تطور النظرية الذرية الكوانتية الحديثة، معمر ياسين نصار، تعقيب سيد البدري

تعقيب سيد البدري

كيف حل العلم الجدلى ” الفاجعة الفوق بنفسجية ” وكيف تعجز الاستاتيكية فى ميدان السياسة والتاريخ.
المقال الرائع المرفق للباحث معمر ياسين نصار، يكشف لنا عن جدلية العلم فى مواجهة الظواهر، وفى حالة النظرية الذرية الكوانتية، والتى تفسر ظاهرة سلوك الذرات والإلكترونيات، تحت تأثير الطاقة، وهو سلوك مستقل عن وعى الإنسان واسبق منه، وكيف تطورت المعالجة والبحث للإجابة عن سلوك أسبق من وعى الإنسان، اما فى ميدان المادية التاريخية فالبعض يتعامل مع الظواهر والتطور الاجتماعى المعاصر واللاحق، بمنظور استاتيكى لا يمت للعلم بصلة، مثل صياح البعض “انظروا ماركس لم يعالج كامل العالم، انظروا ماركس لم يتنبأ، انظروا ماركس لم يحلل ظواهر المستقبل”، هؤلاء محض استاتيكيين، لا يفهمون من حركة التاريخ وتطور المعرفة الا القشور، بل انهم احيانا يتناولون هذا المفهوم المادى أو ذاك فقط اذا ركب ميكانيكيا مع استاتيكيتهم.
المقال يرى نظرية المعرفة فى ضوء تكامل المعرفة وتطورها، من بلانك إلى بوهر وشرودنج، وديبرولى وهايزنبرج، مثلما نرى الماركسية فى تطورها من ماركس وإنجلز ولينين وماو وسمير أمين .
الاستاتيكيون يمتنعون.

■ ■ ■

تطورالنظرية الذرية الكوانتية الحديثة

معمر ياسين نصار

تعد الفاجعة فوق البنفسجية نقطة تحول في العلم وبالذات علم الطبيعة فتسببت بانتقاله من إطار نظري معين في الفيزياء إلي إطار آخر، وللعلم فإن “الفاجعة فوق البنفسجية” هو وصف أطلق علي تجربة إشعاع الأجسام مطلقة السواد حيث تتناسب في الفيزياء الكلاسيكية شدة إشعاع أو طاقة الإشعاع المنبعث من الجسم الساخن مع كمية الطاقة الحرارية الممنوحة له أو درجة حرارة هذا الجسم لكن عند رصد هذه العملية تجريبيا والاستمراربرفع درجات حرارة الجسم الأسود إلي ما بعد الاحمرار وجد أن طاقة الإشعاع تصل إلي قيمة عظمي ثم تنخفض باطراد مع زيادة الحرارة علي عكس المتوقع نظريا من اطراد شدة الاشعاع خطيا مع درجات الحرارة هذه النتائج المخالفة للاستدلال النظري والصادمة للوعي العلمي والمنطقي (الاستدلالي) أدت بماكس بلانك إلي افتراض أن إشعاع الطاقة من المادة إنما يصدر في صورة دفقات لا في صورة انبعاث خطي وإن أطياف الانبعاث تنتج من انتقالات إلكترونية محددة بحيث مع كل انتقال تنبعث دفقة من الطاقة لا تتجاوز مقدارا معينا مساو للفرق بين سويتي الطاقة التي انتقل بينهما الالكترون. طور بوهر تلك الفرضيات ووضع نموذجا جديدا لبنية الذرة يتفق مع الاكتشافات الجديدة ويقدم تفسيرا لطيف انبعاث ذرات الهيدروجين وفي هذا النموذج كانت الإكترونات تدور حول النواة في مدارات دائرية (سويات طاقة) وقد نجحت معالجات بوهر في تفسير طيف الهيدروجين بدقة لكن عندما شرع العلماء في تطبيق تلك المعالجات علي الذرات الأكثر تركيبا من الهيدروجين بدت النتائج الحسابية بعيدة جدا عن النتائج العملية ما فرض التفكير بأن حركة الإلكترونات حول الذرة أكثر تعقيدا بكثير من الحركة التوافقية والدائرية البسيطة التي افترضها بوهر في نموذجه. مع انضمام المزيد من العلماء إلي ساحات النظرية الكوانتية الجديدة التي أطلقها ماكس بلانك إحتشدت المعامل والجامعات بعدد هائل من التجارب والطلاب والمجربين الجدد من هؤلاء جاء الفتي الفرنسي دي برولي الذي استطاع الربط بين كمية الحركة والطول الموجي للإلكترونات وحقق نجاحا نظريا وتجريبيا أدي إلي تأكيد الطبيعة المزدوجة (الموجية- الجسيمية) للاكترونات ثم هايزنبرج الذي كشف عن الطبيعة الاحتمالية للمكونات تحت الذرية وأدت معادلته الشهيرة إلي مبدأعدم اليقين السائد في فهم الجسيمات تحت الذرية في العلم الحديث. إن التجارب المتكررة والمتزامنة والمعالجات النظرية والتجريبية قادت إلي صوغ مصادرات جديدة حول سلوك المادة متناهية الصغر يدخل في الاعتبار طبيعة حركتها الاحتمالية والتي لا تخضع بالمرة لقانون الثالث المرفوع الذي كان سائدا في التفكير المنطقي الصوري والرياضي أيضا حتي حينه.إن شرودنجر كان هو من استطاع استنادا علي المصادرات الجديدة والجهاز الرياضي الخاص المتوافق مع بنية تلك المصادرات الفيزيائية الرياضية الأخيرة إلي صوغ معادلة موجية تصف الحركة الموجية لللإلكتروونات والتي عليها بنيت الميكانيكا الموجية كاملة. عندما حلت معادلة شرودنجر بأكثر من طريقة بعضها كوانتي وبعضها الأخر كلاسيكي (يذكر أن البعض قام بحل المعادلة باستخدام المصفوفات والإحداثيات الكرية) كانت النتيجة الجمعية هي إن الإلكترونات إنما تحتل مواضع في الفراغ في سويات طاقة حول الذرة لكن الهيئة الهندسية لتلك المواضع لا تتفق مع المسار الدائري لكرة كاملة حيث تتساوي احتمالات تواجد الإلكترون في كل الاتجاهات فيما يعرف بالتماثل الكري، كما تصور بوهر، بل إنها تتخذ هيئات خاصة تنتج من نشوء مواضع محرمة في الفضاء الكري تعرف رياضيا بقواعد الانتقاء selection rules. إن وجود قواعد الانتقاء كان هو الحل الرياضي لوجود المواضع التي تعد مقاطع صغيرة من الكرة محصورة بين قطرين ينطبقان فوق أحد المحاور المكانية الثلاثة في كل مرة. يتضح من تتبع تطور النظرية الحديثة في التركيب الذري، إن التركيب البالغ للذرات الاكبر من الهيدروجين أجبر العلماء علي إبداع الرياضيات الكوانتية التي لم تسقط دويرات بوهر لكنها كشفت عن القوانين الخاصة التي يفرضها واقع التزاحم الإلكتروني حول الذرات الأعقد من الهيدروجين والتي لا يمكن فهم تموضعها والانبعاثات الناتجة من تذبذباتها وفق المسار المحقق لحركة بسيطة متماثلة كريا في جميع الاتجاهات في كل الأوقات بهذا مكنت النظرية من تفسير وفهم المادة بطريقة أكثر اتساقا مع المعطيات التجريبية في الواقع.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.