الوعي الشعبي بين الحقيقي والزائف: مدخل إلى قضايا الوعي وإشكالياته (الجزء الخامس والأخير)، مسعد عربيد

تجليات الوعي الزائف في الواقع العربي: أمثلة  

الجزء الخامس والأخير: نستعرض نماذج من تجليات الوعي الزائف في واقعنا العربي، سواء الأمثلة على مستور المفاهيم السياسية العامة (مثل الطبقات الشعبية تخدم أعداءها، والفقراء يشاركون في الحروب الإمبريالية، تشويه الاشتراكية، حقيقة الرأسمالية …) أو القضايا العربي (مثل  مسألة التناقض وتحديد معسكر الأعداء، نشوء الأمة العربية جاء مع قدوم الإسلام، هويتنا القومية، تزييف الوعي حول حقيقة الاحتلال العثماني لبلادنا، الدين السياسي …).

■ ■ ■

لعلنا نأتي الآن إلى ما هو  الأهم في هذه الدراسة: الوعي الزائف أو الوعي المُزيف. ولتقريب الفكرة إلى ذهن القارئ وتوضيح ما نقصده بالوعي الزائف، ننتقل مما قد يبدو أفكاراً تجريدية إلى تناول بعض الأمثلة في واقعنا العربي، ونورد عينة من المقولات والشعارات والأوهام الكاذبة والتي أصبحت “مُسلمات” لا يرقى إليها الشك في اعتقاد الكثيرين.

قد تبدو هذه الأمثلة للوهلة الأولى منفصلة عن بعضها أو أنها تتناول قضايا غير مترابطة، ولكنها في حقيقة الأمر تترابط فيما بينها وتشكّل ساحات وجبهات من الصراعات المشتركة. وإذا حاولنا تجزءتها أو طمس عناصرها أو انتقاء بعضها، فإننا نكون مشاركين، بشكل أو بآخر في تزييف الوعي. فالوعي، كما الفكر، لا ينفصل عن حركة الواقع، وهذا الفصل، حين يحصل،  لا يخدم الصراعات الاجتماعية والطبقية في المجتمع، بل يُوظف عملياً في تبرير سياسات وأيديولوجيا تقف في هذا الخندق أو ذاك في تلك الصراعات.

المقولات الاستعمارية الكلاسيكية

تلك التي تدّعي أن الاستعمار الغربي جاء ليساند شعوبنا و”يأخذ بيدها” من أجل احراز التقدم والتطور وصولاً إلى الحرية والديمقراطية وغيرها. وقد ظلّت هذه المقولات سائدة في الثقافة والوعي الشعبيين في البلدان المستعمَرة، وما زالت حتى بعد الرحيل الشكلي للاستعمار.

الطبقات الشعبية تخدم أعداءها

كثيراً ما نرى أن الطبقات الشعبية الفقيرة (العمال والفلاحون والفقراء …) تدعم الطبقات التي تستغلها وتقع فريسة الوعي الزائف. وقد رأينا في التاريخ المعاصر العديد من الأمثلة الصارخة على ذلك، ثلاثة منها ما زالت حاضرة في الأذهان وجديرة بالدراسة وأخذ العبر:

أ) تصويت دعم العمال الألمان في ثلاثينات القرن العشرين للحزب النازي (حزب العمال الألماني الاشتراكي الوطني) والتصويت لصالح هتلر ما مكَّنه من الوصول إلى السلطة ومنصب مستشار ألمانيا عام 1933.

ب) انتخاب قطاعات كبيرة من العمال والفلاحين والفقراء الأميركيين ل دونالد ترامب، الممثل المباشر لرأس المال الاحتكاري في الولايات المتحدة، وما زالت تؤيده وتدعم سياساته.

ج) وكذلك انتخاب بوريس جونسون، رئيس حزب المحافظين، رئيساً لوزراء بريطانيا

 بدلاً من جيرمي كوربن زعيم حزب العمال البريطاني.

