الطاهر المعز: (1) من المُتسبّب بهذه الأزمة الإقتصادية، ومتى تنتهي؟ (2) ألمانيا، ابتزاز أمريكي

(1) من المُتسبّب بهذه الأزمة الإقتصادية، ومتى تنتهي؟

(2) ألمانيا، ابتزاز أمريكي

● ● ●

(1)

من المُتسبّب بهذه الأزمة الإقتصادية، ومتى تنتهي؟

أعلن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية (WHO) إن “العالم سيعاني من الآثار السلبية للفيروس التاجي لعقود”، وذلك إثر اجتماع لجنة الطوارئ للمنظمة، يوم 01 آب/أغسطس 2020، الذي أكّد على “أهمية مواجهة الوباء عالميا، للتخفيف من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي أثرت في حياة معظم سُكّان العالم…”

إنه تحذير للأُجراء وللفُقَراء، ونَذير بسنوات عِجاف (وكأننا عرفْنا سنوات “خير”)، والتّعلّة جاهزة، وملخّصها: إن جائحة كورونا هب السبب، وهي حالة طارئة، لكنها سوف تستمر لسنوات، بل لِعُقُود، لتتحول من حالة طارئة، إلى حالة مستمرة، أو اعتيادية…

لم يكن تصريح المدير العام لمنظمة الصحة العالمية سوى صدى لما وَرَد في تقرير لصندوق النّقد الدّولي (وكالة الصحافة الفرنسية أ.ف.ب، يوم الجمعة 17 تموز/يوليو 2020 )، من أن الخطر لا يزال سائدًا، بسبب عودة انتشار “كوفيد 19″، وانهيار الإقتصاد، وخاصة اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ظهر جليًّا انهيار منظومة الرعاية الصحية، وتفاقُم الفقر وارتفاع البطالة إلى مستويات قياسية، في مقابل ارتفاع أرباح بعض الشركات الإحتكارية، ودعم الحكومة الإتحادية للشركات، من المال العام…  

نما الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بنسبة 2,3 % سنة 2019 ، ووعد الرئيس دونالد ترامب بنمو بنسبة 3% في عام 2020، لكن انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5% خلال الربع الأول من العام 2020 ، وانكمش بنسبة 32,9% ( 37% بحسب تقرير صندوق النقد الدّولي) في الربع الثاني من عام 2020 ، بحسب إدارة التجارة الأمريكية (الخميس 30 يوليو 2020)، وهو تراجع تاريخي يدل على الدخول الرسمي في ركود الاقتصاد الأمريكي، بعد ربعين متتاليين من التراجع، ويعتبر صندوق النقد الدولي ذلك مؤشر انهيار، ولا يتوقع تعافيًا قريبًا (وصادق مدير منظمة الصحة العالمية على هذه التوقعات)، بل يتوقع انكماش الإقتصاد الأمريكي بنسبة 6,6% بنهاية العام 2020 بأكمله، بسبب انخفاض الإنفاق الاستهلاكي – وهو مكون رئيسي للناتج المحلي الإجمالي الأمريكي – بنسبة 34,6% في الربع الثانين فيما انخفض الإنفاق على الخدمات بنسبة 43,5%، كما انخفض الاستثمار الخاص بنسبة 49% ، بينما قفز الإنفاق الحكومي الفيدرالي بنسبة 17,4%، ولم يتجه هذا الإنفاق نحو الرعاية الصحية والتعليم العمومي والنقل العام، بل أغدقت الحكومة الإتحادية المال على الشركات، وخصصت بعض المال القليل  للأسر وللمُعَطّلين عن العمل، لكن لفترة محدودة جدا…

أشارت وكالة رويترز (31 تموز/يوليو 2020) أن انكماش الاقتصاد الأمريكي هو الأكبر منذ الأزمة المالية العالمية سنة 2008، وأشارت كذلك إلى مخاوف خبراء الصندوق من مخاطر أخرى على الإقتصاد الأمريكي، باعتباره قاطرة الإقتصاد الرأسمالي العالمي، منها ارتفاع حالات الوفاة بوباء “كوفيد 19″، خاصة في ولايات الجنوب والغرب، وزيادة عدد العاطلين بنحو 1,43 مليون عاطل جديد، خلال أسبوع واحد (من 20 إلى 25 حزيران/يونيو 2020)، وأَدْرَجَ صندوق النقد الدولي “زيادة مستويات ديون الحكومة والشركات”، ضمن المخاوف…

أما في أوروبا، فقد ارتفعت أسعار المستهلكين في دول الإتحاد الأوروبي، بسبب ارتفاع أسعار أسعار المواد الضرورية والأساسية، في ظل انخفاض أو انعدام الدّخل لدى الفُقراء والمُهمّشين وفئات عديدة من العاطلين والسّكّان، كما سجّل الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو، في الربع الثاني من سنة 2020، انخفاضًا قياسيًّا، بنسبة 12,1%، مقارنة بالربع الأول من نفس السنة، وفقًا للمكتب الأوروبي للإحصاء ( يوروستات 31 تموز/يوليو 2020)، وبلغ نسبة الإنخفاض 10,14% في ألمانيا وبنسبة 12,4% في إيطاليا و13,8% في فرنسا و 18,5% في إسبانيا…

