عادل سمارة:

(1) لهذا، وهو يكفي …لا للاستدوال

(2) الأسرى والحصار المزدوج

● ● ●

(1)

لهذا، وهو يكفي …لا للاستدوال

في مثل هذه الأيام القائظة عام 1948، كنت في الرابعة من عمري، وكنت في حقل لنا على الطريق بين رام الله والرملة (وسط فلسطين). شاهدت مباشرة طوابير آلاف الناس تمشي من الغرب إلى الشرق بعضهم يحمل أطفاله، يحمل الرجال الأطفال وتحمل النساء على رؤوسهن كومة من الملابس والأغطية، وجوه الأطفال مموجة بالغبار والدموع بين العطش والجوع مضافا له البكاء المتواصل.

 تهافتت الناس على الحقل تأكل الكوسى البلدي نيئاً ويطلبون الماء. لم يحرك والدي ساكنا، لم ينهرهم كما كنا ننهر أطفال القرية الأشقياء مما اثار فضولي، فسالت والدي: من هؤلاء؟ ولماذا يأكلون الكوسى نيئاً؟  قال طردوهم اليهود من دورهم.

عدت إلى بيتنا الأقدم في قمة القرية (يسمونه العلِّية) كانت أمي جالسة على الأرض تجرش العدس ب الطاحونة. قلت لها ما رأيت. واصَلَتْ الجرش وعلى الصوت الحزين وأنين الطاحونة قالت:

بلادنا يا بلادنا يَم الشجر والهيش….فِبلاد الغرايب شيف بدنا نعيش

بلادنا يا بلادنا يًم الشجر لِخظر…. فبلاد الغرايب شيف نتظوَّر.

حتى في الرحيل والتهجير هناك طبقات، فالأكثرية الساحقة تمشي على الأقدام، ومتوسط الثراء يركب حافلة عامة، والغني بسيارته والأغنى كان قد هاجر سلفاً ونقل فلوسه إلى المصارف البريطانية.

منذ تلك الفترة، 1948 يتم تهشيم الحيِّز الفلسطيني ويُعاد تشكيله بعد تفريغه أكثر من أهله فيفلت من بين ايدينا ، ولكننا كنا نقاوم، إلى ان وصل الأمر بنا بقبول طرف منا بتبديل التحرير ، تحرير الحيِّز، بالاستدوال بطبعاته المتعددة، “دولتين لشعبين “، “دولة واحدة” واقبحها “دولة مع المستوطنين ” كما أنتج اللبناني د. يحيى غدار ومن معه في  ما يسمى “التجمع العربي والإسلامي لدعم خيار المقاومة” فإذا به يستجدي دولة مع المستوطنين، وما أكرمهم وأجملهم!!!

تجمُّع يحمل في ذاته نقيضه مما يؤكد أن تحرير الحيز يشترط تحرر وتحرير الإنسان.

واليوم، والكيان يقضم بقايا الحيز المسمى الحكم الذاتي  والمكوَّن من (أ.ب.ج) بما يسمونه الضم!! وكأنه الضم الأول. ومع ذلك، يحضر الإعلام (وخاصة إعلام المقاومة الميادين، والمنار خاصة) بكثافة فيثير غباراً  هائلا من المقابلات، والخطاب واللغو والغناء، والحوار الغزلي والتصالح الإفتراضي ضد الانقسام، ومواقع تواصل اجتماعي مليئة بالعنتريات من رجال ليسوا في ميعة الصبا. ولكن، وراء كل هذا تجلس قطر، وورائها تركيا ووراء تركيا امريكا وجميعه  زقوماً!

أمَّا والرد على الضم وقبل الضم الأخير بهذا الشكل، فنحن في مأزق عميق. لذا، يبقى خروج م.ت.ف من تحت الاحتلال وحده بداية الطريق لتغيير طريق من رحلوا عام 1948، ليتجهوا إلى حيث خرجوا.

(2)

الأسرى والحصار المزدوج

بين الفينة والأخرى تقوم سلطات الكيان بالإغارة على حسابات الأسرى في المصارف المحلية التي تخضع في التحليل الأخير لسلطات الكيان بغض النظر عن تراخيص العمل لها من سلطة الحكم الذاتي.

من الطبيعي جدا أن يكون الأسرى الهدف الثاني للكيان، بعد الخلايا السرية المسلحة طبعا التي تبحث عنها دائماً، والمفروض، أنه إذا ما تصالح أي طرف فلسطيني مع الاحتلال، فالأسرى يجب ان لا يُصالحوا. ولكن بالطبع صالح كثيرون منهم.

لكن العوار الخطير هو في منع الأسرى من الحصول على اي دخل إلى جانب “مخصصاتهم”! ما الحكمة في هذا؟ هل هو شرط الاحتلال؟ شرط الممول؟

إذا كان في قوانين راس المال أن للمرء أن يحصل على دخل من اي نشاط أو مشروع يقوم به أو يعمل فيه، ولذا تجد الراسمالي بعدة رؤوس! فما سر منع الأسير؟ وحصره في مبلغ زهيد يكاد لا يسد رمقه، وحتى، بالمفهوم الراسمالي، لو كان يعيشه في رغد ورفاه؟

هل المقصود أن يبقى الأسير اسيرا بمعنى جديد اي مقيدا وكسيرا بارتباطه بهذا المخصص مما يُكلبشه عن العمل السياسي ضد الكيان وضد السلطة حيث بالكاد يكفي نفسه؟

لقد كررنا هذا السؤال ولا من مجيب!

حاشية: في ثقافة تحويل حرب الغُوار إلى حرب التموُّل، بنت الفصائل نظام تعويض لمن يغادرها!!!! عجيب، لقد غادرت ولم أفكر في هذا قط. وحينما أقيمت السلطة وبدأ منح الرتب، التقاني زميل سجن وسألني السؤال التالي: هل أخذت وضعك في السلطة؟ قلت شو يعني؟ قال رتبة وراتب. قلت ماذا تقصد؟ قال انا اخذت رتبة ضابط بنجمتين. قلت ولكنك تعمل في كراجك؟ قال مش مهم. قلت ما بدي وضع في السلطة.

وحين قررت السلطة بعد 1993 دفع “مخصصات” للأسرى قررت أن لا اسجل نفسي رغم أن فترات اعتقالي منذ النظام الأردني. وبقيت كذلك حتى عام 2010، رغم أنني ممنوع من العمل في الجامعات. بعد 2010 تحدث معي رفاق وقال أحدهم: مش مشكلة ستجد أن آخر يقبض مخصصاتك. وهو ما اقنعني أن ذلك حقي بغض النظر عن مصدر المال وخاصة أن رفضي أخذ المخصص يساعد على الفساد حيث يضع آخر يده عليه!!!

___________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.