ولا نقصد هنا تجاهل او التقليل من أهمية العوامل الأخرى التي ساهمت في الوصول الى هذه النتيجة. فلو أخذنا، على سبيل المثال، دعم العمال الألمان في ثلاثينات القرن العشرين للحزب النازي، لوجدنا عوامل هامة تسببت في هذا الدعم مثل: (1) الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية في فترة الكساد الاقتصادي الذي عمّ البلاد في تلك الآونة التي سبقت ورافقت وصول الحزب النازي إلى السلطة (1933)، ونسبة البطالة العالية التي فتكت بالعمال والفقراء في المانيا، (2) تجاوب الحزب النازي مع مطالب ومصالح هذه الطبقات والتركيز عليها في عمله ونشاطاته الجماهيرية وهو الذي برع في أساليب الدعاية ورفع الشعارات التي تجذب الطبقة العاملة وتشدها إلى الحزب ودعمه، (3) بالإضافة إلى الشعبية الواسعة التي تمتع بها الحزب النازي بين صفوف الطلاب في الجامعات الألمانية.

والحقيقة أن هذه العوامل مجتمعة تأكد ما ذهبنا إلية: وهو دور الطبقة المهيمنة والحاكمة في تزييف وعي العمال والفقراء وجذبها لتأييد سياساتها.

مشاركة الفقراء في الحروب الإمبريالية

لعله من أفظع تجليات الوعي الزائف هو مشاركة الطبقات الفقيرة في الولايات المتحدة وبعض فئات الشعب الأميركي من السود والملونين والمهاجرين، في الحروب العدوانية الأميركية في العقود الأخيرة بدءً من الحرب الكورية، مروراً بحرب فيتنام ووصولاً الى الحروب على العراق وأفغانستان وغيرها.

يقدم كثيرون ذريعة تفاقم الأوضاع الاجتماعية – الاقتصادية (الطبقية) لهذه الفئات وحاجتها لتأمين مصدر دخلها ومعيشتها بالتحاقها بالقوات الحربية الأميركية، وهي ذريعة لا تبرر قتل ملايين الأبرياء وتدمير بلدان ومجتمعات برمتها. كما أنها لا تختلف في الجوهر عما أتينا على ذكره أعلاه في حديثنا عن دعم الطبقة العاملة الألمانية لهتلر وحزبه النازي. ناهيك عن أن مشاركة الطبقات الشعبية والفئات الاجتماعية الفقيرة في الحروب الأميركية تنطوي على سقوطها (الطبقات) في عنصرية الرجل الأبيض في نظرته إلى الشعوب الأخرى وعدائه لها، وهو من أفظع تجليات الوعي الزائف وأكثرها خطورة. كما تكشف “تفوق الرأسمالية في تشويه الوعي الجمعي وتعميمه بحيث يلتبس على الأكثرية الشعبية التقاط خبث الثقافة البرجوازية ممثلة في الديمقراطية والحرية والمجتمع المدني … وصولا إلى التباس الوعي وحتى السقوط عنصرية بيضاء تغطي انتهازية ما مفادها: أن مستوى معيشتنا الجيد هو على حساب فقر هؤلاء”. وهذا ما يطرح التحدي اليوم حيث تتخلى أنظمة هذه البلدان عن كهولها ومن ثم فقرائها!.”[1]

أكاذيب حول الاشتراكية

خلافاً للأكاذيب والبروباغندا المعادية والمشوِهَة للاشتراكية والتي لم تتوقف منذ القرن التاسع عشر، والتي ازدادت شدةً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، نسجل الملاحظتين التاليتين:

أ) الاشتراكية والاحتياجات الأساسية للناس: بغض النظر عن تقييم التجربة الاشتراكية في البلدان الاشتراكية السابقة أو العملية الاشتراكية الراهنة في الصين وكوبا وكوريا الشمالية، يجدر بنا أن نقف أمام حرص هذه الحكومات والأحزاب الحاكمة على توفير احتياجات سكانها الأساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم والسكن وخدمات المسنين وغيرها، ورصد أجزاء كبيرة من ميزانية الدولة لهذه الخدمات، على النقيض من المجتمعات الرأسمالية. وقد جاءت جائحة كورونا التي تجتاح العالم في هذه الآونة لتقدم الدليل على ذلك.

ب) دور  الصين وكوبا في التضامن الأممي ودعم الشعوب المنكوبة: يؤكد موقف هذه الدول بلا ريب ثبوت الاهتمام بالإنسان كأولوية في هذه البلدان، ويشير بوضوح إلى ما هو أبعد: قرار هذه الدول تجاوز الحدود الجغرافية لمساعدة الأمم المنكوبة وصولاً إلى موقف إنساني أممي، في حين يتقوقع راس المال المعولم على ذاته وأنانيته! وقد رأينا إسهامات كوبا في هذا المضمار، قبل جائحة كورونا وعلى مدى عقود، حين كانت تمد يد العون وتقديم الخدمات الصحية والطبية لدول العالم الثالث، وكما رأينا دعم الصين وكوبا وروسيا للشعب الإيطالي في غضون أزمة فيروس كورونا الذي اجتاحت ايطاليا في شهر آذار (مارس) 2020.