في الصين، أول دولة أعلنت انتشار وباء “كوفيد 19” داخل حدودها، انخفض الناتج الإجمالي المحلي بنسبة 6,8 خلال الربع الأول من سنة 2020ن ثم عاد الإقتصاد إلى النمو بنسبة 3,2 خلال الرباع الثاني، ما اعتبره صندوق النقد الدولي “بصيص الأمل الوحيد” لعودة نمو الإقتصاد العالمي…

تُشكل هذه البيانات العديدة إنذارًا لنا لكي لا نثور، بل لكي نَعْذِر الحكومات والشركات الإحتكارية والمُتَسَبِّبِين في هذه الأزمات المُتكرّرة، الدّورية منها والطّارئة…

نحن لم نُشارك في اختيار الأولويات الإقتصادية، بل فَرضت علينا الحكوماتُ الدّيونَ وباعت ممتلكاتنا (القطاع العام) وجعلت بلداننا مَرْتَعًا للشركات العابرة للقارات ولجنود الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، وأدّت هذه الخيارات إلى كوارث لا حصْرَ لها، وإلى تعميق الفَجْوة الطبقية، وزيادة الفقر والبطالة وارتفاع الأسعار…  

إن أضعَف الإيمان أن ننتفض ضد الحكومات التي تبدِّد المال العام (من ضرائبنا المباشرة وغير المباشرة) ومطالبتها باستثماره في القطاعات المنتجة، والخدمات العمومية، وتوفير العمل للمُعَطَّلِين والخدمات للمواطنين، بدل مَنْحه للشركات التي تُحارب القطاع العام، وتَسْتفيد (هذه الشركات) من عَرَقِنَا بشكل مُضاعَف، أي من الإستغلال، ثم من الضرائب ومن المال العام…

ماذا يعني إصدار قرارات فوقية بتعطيل عجلة الإقتصاد، وبحبس الناس في بيوتهم (إن توفرت لهم بيوت)، دون توفير أسباب الحياة لهم، وفي مقدمتها الغذاء والرعاية الصحية، وضمان إيجار المسكن، وثمن فواتير الكهرباء والماء وغير ذلك من ضروريات الحياة؟

من خَوّل حكومات العالم مَنْحَ المال العام للأثرياء، بينما يعاني عديد العاملين (بدوام جُزْئِي وباليوم، وفي القطاع المُوازي) والفُقراء والمُهَمّشُون من الخصاصة ومن ضَنَك العيش؟

من الخطأ مهادنة رأس المال، وليس من دورنا “تَفَهُّم صعوبات الرأسماليين”، بل وجب استغلال أي فرصة لإضعاف هيمنة رأس المال، إذا لم نتمكن من الإطاحة به، شرط امتلاكنا لبرنامج بديل، يُحقق العدالة ويُوفِّرُ حاجات النّاس الأساسية…     

(2) 

ألمانيا، ابتزاز أمريكي

تُشارك ألمانيا في كافة الحُرُوب العدوانية الأمريكية – الأطلسية، من أفغانستان، إلى “مالي”، وتبيع أسلحة متطورة للكيان الصهيوني (منها غواصات قادرة على حمل سلاح نووي) بأقل من سعر التكلفة، أي أن ضرائب المواطنين (وكذلك العمال المهاجرين) تُستخدَمُ لدعم تسليح الكيان الصهيوني، ومنذ آذار/مارس 2011، تسلّلت “القوات الخاصة والمخابرات الألمانية إلى “ريف دمشق”، والمناطق القريبة من الجولان المحتل، فيما تكفلت الغواصات والسفن الحربية الألمانية بقرصنة الإتصالات الحكومية السورية، ثم الإتصال بالمجموعات الإرهابية ومَدّها بالمعلومات الضرورية، وبأخبار تحركات الجيش السوري… كما تلعب ألمانيا داخل الإتحاد الأوروبي دَوْرَ أكبر حارس لمصالح الكيان الصهيوني، وَجَرّمت الدعوات لمقاطعته، ثم تبعتها فرنسا ودول أخرى، قبل أن تُلْغِي محكمة أوروبية بعض جوانب هذه التشريعات، وتفرض ألمانيا (باسم الإتحاد الأوروبي) على الدول العربية التطبيع الإقتصادي والثقافي والأكاديمي، وتغيير بعض محتويات برامج التعليم، مع الكيان الصهيوني، قبل الموافقة على القروض…    

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أصبحت ألمانيا وإيطاليا المهزومتَيْن (وكذلك اليابان) مُحتلّة، وانتشرت القواعد العسكرية الأمريكية (باسم الجيش الأمريكي، أو باسم حلف شمال الأطلسي)، واستُخْدِمَتْ هذه القواعد للتجسس، وللإعتداء على الشعوب، إذ تعدّ ألمانيا مركزاً للعمليات العدوانية الأميركية في “الضفة الجنوبية والشرقية للبحر الأبيض المتوسط”، أي في الوطن العربي، وكذلك في أفريقيا (حتى بعد إنشاء “أفريكوم”- القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا)، وينتشر حالياً في ألمانيا حوالي 35 ألف جندي أمريكي، بالإضافة إلى المخابرات العسكرية وقوات من أوروبا ومن أعضاء حلف شمال الأطلسي، وتُسدّد ألمانيا ثمن “الإقامة”، لكن رئيس الولايات المتحدة الحالي (كما من سبقه) يُطالب دول أوروبا، وخاصة ألمانيا، والدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، بزيادة الإنفاق العسكري، لشراء مزيد من الأسلحة والمُعدّات الأمريكية، وتُهدّد الولايات المتحدة بسحْب 12 ألف جندي من ألمانيا، إذا لم توافق حكومة ألمانيا على زيادة الإنفاق العسكري، وعلى زيادة الإنفاق على القواعد الأمريكية على أراضي ألمانيا… قبلت ألمانيا زيادة الإنفاق، مع مراجعة بعض الشروط، لكن الولايات المتحدة لا تُفاوض، بل تَفْرِض، إلاّ إذا أُرْغِمت بالقوة، على التفاوض والتنازل، وأفصح “دونالد ترامب” عن خطة الإبتزا بالقول: “إن حكومة ألمانيا مُقَصِّرَة معنا، بشأن التجارة والدفاع… يجب أن يشتروا منا مزيدًا من السّلع، وأن يرفعوا الإنفاق على السلاح (الأمريكي)”، بحسب وكالة “أسوشيتد برس” (29 تموز/يوليو 2020)

سبق أن فَرَضَت الولايات المتحدة، سنة 2014 (خلال فترة رئاسة “باراك أوباما”) على الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، زيادة الإنفاق العسكري ليصل، سنة 2024، إلى ما لا يقل عن 2% من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة عضو، ويعتبر “دونالد ترامب” أن ألمانيا “مُقَصِّرَة” بهذا الخصوص، بعد أن هَدَّد، منذ سنة 2018، بفرض عقوبات، بسبب الفائض التجاري لصالح ألمانيا، في عملية المبادلات التجارية بين البَلَدَيْن، وعانت المصارف والشركات الأوروبية، ومنها الألمانية، من العراقيل التي تضعها الحكومة الأمريكية، وأجهزتها الرقابية والقضائية، أمام أي شركة أجنبية (غير أمريكية المَنْشَأ) تحاول الحصول على حصة من السوق الداخلية الأمريكية…

يتزامن هذا التّهديد مع اقتراب موعد الإنتخابات الرئاسية الأمريكية (تشرين الثاني/نوفمبر 2020)، ومع تصعيد اللهجة العُدْوانية تجاه روسيا والصين وإيران، ولذلك فإن نصف عدد الجنود الذين تعتزم وزارة الحرب الأمريكية سَحبَهُم من ألمانيا، سوف يلتحقون بالقواعد العسكرية الأمريكية في بولندا وفي الدّول القريبة من روسيا، وسوف يُعزّز الجنود الآخرون القواعد العسكرية الأمريكية في إيطاليا، وفي بلجيكا، حيث مقر حلف شمال الأطلسي، وتعتزم الولايات المتحدة نَقْلَ مقر القيادة العسكرية الأميركية في أوروبا من مدينة “شتوتغارت” بألمانيا إلى مدينة “مونس” ببلجيكا، ونُذكّر بأن مقر قيادة حلف شمال الأطلسي يقع ببروكسل، عاصمة بلجيكا، ويرأس القيادة العسكرية الأمريكية في أوروبا وقيادة قوات حلف شمال الأطلسي، نفس الجنرال الأمريكي، منذ تأسيس الحلف…

سَبَقَ أن وافقت الولايات المتحدة على طلب حكومة “بولندا” (يمين متطرف)، سنة 2019، نكاية في روسيا، زيادة عدد القوات الأمريكية في المقر السابق لحلف واسو، “لحماية أوروبا الشرقية” (من العدوان الرّوسي المُفْتَرَض)، وأرسلت أمريكا بالفعل، حوالي ألف جندي إضافي إلى بولندا، لمزيد الضغط على روسيا، التي تُشكّل “تهديدًا للأمن القومي الأمريكي”، بحسب الحكومة ووسائل الإعلام الأمريكية، التي تعتبر ما يحدث في الصين أو روسيا أو إيران أو فنزويلا، أو في سوريا أو في أي منطقة، “تهديدًا للأمن القومي الأمريكي” الذي يمتد إلى جميع أراضي وأجواء وبحار كوكب الأرض، وحتى محيط الكواكب الأخرى، ما يُبَرٍّرُ انتشار الجيوش والسفن والطائرات الحربية والصواريخ الأمريكية، في 800 قاعدة عسكرية، في كافة أنحاء العالم… 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.