان في كل زنزانة في الأوقات العادية.

 ولكن سلطات التحقيق لا تتورع عن وضع خمسة أو ستة في زنزانة أكثر ضيقاً، حيث تغلق الزنزانة بإحكام وتغلق الفتحة الصغيرة الموجودة في الباب والتي تستخدم للمراقبة من الخارج حينما يكون الباب مغلقاً، وتبقى فتحة واحدة في السقف لا يزيد قطرها عن 30 سم.

 فلنتصور أن الجو شديد الحرارة، كما هو الحال في الصيف في بلادنا، حيث يتواجد ستة أشخاص لا يجدون متسعاً للجلوس وأنفاسهم تملأ الزنزانة بعد وقت قصير والحر يُطبق عليهم، وعرقهم ينزّ من أجسادهم دون انقطاع، والضيق الشديد والضجر. ويستمر هذا الحال على هذا المنوال أياماً لتكون الزنزانة أشدّ عليهم من الجحيم بحيث أن استدعاء أحدهم للتحقيق معه في الأقبية، ورغم أصناف التعذيب والتحطيم التي يتعرض لها، فإنه يعتبر نقاهة بالقياس للتواجد في الزنزانة-القبر.

 وأحيانا تكون غرف التحقيق أكثر دفئاً بما لا يقاس مقارنة بالزنازين والمرحاض حيث يُحتجز المناضل في فصل الشتاء. وبعد ذلك تجري المساومات، فالمعتقلون في الزنزانة لا يكفون عن دق الباب وطرقه طلباً للهواء، والسجان يعطيهم بدلا من الهواء اللكمات والشتائم وربما يرشهم بالأدوية المضادة للحشرات ذات الرائحة الكريهة النفّاذة التي تزيد الأمر سوءاً عقابا لهم لمطالبتهم بفتح الباب أو حتى كوّته التي قد يساعد فتحها على نشوء تيار من الهواء.

يفضّل المعتقل أن يخرج كل ساعة للضرب والجلد على يد السجان على البقاء داخل الزنزانة الضيقة التي لا تسرب جدرانها القاتمة أي نفثة هواء، فكيف إذا أحيط هذا الجو بسيل من أصوات النشاز الرتيبة؟! 

في هذا الجو المعبّأ برائحة العرق المتزايدة نتانةً والحاجة الماسّة للهواء ولقطرة الماء وكذلك لمكان للجلوس أو الوقوف والاستلقاء على الظهر حينما يكون الاستلقاء والجلوس بالتناوب، وفي نفس الوقت لا يرغب المرء في الجلوس ولا الوقوف ولا الاستلقاء؛ فهو مضغوط من كل جانب يحاصره الضيق وتعب الأعصاب والظلام الدامس والأوساخ المتراكمة.. كل ما سبق هو من القساوة بحيث أن الخلاص منه إلى أي وضع آخر هو كالانتقال من الجحيم إلى حالة من الانشراح. 

خلال فترة كهذه، والضيق الشديد يطبق على المناضلين في قبرهم الذي يقفل عليهم أحياءً، ماذا يعتمل في نفوسهم؟ وكيف يسعى الجلادون لابتزازهم أو ابتزاز أحدهم إذا كان واحد منهم فقط هو المقصود والآخرون يعذَّبون معه ليخلقوا معه جو العذاب؟ 

يحاول المحقق تكوين صورة واقعية بمجموعة من الافتراضات حول نفسية ووضع المعتقل، ويسعى للتعامل مع هذه الصورة، تارة بالتشكيك وتارة بالإرهاب أو بأي وسائل أخرى، محيطاً سلوكه هذا بدرجة كبيرة من الغموض والضرب والتعذيب بعد أن سعى لجعل الزنزانة جحيماً، والجلوس معه في قبو التعذيب جنة بالمقارنة. 

وليس مستبعدا أن يضع المحققون في الزنزانة واحدا أو اثنين من المدسوسين مع أربعة معتقلين آخرين ليعيشوا حالة الضغط معاً، حيث يبدأ العملاء بإظهار حالة الضجر والملل كل لحظة والتفكير العلني بالخلاص من الزنزانة بالاعتراف معلنين أن هذا أفضل من هذا الجحيم ويأخذون في نفث سمومهم متعاونين على خلق جو من التساقط من أجل إسقاط الآخرين. وقد لا يكتفون بالقول، بل ويثيرون المشاكل ويخلقون بأنفسهم جواً من التوتر والعصبية داخل الزنزانة وحينما يبلغ التوتر ذروته يعلن أحدهم مثلا عن استعداده للاعتراف بما لديه بغية الخلاص ويستدعي الشاويش بحركة تظاهرية ويطلب مقابلة المخابرات استعدادا للاعتراف لهم.. ويلين الآخر. 

ومهما كانت الصورة التي تجري فيها اللعبة فإنها لا شك تخلق مناخا صعباً وقاسياً، وخاصة إذا لم يدرك المناضلون في الأساس احتمالا كهذا، حيث بدلا من شد إزر بعضهم البعض يثار جو من التفسخ والبلبلة الداخلية إضافة إلى ما يخلقه وضع الزنزانة المخنوق من صعوبات وتوترات عصبية ونفسية في ظل حالة الاختناق هذه.

 فالمدسوسون الذين يعيشون سوية في جو الاختناق يرغبون هم أنفسهم في الخلاص منه، هذا الخلاص الذي يأتي بانتهاء مهمتهم إما بالفشل وإما بالنجاح. ولذلك سيعملون مخلصين ويبتكرون كل ما يمكن أن يخلق البلبلة والتفسخ في نفوس الآخرين.. (إلى متى نظل في هذه الحالة) يتساءل الواحد منهم.. (سنة سجن أفضل من يوم واحد في هذا الجحيم) يرد الآخر.. ما أحلى الجلوس على قمة جبل كذا واستنشاق الهواء الطيب. كنت يوما في رحلة كذا وكذا واليوم في هذا القبر. الآخرون ينعمون ونحن لا نجد حتى الهواء الذي نستنشقه. إني أختنق فما العمل. ابتعد يا فلان من مكانك فأنت تحجب الهواء.. قم من جانبي يا فلان فأنا متضايق وإلا صفعتك..  وهكذا يستمرون في خلق البلبلة والتفسخ ليعلن أحدهم أنه يفضل أن يذهبوا جميعا وأن يعترفوا بما لديهم فيستريحون. 

أما المناضل الصلب فهو لا يتوتر كل هذه التوترات لمجرد أن مدسوسين أو ضعفاء يخلقونها، بل إنه يزجر الجميع مهما كان الثمن ويفسد على الضعفاء والمدسوسين مخططهم. ويقول لهم من لديه شيء فليذهب ويعترف أما أنا فليس لدي ما أقوله، ولن أستدعي رجال المخابرات ولن أشكو لهم عن هذا الوضع فليحدث ما يحدث. 

إن موقفاً كهذا سوف يُفشل مخطط المخابرات وعملائهم الذين يتحملون وضع الزنزانة دون نتيجة حيث ستلجأ المخابرات لأساليب أخرى، بل إن المناضل الذي يتجاوز وضعاً كهذا بصبر وصلابة سوف يثير البلبلة في نفسية رجال التحقيق أنفسهم حول جدوى استمرار التحقيق معه. 

إن كل موقف صمود هو في نفس الوقت مسمار في نعش مخططات المحققين، ومثار للتثبيط في نفوسهم. فهم مهما كانت إبداعاتهم وألاعيبهم، يعملون ضمن حدود وسقف معين، وساعة فشلهم في تناقص مستمر بقلبونها من اليوم الأول لبدء معركة التحقيق، وهي تُستنفذ يومياً، بل ساعة بعد ساعة.

 وهم كلما زادوا من وحشيتهم إنما يقتربون من فشلهم وفراغ ما في جعبتهم، ففقدانهم لأعصابهم وارتباك أساليبهم في التحقيق إنما هو مظهر من مظاهر الفشل والخسران، فيأخذون في السباق مع الزمن ومع الحالات التي خلقها جو التحقيق.

 وإنما تدل عصبيتهم وفقدانهم لتوازنهم على إحساسهم بصعوبة موقفهم، وصلابة خصمهم. وكما قال المجربون (بين النصر والهزيمة صبر ساعة)، فمزيد من النصر يعني مسامير إضافية في نعش مخطط التحقيق إلى أن يجهز عليه نهائياً فيرفع رجال التحقيق أيديهم ملطخة بالعار والخيبة. 

وكلما زادت وحشية رجال التحقيق إنما تنمو في حقول المناضل زهرات أخرى من البطولة والفرح وذكريات الرفاق، وربوع القرية أو المدينة أو المخيم تشكل كلها مساندة داخلية تشد إزر المناضل وتعطيه قوة جديدة. 

وهكذا يسير المحققون في مسار تنازلي بينما يسير المناضل الثوري تصاعديا نحو القمة والبطولة والفخر. ولا عجب، فهو وبعد أن انزرعت في نفسه علامات الانتصار، إنما يزرع في نفوس رفاقه ومعارفه الثقة به وبنضاله، والثقة بالثورة والنصر. 

إن ثوران الأعصاب لا ينشأ من العوامل الخارجية فحسب، بل وبتفاعل هذه العوامل الخارجية مع التركيبة النفسية والعصبية للإنسان، مع حالته النفسية في وقت من الأوقات وموقفه العام مما يحيط به، ونظرته لما يجري وخلفيته عن المؤثرات وموقفه منها وممن هم وراءها.

 قد يحصل أن يشتمك شخص فتثور وتغضب وتشتم وربما أكثر، لكن هذا لا ينفي أن يقف شخص آخر موقفاً آخر فلا تهتز له قناة، لا من الشتيمة ولا من تصرف أكثر استفزازاً. أما إذا أثارت هذه الشتيمة نوازع داخلية، واستعدادات كامنة للرد واستغلالها لتثبيت مواقف ضد الشخص الآخر فإن حجم تأثير الشتيمة سيثير استفزازاً كبيراً لأنه تضخم في نفسية الإنسان بأضعاف حجمه. 

حتى نحلل الموقف بشكل أفضل:

 تتداخل عمليات الإثارة والاستجابة التي يتعرض لها الكائن البشري تداخلا جدليا مع جهازه العصبي وحالته النفسية ومواقفه ونظرته العامة، ومواقفه ونظرته للمؤثرات، وما يثير هذه المؤثرات. والإثارة بدرجات متفاوتة كلما اشتدت تزيد من فعاليتها على التكوين الجسمي والنفسي والعصبي، وبالتالي كلما تنوعت الاستجابة. وقد تكون الاستجابة إرادية، أو غير إرادية كرد فعل عضلات العين لمؤثر مباشر عليها حيث تغلق الجفون لا-إراديّاً، أو أن يجفل المرء نتيجة صرخة مفاجئة. 

والإثارة تصوغها الأعصاب في رسالة عاجلة تنقلها للدماغ الذي يقوم بدوره بدراستها والرد عليها مرسلاً الموقف من خلال الأعصاب أيضاً. 

إذن حالة الدماغ، كمركز وكموجّه للجهاز العصبي، تلعب دوراً في طبيعة الاستجابة ويتأثر نشاط الدماغ عموماً بالخبرة والتجربة والثقافة وبالحالة الجسمية أيضاً (تعب، راحة، صحة، مرض) وكذلك بالحالة النفسية السابقة على حصول المؤثر والحالة المعنوية أيضاً، ودرجة التوقع لنوعية الإثارة وحجمها، والاستعداد المسبق لكيفية الاستجابة في الحالات الإرادية والمدة الزمنية التي تستغرقها مدة الإثارة، والموقف من المثير والعوامل المثيرة (عندما يتعرض المعتقل للضرب أو الشتم من السجان أو المحقق فإنه لا يشعر بأي خزي أمام زملائه، لأن الخزي من السجان أو المحقق ليس من الشتائم والضرب وإنما من الضعف والانهيار والسقوط. هذه الخلفية التي تساعد على التحكم في ردود أفعال المعتقلين، بينما عندما يتعرض معتقل لمؤثرات كهذه من قبل زملائه فإنه يثار ويشعر بالمهانة).

 والموقف من المثير، العوامل المثيرة تحدد طبيعة الرد. مثلا، واستنادا إلى الخلفية الاجتماعية القائمة في بلادنا، فإن الشخص أ سيثور وينفعل ويسخط ويحاول فعل أي شيء يتعرض (لعرضه) أو لزوجته بالكلام أو بالفعل، ومن الطبيعي أن يكون الرد قاسياً وموجهاً ضد الشخص ب.

 لنفترض أن الشخص أ تعرّض للاعتقال السياسي كمناضل وطني وأثناء التحقيق أحضروا أخته وعرّوها من ملابسها رغما عنها وتعرّضوا لها قولا وعملا بما يمس (الشرف) ,والشخص أ مقيّدٌ أو مربوط. إنه على أية حال لا يستطيع أن يفعل ما من شأنه أن يردع رجل المخابرات ولا إخافته ولا يستطيع الانتقام منه، وأساساً إن التفكير بردّ فعل كهذا كاستجابة للمؤثر القائم، في ظل الخلفية الاجتماعية المعاشة، والوضع القائم لا يمكن أن تكون مجدية ولا يمكن أن تكون هي الرد الصحيح.

 إن الرد الصحيح والحاسم والشديد الفاعلية والتأثير على سلوك المخابرات هو فقط الصمود وعدم الرضوخ للابتزاز والانسياق وراء حجم الاستفزاز الذي يمس (الشرف). إن الصمود فقط هو الذي سيردع ضابط التحقيق عندما يدرك عدم جدوى استفزازه السافل هذا. هو إن أدرك أن استفزازه غير مُجدٍ فإنه سيكف عنه، وإن شعر بالجدوى فسيستمر. فالشخص أ، وبناء على معرفته واستعداداته وفهمه ونظرته وخلفيته عما يجري، سيتأثر ويثار ويُستفز بحجم أقل بكثير مما أثير نتيجة فعلة ضابط التحقيق مع قريبته مما أثير عندما مسّها الشخص ب المذكور سابقاً ولن يشعر بالخزي أمام رفاقه وزملائه بل بالفخر والعزة لأنه لم يسقط رغم حجم الاستفزاز وصعوبة التضحية. 

وبالتالي، فإن حجم إثارة جهازه العصبي لم يكن بالحجم الذي أراده رجل التحقيق بل إن العوامل الداخلية في نفس المناضل تقلل من آثار الاستفزاز بدلا من أن تضخمه.  
    
إن الضرب المتواصل بالعصي على الأعضاء الجنسية، يثير الألم موضوعياً، ويؤثر على نشاط الأعصاب والجهاز العصبي، ولكن خشية المعذب على أعضائه الجنسية وحساسية المسألة بالنسبة له هي التي تدفعه للتجاوب مع المحقق، بينما استعداده المسبق للصمود سيقلل حتى من حجم الألم نفسه. 

والرفيق الذي يزج به في زنزانة ضيقة مع أربعة أو خمسة متساقطين لمدة يومين أو أسبوع، يتعرض خلالها لقسوة الطبيعة والإنسان والإرهاق الجسماني والعصبيالرفيق الذي يتصور نفسه يخوض معركة بطولية مع كل هذه الظروف ويتسلح بالصبر والسلوان، لن يكون معرضاً لآثار الاستفزاز والتثبيط القائم موضوعياً بحجم نفس الآثار الناشئة لدى رفيق آخر انصرف للتفكير في الخلاص الذاتي، بل سيحيط نفسه بالرضى والفخر لأنه امتُحن في مجابهة ظروف شديدة القسوة كهذه بينما رفاقه كلهم ينتظرون منه الصمود والحماية التي يقدمها من أعصابه. 

ليست المسألة مجرد تصور ذاتي، فلا يمكن أن يجدي المرء تصوره للزنزانة على أنها جنة عدن، بل الأمر يختلف كلياً. إن المناضل يدرك تماما أنه في جحيم التحقيق، وأن الزنزانة هذه ما هي إلا قبر للأحياء، كيس حجري صلد قاتم أسود، ويتحسس بجسمه ومشاعره وأفكاره قسوة ما يحيط به. إن الاختلاف في الأمر هو الاستعداد التام للصبر على هذه الظروف وما هو أقسى منها، وهو يجتاز هذه المحنة دقيقة بدقيقة وكلما مر الزمن يشعر بقرب نهاية التجربة بنجاح وفي هذا تعزيز لصموده، وكلما مر الزمن دونما ضعف يتذكر رفاقه وحزبه الذي ساهم في بنائه ونضالاته هو وغيره بكده وعرقه وجهده، ويتذكر أنه لا يجوز هدم وضع نضالي لمجرد أنه يقاسي وضعاً صعبا، لأن هدم البنى النضالية هو من اختصاص الأعداء إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

 والرفيق الثوري لا يمكن أن يكون في صف الأعداء، إنه يتميز عنهم، ليس فقط لأنه في الصف المقابل بل لأنه ثوري يسعى ويكافح للقضاء على كل ظلم وقسوة ووحشية، إنه ثوري يؤمن بحتمية النصر وإن كل تجربة معاناة ما هي إلا مسمار في نعش الأعداء، أعداء الوطن والحرية فلتدق كل المسامير ليلقى بالفاشية إلى مزبلة التاريخ. 

_________ الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.