الرأسمالية: “تجسيد لحرية الفرد وللديمقراطية”

يدّعي الغرب الرأسمالي الدفاع عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان سواء في بلاده أو في البلاد التي يسعى إلى الهيمنة عليها ونهب ثرواتها. غير أن هذا الموقف يتناقض تماماً مع سياسات الأنظمة الرأسمالية في التعامل مع شعوبها في الداخل وفي سياساتها الخارجية. وقد جاءت جائحة كورونا لتكشف وحشية مواقف هذه الأنظمة وضعف أدائها وعدم اكتراثها بصحة وحياة مواطنيها. وحتى داخل البلد الواحد شاهدنا تقاعس الحكومة الأميركية ومؤسساتها، مثلاً، في تقديم الخدمات الصحية الأساسية (مثل توفير أقنعة الحماية من عدوى مورونا وإجراء الفحوصات البسيطة للتعرف على مَنْ أصابهم هذا المرض …)، كما رأينا التنافس والأنانية في الحصول على المستلزمات الصحية والمعدات الطبية بين المدن والمناطق في مختلف الولايات الأميركية فيما بينها، من جهة، والحكومة الأميركية الفيدرالية من جهة أخرى.

هذا على المستوى المحلي والداخلي، أما على مستوى العلاقات بين الدول والحكومات، فكان الأمر أكثر بشاعة ووحشية، إذ رأينا رفض هذه الدول للتضامن والتعاون فيما بينها، كما حصل بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، أو حتى بين دول هذا الاتحاد كما حصل حين رفضت ألمانيا وفرنسا، القوتان الرئيستان في ذلك الاتحاد، تقديم المعونات الطبية لإيطاليا من أجل إسعاف المصابين بهذا المرض في ذلك البلد في مارس 2020.

مسألة التناقض وتحديد معسكر الأعداء

مرّت بلادنا ولا تزال بتطورات خطيرة على كافة الأصعدة. وتم احتلال أراضٍ عربية وتدمير دولٍ ومجتمعات، ومع ذلك ظلّت مسألة التناقض الرئيسي غير محسومة عندنا. والمقصود هنا بالحسم أو عدمه هو تحديد طبيعة التناقضات (الرئيسية والثانوية) وأطرافها أي أطراف المعسكرين المتناقضين والمتصارعين: معسكر الثورة والقوى المتخندقة معها، وفي النقيض منه معسكر الثورة المضادة وقواها. وقد كان لهذا الضياع نتائج وخيمة على مجتمعاتنا وأوضاع شعوبنا وسيادة بلادنا، وكذلك على وعي الشارع العربي مما أخل بقدرته على الفعل وكان أحد أسباب شلله وصمته. ليست المسألة هنا مجردة أو نظرية، بل إن أهمية فهم التناقضات الرئيسية والثانوية وتحديد معسكر الأعداء تكمن في ضرورتها لاستعادة الشارع العربي والتي تستلزم:

 1) بناء أو إعادة بناء الشارع الشعبي على أساس وعي جمعي مشترك، وهو ما يتطلب تثقيف المواطن وتوعيته بمسألة التناقض (الصراع) الرئيسي في بلادنا، كي يتمكن من اجتراح وسائل المقاومة ومحاربة الأعداء.

2) توحيد الشارع في اصطفافه ضد الأعداء، ما يعني العمل على إنهاء عوامل الفرقة من فتن إثنية ومذهبية ودينية وطائفية، وتثقيف المواطن على (1) أن صراعنا لا يقوم على اساس ديني أو مذهبي أو عرقي أو إثني، إنما هو صراع مع معسكر الأعداء وأدواته المحلية، و(2) أن تجنيد الدين أو المذهب أو الطائفة، ومَنْ يقف خلف ذلك من مفكرين ومثقفين وإعلاميين، هو من بدع وأساليب تيارات الدين السياسي الإسلامي وتوظيفه في ضرب تماسك المجتمع ووحدته حيال قضايا الوطن الأساسية.

الكيان الصهيوني … بين العدو و”الجار”

سؤالان ملحان تطرحما المرحلة وما يجري من حولنا، سواء بالعلن أو بالسر:

هل الكيان عدونا؟

وهل هو العدو الوحيد؟

أ) إذا كنا نقرُ – وقد سال الكثير من الحبر في تكرار هذا وتأكيده على مدى العقود السبعة الأخيرة – إذا كنا نقرُ بأن الكيان الصهيوني والمشروع الصهوني برمته محتل عسكري استيطاني، وأنه موقع متقدم للإمبريالية في بلادنا، وجزء لا يتجزء من المشروع الرأسمالي – الإمبريالي، فكيف تهيأ لنا حسم الصراع مع هذا الكيان عبر المفاوضات؟

وكيف لنا أن ندرك أو نصدق أنه (الكيان) في حقيقة الأمر يريد حلاً لقضيتنا واحتلال أراضينا؟ أي كيف نتصور أنه يريد حلاً ينهي مشروعه؟

وكيف لنا أن نصدق بأنه (الكيان) يقبل بالمفاوضات أو يأخذها على محمل الجد أم أنه “يشارك” فيها ضمن استراتيجية كسب الوقت في حين يستمر في فرض سياسة الأمر الواقع وتجسيد المقومات المادية للتوسع والاستيطان والتهويد على الأرض العربية في فسطين.

ب) وإذا كنا ندرك، كما قيل مرّات لا تُحصى، أن الكيان الصهيوني لن يقبل باي اتفاق معنا، وأن وراءه الترسانة الإمبريالية الغربية، وأن وجوده منوط باستمرار الدعم والتوظيف الإمبريالي له، وأن سقوطه أيضاً مربوط بسقوط الإمبريالية، إذا كنا ندرك هذا كله، فسيكون من المنطقي أن نصل إلى الاستنتاج بأن صراعنا ليس معه وحده، وإن كان هو المحتل الاستيطاني المباشر لأراضينا في فلسطين المحتلة، بل إن صراعنا مع معسكر كامل من الأعداء: الرأسمالية – الإمبريالية، الكيان الصهيوني، والأنظمة العربية الرجعية والتابعة للمركز الرأسمالي.

نشوء الأمة العربية جاء مع قدوم الإسلام

منذصعود تيارت الدين السياسي – الإسلامي وحركاته في سبعينيات القرن العشرين، في سياق تداعيات هزيمة حزيران 1967، شاهدنا التركيز على الأفكار والمقولات التي تدّعي أن نشوء الأمة العربية وبدايات تاريخها جاء مرافقاً لظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية. وبالطبع، ليست هذه المقولات جديدة، وليس جديداً أنها لم تتوخي الأمانة العلمية والتاريخية، بل ما يهمنا الإشارة إليه هو أنها تسعى إلى طمس تاريخ العرب وهويتهم القومية وإسهاماتهم الحضارية والثقافية الجليلة عبر قرون عديدة في حقبة ما قبل الإسلام.

ما هي هويتنا؟ مَن نحن؟ ما هو اسمنا؟

لقد فقدنا منذ أمد القدرة على تحديد هويتنا واسمنا وجغرافيتنا، وتركنا للآخر حق القرار.

ولعلنا من تلك الأمم التي تأخرت في التغلب على الخطاب والهيمنة الإمبريالييْن. فلا يزال الآخر هو الذي يحدد لنا هويتنا ويفرض علينا تعريفه ل”مَنْ نحن”، ويرسم لنا حدود  وجغرافيا بلادنا واسمها أو اسماءها.

فما أن انهارت الأمبراطورية العثمانية (1918) ومن بعدها زوال الخلافة الإسلامية (1924)، حتّى كرّس  الاستعمار الأوروبي هندستة السياسية لبلادنا ورسم حدودها، كما فعل في العديد من بلدان العالم الثالث. وقد أفضى ذلك إلى حالتنا الراهنة من فرض هويتنا “الكيانية” والقُطْرية، والانفصام المزمن بين الذات/الهوية من جهة، والاسم والجغرافيا من جهة أخرى.

هكذا شاعت في لغتنا وخطابنا مفردات ومصطلحات تعكس كيف ترانا عيون الآخر المحتل أو المستعمِر أو المهيمِن: شرق أوسط، عالم عربي، والآن تفتقت عقولهم عن تسمية جديدة فأخذ بعضهم يسمينا “غرب آسيا”. وهكذا أيضاً اختفت من تاريخنا أسماءٌ أخترناها لأنها عبرت عنّا وعن هويتنا: الوطن العربي، المشرق العربي، بلاد الشام، سورية الطبيعية، المغرب العربي …. وغيرها.

الاحتلال الذي دام أربعة قرون … ليس “احتلالاً”!

يتنكر كثيرون من مروجي مقولات وإدعاءات الدين السياسي الإسلامي لطبيعة الاحتلال العثماني – الذي جثم على صدورنا أربعة قرون ودمّر البنية التحتية لمجتمعاتنا وأعاق تطورها وإبقاها على حالة التخلف والانحطاط – ويدّعون أنه ليس احتلالاً بل هو خلافة عثمانية أو خلافة إسلامية، أو جامعة إسلامية، أو سلطنة عثمانية وعهد أو حكم عثماني وغيرها من المسميات. وقد استغلوا في ترويج هذه الإدعاءات العاطفة الدينية لدى شعوبنا، عاطفة الأخوة والجامعة الإسلامية، وحالة التدين التي تعيشها جماهيرنا، وذلك  من أجل تضليلها وابتزازها سياسياً واقتصادياً ونهب ثرواتها.

والحقيقة أن هذه الإدعاءات تنطوي في جوهرها على تنكر للعروبة وإنتماء المواطن العربي لوطنه والوفاء له وثقته بنفسه، وذلك من أجل تبرير سياسات حركات الدين السياسي المتحالفة مع تركيا، والتي أصبحت جليّة في سنوات الحرب على سورية واتخذت كافة أشكال العدوان، السياسية والعسكرية والإرهابية، على هذا البلد العربي وشعبه، وها هي اليوم تكشف بوضوح عن مخططاتها المعادية لليبيا وشعبها.

الدين السياسي: “عالمية” الإسلام …  أم غطاءٌ لمعادة العروبة

تدّعي حركات الدين السياسي الإسلامي، وعلى رأسها حركة الإخوان المسلمين، أن دعوتها دينية دعوية تبشيرية لأن رسالة الإسلام (والدين بشكل عام) عالمية وللبشرية بأسرها. ويستندون في ذلك إلى أن قيم الدين الروحانية والإنسانية النبيلة تصلح للبشرية جمعاء ينبغي أن تشمل كافة الشعوب. ولكن الحقيقة أن هذه الإدعاءات ليست سوى غطاء لأجندة ومصالح سياسية معادية لشعوبنا ومصالحها ووحدتها. هذا بالإضافة إلى أن حركات الدين السياسي، أي دين، تناقض هذه الفرضية. ففي فضاء السياسة يحدد الدين السياسي مواقفه ورؤيتة للعالم: فهو عالم كما يراه هو، أمّا الآخر (ورؤيته للعالم) فهو مرفوض وكافر. وهذا ما نراه بشكل خاص في الحركات التكفيرية التي تنتهج نهجاً مغلقاً متزمتاً في العلاقات بين الأديان والشعوب يتسم بالعصبيات الدينية والمذهبية والطائفية ويعادي الآخر ويرفضة ويحلل قتله. وهكذا وصلت الإنسانية إلى الحروب الدينية والتناحر الطائفي.

إن فهم الواقع والعالم على أساس إدعاءات الدين السياسي، يطمس الحقيقة ويغيّب تماماً فهم ما يجري من حولنا، أي فهم القوى الاجتماعية والطبقية ومصالحها التي تحرك المجتمع والتاريخ، ويغطي على حقيقة أن الصراعات الاجتماعية وتناقض المصالح الاجتماعية والاقتصادية والسياسية هي أساس الصراعات في المجتمع والعالم، وليس اختلاف الدين أو المذهب أو الطائفة.

□□□

لا أريد أن اثقل على القارئ بالمزيد، فهناك الكثير من الأمثلة، أورد بعض عناوينها دون الدخول في تفاصيل نقاشها، تاركاً للقارئ التأمل وإعمال العقل والمنطق في صحتها وراهنيتها:

– السوق الحرة هي الطريق إلى التنمية والازدهار الاقتصادي

– الشيوعية مرادفة للإلحاد والانحلال الأخلاقي

– أوروبا هي مركز الحضارة والتقدم بل هي مركز التاريخ

– إيران هي العدو الرئيس للعرب وللأمة العربية (اي إسقاط الكيان الصهيوني كعدو رئيس)

– لقد احتل الأميركيون العراق من أجل الدفاع عن حرية وحقوق العراقيين وجلب الديمقراطية إلى هذا البلد

– أسباب الصراعات في بلادنا تعود إلى اختلاف وتنوع الأديان والمذاهب والطوائف، وعلى رأسها الخلاف السني – الشيعي.

خاتمة

لا يتسنى تقييم الواقع وفهمه، وفهم المرحلة التي يمرّ بها المجتمع، بمعزل عن دراسة العوامل الرئيسية التي صنعت أحداث هذا الواقع وتاريخه وأوصلتنا إلى ما نحن عليه. فحاضرنا، والمرحلة التي نعيشها، هي امتداد لهذه المسيرة. لذا، يصبح من المنطقي والضروري أن نفكك مكونات الواقع وقضاياه وتعقيداته، لا بهدف عزلها عن بعضها، بل بغية فهم الواقع فهماً شاملاً ودقيقاً وأميناً. وهذا لا يتم دون نهضة فكرية وسياسية ترتكز على قاعدة صلبة من الوعي الشعبي.

لهذه الأسباب ذاتها، يظل تزييف الوعي الشعبي – على الرغم من تعدد أسبابه والعوامل المؤثرة فيه وكثرة الكتابات التي تتناولته – يظل في الجوهر محكوماً بآفاق الصراعات الاجتماعية والسياسية ومصالح القوى المتصارعة، ولذا فهو يدور في سياق الصراع الطبقي ويشكّل احدى آلياته بامتياز، أي سلاحاً بأيدي قوى الثورة المضادة في سياق الاستغلال الطبقي والوطني للشعوب والطبقات الشعبية الفقيرة من أجل خدمة مصالح الطبقات المستغِلة.

من هنا، فإن تعرية التزييف الذي حلّ بالوعي الشعبي ووعي الطبقات الشعبية العربية والتأسيس لوعي حقيقي جذري وثوري، هي احدى المهمات الأساسية والملحة للقوى الثورية العربية والقوى الطبقية وقيادتها التي تضطلع بالدفاع عن مصالح هذه الطبقات.

يُفضي بنا هذا الاستنتاج إلى المعضلة المزمنة التي نعاني منها وهي إشكالية التناقض القائم بين (1) مهمات المرحلة ومقتضياتها من جهة، و(2) قدرة القوى الطبقية الثورية وقيادتها على إنجاز هذه المهمات، وهو ما يشكل تحدياً تاريخياً في مستويين:

الأول، المستوى الموضوعي: الصراع مع معسكر الأعداء (الرأسمالية – الإمبريالية والكيان الصهيوني والأنظمة العربية الرجعية والتابعة لهما)؛

والثاني، المستوى الذاتي: بناء قدرة القوى الطبقية الثورية (التنظم الثوري، النظرية، الرؤية، القيادة، البرنامج النضالي وأدوت تحقيقه).

ليست التحديات التي تمر بها شعوبنا حصراً على أمتنا، رغم شدة استهدافها وخصوصيات الحالة العربية الذاتية والموضوعية. فكل الشعوب تواجه في مرحلة ما أزمات وتحديات، وفي مواجهة هذه التحديات ومعالجتها تقف صعوبات وعقبات كثيرة، وكثيراً ما تقع الشعوب في إخفاقات وأخطاء، كبيرة وصغيرة. غير أن الشعوب التي لا تواجه الأخطاء الكبيرة والقاتلة، والتي لا يكون بمقدورها التعامل معها ومراجعتها ومعالجتها، نراها تلجأ إلى تجاهلها، علّ الحل يأتي “بقدرة قادر” أو بمرور الحدث أو يَسقط عليها من السماء “بإرادة إلهية”. غير أن التاريخ يؤكد أن مشاكل هذه الأمم والمجتمعات تزداد تعقيداً وتفاقماً لتفتك بها دون رحمة.

:::::

رابط الجزء الأول:

رابط الجزء الثاني:

رابط الجزء  الثالث:

الجزء الرابع

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.


[1]  أنظر مقال عادل سمارة: “تخطِّي الوعي الملتبس كرؤية لما بعد الوباء”، بتاريخ 27 آذار (مارس) 2020، والمنشور في موقع “كنعان” على الرابط التالي: