“كنعان” تتابع نشر كتاب “فلسفة المواجهة وراء القضبان”، تأليف: محمود فنون، الحلقة 18

من أدوار العملاء في السجن 

عدا عن الوشايات والتصنت وجمع المعلومات وتبليغها لأجهزة أمن السجن أو المخابرات، يمارس العملاء بتوجيه من أسيادهم أدوارا خيانية أخرى ذات أبعاد سياسية أو تخريبية داخل السجون. فالسجون، كما أنها قبور مظلمة للأحياء، وأكياس حجرية تغلّ حريّاتهم وأيديهم، هي أيضاً من وجهة نظر منظمات السجون الوطنية مدارس للثوار والنضال المتواصل. فيها تجري إعادة بناء المناضل وطنياً: فكريا وسياسياً وتنظيميا رغم كل قمع سلطات السجون وعسفهم، ورغم كل أشكال الحرمان والتضييق التي تمارس ضد المعتقلين. 

فمنظمات السجون، وخاصة العقائدية منها، تصوغ نفسها بحيث تؤدي دورها الذي يتمثل في ما يلي: 

  1. الرعاية الإنسانية والاجتماعية للمناضلين المنضوين تحت لواء هذه المنظمة. 
  2. التثقيف والتعبئة السياسية والأيديولوجية للأعضاء بشكل متواصل ومن خلال برامج تثقيفية وتعبوية ملتزمة يعيد الإنسان من خلالها بناء شخصيته بشكل جديد ويتعرف على العالم المحيط به وثقافته وحضارته، وأساليب كفاح الشعوب وأفكارهم ومستوى تطورهم، كما ينال حظا من الثقافة في اللغات والفلسفة والاقتصاد والتاريخ والسياسة وأساليب العمل التنظيمي. 
  3. حماية بقاء المنظمة والروح الوطنية والثورية فيها عن طريق تربية الأعضاء وتثويرهم وتصليبهم وتعميق التزامهم وانتمائهم الثوريين، وضبطهم وتوجيههم في سلوكياتهم ومواقفهم باستمرار. 
  4. المشاركة مع المنظمات الأخرى في الدفاع عن حقوق المعتقلين وقيادة نضالاتهم المطلبية الحياتية والإنسانية، وقيادة مواقفهم السياسية والوطنية. 
  5. ضبط المعتقل حيث يتواجدون فيه بصورة عامة وحماية موقفه الوطني وتصليبه. 
  6. فتح عيون المعتقلين على سياسة الاحتلال ضد المساجين، وتحصين السجناء ضدها ومقاومتها كلما أمكن. 
  7. العمل في منظمات السجون متواصل لكشف العملاء والمندسين والمنحرفين والمتساقطين ومحاسبتهم ومعاقبتهم وتربية من يمكن أن تجدي معه التربية. 
  8. قيادة النضال اليومي ضد الإدارة، وقيادة العمل اليومي داخل الغرف، وحل كل ما يمكن أن ينشأ من خلافات وإشكالات بين المعتقلين والمنظمات الاعتقالية المختلفة، والحفاظ على الوحدة الوطنية بين المعتقلين. 
  9. تخريج مناضلين محترفين للعمل في الساحة الوطنية بعد أن يكونوا قد حصلوا على خبرة عمل يومية وكافحوا في أقسى الظروف وتعلموا سبل مقاومة الاحتلال من خلال احتكاكهم به وخبروا التحقيق والاعتقال عن قرب. 

     إن هذه النشاطات لا تمارس تجريدياً، بل عبر نضال يومي متواصل. وهكذا فإن المناضل يتربى عبر النضالات اليومية المتواصلة، وليس كمن يكون في مدرسة أكاديمية. إنه يتخرج من دورة عمل نظرية ومكثفة، وخلال معاناته اليومية يتعبّأ بالحقد على أعداء الإنسانية الذين خرقوا كل قانون إنساني وكل قيم أخلاقية. إنه يتخرج من مدرسة الثورة ثائراً حقيقياً بقدر ما يكون قد أعدّ لذلك مع تفاوت بين قدرات وإمكانيات وتوجهات منظمات السجون للقيام بهذا الدور العظيم. 

    أما سلطات الاحتلال فهي تسعى جهدها وباستمرار لتحقيق سياساتها ضد مناضلي الثورة الفلسطينية في السجون، تلك السياسات التي تتمثل في: 
  10. حجز أكبر عدد من المناضلين عن الساحة الوطنية وكفّهم عن النضال الوطني فيها 
  11. تدمير المعتقلين نفسياً ومعنويّاً وإضعاف شخصياتهم الوطنية وانتمائهم الوطني والسعي لتفريغهم من انتمائهم الثوري وكسر أطرهم السياسية داخل المعتقلات. 
  12. التنكيل بهم يوميا وضمن ظروف اعتقالية صعبة كنوع من العقوبة غير المعلن عنها، وذلك لإيقاع أكير أذى ممكن بهم وتخويفهم من عواقب ارتباطاتهم الوطنية. 
  13. خلق هوة بين المعتقلين ومجتمعهم عن طريق وضعهم في الأكياس الحجرية بعيدين عن متابعة مسارات الحياة وتطوراتها بهدف خلق غربة بينهم وبين المجتمع، هم في مقاساتهم والحياة تسير في الخارج من دونهم. 
  14. محاولات مستمرة لغسل الدماغ وفصل المناضلين الثوريين عن ارتباطاتهم الوطنية عن طريق الأدوات الإعلامية المتاحة وإطلاق الإشاعات والمقارنات غير المعقولة. 
  15. خلق كل ما يمكن خلقه من المنازعات بين المعتقلين أنفسهم حتى تتحول حياتهم إلى جحيم قاسٍ يدفعهم للانهيار والتعب، واللجوء لإدارة السجن لحل المنازعات (لم يحصل بأي حال من الأحوال أن اشتكت منظمات السجن على بعضها لدى سلطات الإدارة). فغالباً حينما تنشأ منازعات بين المعتقلين، تحدد الإدارة كيفية تدخلها بحيث أ- تزيد من حدّة النزاع ب- توقع أكبر درجة من الإذلال والمهانة بالمعتقلين ج- تكسب من يمكن كسبه من المستعدين للتخاذل والنذالة والتساقط، ومنشأ النزاعات في الغالب هم العملاء المندسّون بين صفوف المعتقلين. 
  16. التدخل القمعي العنيف ضد المعتقلين بين فترة وأخرى باستخدام قوات الجيش وحرس الحدود لتأكيد السلسلة من جانب، وإيقاع أكبر أذى ممكن بالمعتقلين ومصادرة ممتلكاتهم البسيطة وخلق جو من الرعب والقسوة ومنع كل الامتيازات التي حققها المعتقلون في نضالاتهم السابقة وحرمانهم من أبسط سبل العيش سوى الطعام المتدني النوعية للحفاظ على البقاء ليس إلا. فحتى الكتب والدفاتر التي يشتريها السجناء بأموالهم وحتى ملابسهم الداخلية التي يحصلون عليها من الأهل، وكميات السكر والشاي التي لديهم والتي يشترونها من دكان السجن. كلّها تصادر نهائياً وقد صدف مرات عديدة أن صودرت المكانس التي تقدمها إدارة السجن نفسها لتحدّ من النظافة كنوع من المضايقة، عدا عن قطع الكهرباء والتفتيش المتواصل والضرب والتعذيب. إن هذه الممارسة ليس فقط من أجل خلق جو تمارس فيه إدارة السجن سياسات أخرى، بل هي في حدّ ذاتها سياسة عامة ونهجاً رسميّاً تمارسه إدارة السجن بين الفينة والأخرى. 

    وإدارة السجن تقدم مبررا لذلك، فإن شاءت قامت بما تقوم به دون أي مبرر ليكون غطاء وإن شاءت افتعلت أي مبرر مهما كان صغيراً، وفي أحيان عديدة تدفع عملاءها للاصطدام بالشرطة شكليّاً، أو تدفعهم لخلق مشكلة مع معتقلين آخرين يشهرون خلالها أدوات حادة أعطتهم إياها إدارة السجن فتقوم القيامة بعد ذلك. إن هذه الممارسة بالأساس هي سياسة عامة وليس حدثاً عابراً أو ردّاً على حدث عابر. 
  17. خلق تيار متساقط من العملاء والضعاف والمتساقطين الموجودين في السجن ليقوموا بأدوار باسم منظمات المعتقل التي بفعل نضالاتها وصلابتها حظيت بتأييد وتعاطف واحترام الجماهير والثورة. 

    فالمتساقطون أخلاقياً، والمتساقطون وطنياً، يلجؤون للإدارة، عدا عمّن تغريهم الإدارة، أو من يتعرضون لضغط متواصل لا يستطيعون تحمّله، بالإضافة إلى نواة أساسيىة من العملاء الذين أودعتهم السلطات في السجون خدمة لغاياتها المتعددة. هؤلاء العملاء الذين يشكلون اليوم قاطني أقسام العار في السجون ويدعون (بالعصافير). 

    لقد استندت سلطات الاحتلال على هؤلاء العملاء في: 
  • رصد تحركات المعتقلين كأفراد والتجسس عليهم ومحاولة معرفة أخبار نشاطاتهم السابقة على الاعتقال وأي معلومات ممكنة عنهم وإبلاغها لأسيادهم الأعداء 
  • رصد تحركات ونشاطات وفاعليات منظمات السجون وإبلاغ أخبارها لأسيادهم الأعداء. وحتى يتمكنوا من القيام بدورهم هذا فلابد من أن يتظاهروا بمنتهى الحماس الوطني والحرص الشديد على المصلحة الوطنية والتجربة الوطنية. 
  • الدس بين المنظمات المختلفة وبين تجمعات المعتقلين أو بين أي اثنين وخلق الإشكالات والمفاسد في ما بينهم مستغلين ما يكونون قد حققوه من منزلة في هذه المنظمات. وإثارة النعرات العصبية والشكلية والتكتلات أو تحت اسم الحرص على المنظمة الفلانية يمارس العميل نشاطات معادية لمنظمات أخرى أو لأعضاء منها مفتعلا كل يوم مشكلة، أو مفتعلا أخبارا كاذبة وادعاءات واتهامات مثيرة ضد أحدهم أو جماعتهم بحيث يؤدي تراكم نشاطات كهذه إلى تأجيج العلاقة بين المعتقلين أنفسهم. 
  • بحكم صلتهم بالعدو، وبالاستناد إلى توجيهات محددة يعمل العميل في (الرصد) أي جهاز أمن واستخبارات تابع لإحدى المنظمات فيُظهر بالتالي ولاء متزايداً لهذا التنظيم وللقادة الذين يتعامل معهم، ثم يأخذ في مراقبة الآخرين وتصنيفهم كما يحلو له وتقديم هذه التصنيفات لرؤسائه وتزداد فاعلية هذا النوع إذا ما تمكن من العمل في مرافق السجن وخاصة أن إدارة السجن تحاول جهدها أن تشغّل المتعاونين معها في هذه المرافق. في هذه الحالة، وبحكم حرية الحركة النسبية التي يحظى بها العميل يستطيع كل لحظة نقل أية أخبار وأية رسائل مكتوبة أو شفوية بين أقسام السجن. وغالباً ما تكون هذه الأوراق عرضة للوقوع في أيدي المخابرات، أما الأخبار اليومية والرسائل الشفوية فهي تنقل أولا بأول. 
  • يمثل العملاء والمتساقطون ومن يستطيعون جرّه وتضليله معهم أول المتساقطين في الإضرابات والحملات النضالية التي يشنها المعتقلون دفاعا عن وجودهم. 
  • إطلاق حملات وإشاعات ساقطة ومغرضة ضد بعض المناضلين بغية إضعافهم وإضعاف هيبتهم ومحاصرتهم وخلق جو من التشكيك في داخل المعتقل عن طريق اتهامات بالعمالة ضد هذا وذاك. ولا تتورع المخابرات عن الإيقاع بأحد عملائها تصديقاً لهذه الإشاعات وتقديمه لقمة سائغة للمعتقلين ليحققوا معه ويقدم اعترافات عن نفسه ولا ينسى بالطبع أن يشوه إن استطاع أكبر قدر ممكن من المعتقلين خالطاً الأبيض بالأسود لخلق جو من البلبلة والشك، وقد تصل الأمور لأن يقوم المعتقلون بشن حملة واسعة من التحقيق. وبالطبع، فإن حملة كهذه تزيد في التوتر الداخلي وتخلق جوا إرهابياً محاطاً بالغموض والخطورة. 

    لقد قدم أحد العملاء تقاريرَ ضد عدد من العملاء الآخرين من خارج شبكته بعد أن قدم دليلا ماديا ملموساً ضد أحدهم، ولم يقصّر صاحبنا هذا في الاشتراك في حملة التحقيق بنفسه وتوجيهها بما يلائم مخططاته وتحويل التحقيق إلى مستنقع تعذيب رهيب وقاسٍ كلما سنحت له الفرصة، وأثناء مشاركته في التحقيق القاسي يتعمد طرح أسئلة إيحائية يضطر المتعرض للتعذيب في الجو الإرهابي أن يجيب عليها بطريقة تتلاءم مع هدف مشين في طرح الأسئلة كأن يسأل عن (فلان) ما علاقتك به وهل هو عميل حسبما تعلم أم لا؟ فإن قال لا، انهال عليه بالضرب حتى يقول نعم ثم يطلب منه أن يكتب اعترافاته بخط يده ليكون القمح والزؤان معا فيساهم ذلك في خلق جو من التشكيك والتلويث.  

    إن حاجة بعض مسؤولي السجون إلى أعوان وأتباع شخصيين تشكل مناخاً خصباً للعملاء المتسلّقين الذين يلجأون إلى الأعمال الرصدية الداخلية والخارجية ويقدمون بعض الخدمات الحقيقية مما يخلق جوا من الثقة بينهم وبين المسؤولين فتفتح لهم طريق التسلق، وقد عاشت السجون تجارب قاسية ومريرة نتيجة هذه الظاهرة، وهي لا تزال موجودة إلى هذا الحد أو ذاك ولكن بدجة أقل من السابق. 
  • قد يصل أحد المنهارين المتساقطين في التحقيق والذي أبدى استعداداً لخدمة الاحتلال بنذالة إلى وضع مسؤول في السجن وخاصة في سجون التوقيف مثل سجن جنين، رام الله، الخليل وغزة؛ مستنداً بذلك إلى عزوته، على عدد من المعتقلين الذين يتحمل مسؤولية اعتقالهم، اعتقال ستة عشر مناضلاص مثلاً، وبالتالي أحد مسؤولي التنظزيم الفلاني. 

    في هذه الحالة فإنه يعبّئ ما يشاء ويخلق ما يستطيع من المفاسد، ويطّلع على كل أسرار التنظيم، ولا بأس أن يطالب المعتقلين الجدد بتقديم تقارير عن أنفسهم وعن نشاطهم في الخارج ليسربها بطريقة من الطرق إلى أيدي جهاز أمن الاحتلال. 

    وخلال عمله كمسؤول، يحاول ووفقا لتوجيهات المخابرات تعيين أشباهه من الأنذال في مسؤوليات وتحميلهم مهام (وهذا يعتمد على النظام الداخلي الذي ينظم الأوضاع الداخلية للمنظمة، والمنظمات التي تعتمد نظاما داخليا وشروط تنظيم علمية لا يمكن أن يحدث فيها شيء كهذا). إنه عندما يفسح المجال أمام الأنذال الآخرين لتسلم مناصب ومسؤوليات إنما يضع نفسه ويضعهم في الموضع البعيد عن الشبهة داخل السجن وخارجه، علماً أن قبضات المعتقلين على أمنهم ومصالحهم قوية لدرجة أنها كشفت العديد من الحالات الخطرة في السجون المختلفة وأوقعت بهم العقاب الذي يستحقونه ولكن بعد أن يعاني منهم السجن لفترة ليست قصيرة. 

    ملاحظة: في سجون التوقيف حيث يقبع معظم المعتقلين الجدد، ظهرت نغمة ان المسؤول في الخارج مسؤول في السجن دون الالتفات إلى ظروف التحقيق، وأن المعترف بعدد من التهم التي تكفل له حكماً عالياً هو أيضاً أهل للمسؤولية، وأيضاً المسؤول عن اعتقال وتدمير أوضاع أكبر عدد من مناضلي الثورة بوصفه مسؤولاً لعشرين شخصاً مثلا، هو كذلك أهل للمسؤولية؟ في ظل مناخ كهذا تسلّق على سلم مسؤوليات بعض منظمات السجون عددٌ من المتساقطين والمنهارين والضعاف والأنذال، وفي مناخ معين يتسلق على سلم المسؤوليات بعض الأفراد بوصفهم زعراناً وحولهم شلة من الزعران. 

    وفي جميع هذه الحالات تتعرض منظمات السجون لهزّات وإشكالات داخلية قاسية. 

    إن الضوابط التنظيمية الداخلية المبنية على اسس علمية وأيديولوجية ثورية لا يمكن أن تفسح المجال لحالات كهذه بالظهور في جميع الأحوال ومهما كان الوضع الاعتقالي، أما المنظمات التي تفتقر إلى الضوابط ويحمل إليها الأعضاء المتخلفون نضالياً وحضاريا وتنظيميا تخلّفَهم هذا فهي بالطبع مرتع خصب لهذه الاختراقات من الداخل. 

    إن الأحزاب الثورية والمنظمات اليسارية التي تمتلك تقاليد العمل والبناء الحزبي تبني أدواتها التنظيمية وفقاً لأنظمة ثورية وليس وفقاً لأنظمة عشائرية أو قبضنة. والمسؤول عن اعتقال خمسة أو عشرة فيها لا يحظى بمنزلة محترمة، ولا يمكن أن يتسلم مسؤوليات فعلية عن رفاقه في السجن ناهيك عن أن المنظمات القيادية في السجون يجري انتخابه وفقاً للأصول الحزبية ومبدأ المركزية الديمقراطية، ولا يحق للمنهارين في التحقيق أن يرشحوا أنفسهم بل قد لا يحق لهم شرف العضوية الكاملة في السجن رغم مسؤولية منظمتهم عنهم بشكل من الأشكال ضمن إطار السجن نفسه. 

    أما إذا انتقل السجناء بعد حكمه إلى السجون الداخلية مثل بئر السبع وعسقلان ونفحة، فلهذه السجون تقاليد تنظيمية راسخة مبنية بشكل علمي وذات خبرة طويلة لا تفسح مجالا للتسلق، وتبقى الشللية تفعل فعلها في المنظمات التي تفتقر إلى التقاليد الثورية وفي حدود ضيقة نسبياً.  
  • لم يتوانَ العملاء المدسوسون عن تسريب الحشيش والمخدرات إلى معتقل بئر السبع في سنة من السنوات ونشرها بين أقرانهم وفي حدود مستنقعهم إلى أن جرى كشف هذه الحادثة العابرة وتمت تصفيتها بعد أن تبين أن أحد رجال الحرس هو الذي يزودهم بها. 

    عدا عن المخدرات، فهم يلجؤون دائما إلى تسريب المسائل الحياتية الكمالية إلى السجون ليصرفوا اهتمام المعتقلين إليها واستخدامها كوسيلة لخلق جو اجتماعي من حولهم، مثل صابون من نوع جيد، سجائر فلتر، ملابس داخلية جميلة، وما شابه وكل هذه الأشياء محرّمة في السجون بفعل قوانين سنّها المعتقلون أنفسهم مثلها مثل المخدرات، علماً أن المخدرات معدومة تماما في السجون السياسية وإن أمكن وجودها ففي أقسام العار فقط.  

    10- استخدمت المخابرات عملاءها لغرض التشويه الأخلاقي ضد المناضلين فقد عمد بعضهم وأثناء نومه بقرب مناضل معين، وبناء على ترتيب مع العملاء الآخرين أو شرطة السجن أو الأمن، عمد هؤلاء إلى الصراخ في الليل بعد أن يضع الواحد نفسه في وضع معين موحياً بأن جاره ينوي تنفيذ ممارسة لا أخلاقية معه. 

    لقد تعلم المعتقلون من خبرتهم كيف يفسرون كل حدث وكل ظاهرة تحيط بهم، وبسبب من السيل المتدفق من الأحداث والمعايشة اليومية لها، فإنه في مقدور طواقم القيادة إدراك أبعاد وخلفيات أي حدث وإيلاؤه الأهمية التي يستحقها من الدراسة والتحليل. ودلّت التحقيقات المثابرة والمتابعة المدققة لعملاء ومشبوهين على خطط وأساليب غستابو الصهيونية مما مكّن المعتقلين من إيقاع الهزائم القاسية بهم مما يدفع سلطات السجون للانتقام وممارسة القمع الوحشي كرد على فشلها المفضوح. 

    وهكذا يستمر الصراع إلى داخل الأقبية ثم إلى المعتقلات، يستمر بين فئتين متناقضتيّ الأهداف متصارعتين بينما الذي يتغير هو أدوات الصراع وما حوله وشكله. 

    لقد تمكنت إدارة السجون من إحداث أول فرز ذي صبغة سياسية بين المعتقلين، بين تيارين أحدهما وطني والآخر غير وطني، حينما سعت بنجاح معقول لخلق ما يسمى بالتيار الديني الذي يسمي نفسه (حزب الله) فهذا التيار الذي وجد تربة خصبة يستند في وجوده إلى عدة عوامل: 
  • انتشار الأفكار التقدمية والثورية في السجون انتشارا واسعاً وعبر نضال عقائدي ونظري متواصل، أوصل المعتقلين إلى درجات متقدمة من الوعي والثقافة، والفهم السياسي المتزايد عمقا لقضاياهم الاجتماعية والسياسية والوطنية وهذا أثار رعب الاحتلال ونقمته مما دفعه لممارسة كل أشكال الخنق ضد الثقافة والتعليم دون جدوى. فالعلم في الكتاب وفي صدور الرجال، ولدى المعتقلين أساليبهم في الحصول عليه ونشره وتوزيعه في السجون عن طريق نسخ الكتب عدة نسخ وتوزيعها، كتابة المقالات والكراسات وتوزيعها، إصدار المجلات، وعبر المراسلات والحلقات التثقيفية. أي أن الثقافة حفرت طريقها عميقاً في السجون وخاصة الثقافة اليسارية.  
  • معظم المعتقلين من عائلات مسلمة متدينة، وبينهم العديد من المؤمنين الذين ظلوا يمارسون عبادتهم بين زملائهم الآخرين بقدر ما تسمح سلطات السجون من الحرية. وقد ناضل المعتقلون سوية بغية فرض صلاة الجمعة، حيث وقف اليساريون وغيرهم وقفة صلبة في وجه الإدارة ولا تزال الإدارة تسمح أحيانا وتمنع أحياناً أخرى. 
  • الخلفية الدينية للمجتمع الفلسطيني تشكل تربة خصبة للعمل فيها، وخاصة أن بعض التيارات الدينية قد أخذت تنتشر في بلادنا منذ بداية السبعينيات. 
  • وجود عملاء ومتعاونين مع إدارة السجون بين المعتقلين وهم طوع إرادة الإدارة ويمكن استخدامهم وزجّهم في التجمعات الدينية بسهولة. 
  • وجود عدد من المعتقلين الذين تسلل اليأس إلى نفوسهم، وعدد من الضجرين والذين لا يرغبون في استمرار الانخراط في الآلية الداخلية للحياة الاعتقالية وفقاً لأنظمة وتقاليد السجن التي سنّها المعتقلون. 

    في هذا المناخ، عمدت الإدارة إلى إثارة النزعة الدينية بشكل استفزازي من خلال أعوانها بغية خلق تقاطب ديني-لا ديني ما دامت التربة خصبة لذلك. وقد انبرى عدد من السجناء المتعاونين مع الاحتلال لتمثيل دور رجال الدين الورعين الحريصين على الدين والمعادين للأفكار اليسارية وخلقوا بعض الافتعالات والمشاحنات لدفع المؤمنين لمناصرتهم. وشيئاً فشيئاً أخذ التيار الديني يبرز على خلفية دينية ظاهرياً، ودوافع أخرى في الحقيقة كخطوة أولى، إلى أن انساق فيه المتدينون فعلا وأنصاف المتدينين والمنافقون والكارهون للحياة المنظمة المنضبطة والمشبوهون والضجرون، والساقطون أخلاقيا فامتزج الحابل بالنابل. ويسّرت الإدارة لهم شيئاً فشيئاً، وكلما اقتضت المصلحة، التجمهر والتجمع في غرف معينة ومع الأيام انطلت الحيلة على العديد من المؤمنين الذين وجدوا في هذا التجمع روح الجماعة المؤمنة (والذين هداهم الله بعد غيّهم). وأخذت الإدارة تستثمر هذا التجمع لشق وحدة السجون وإثارة النزاعات بين المعتقلين، وخاصة بعد أن برز أعوان السلطة كرجال دين (تقاة) يتزعمون في التيارات الدينية أو يؤثرون في زعامتها. إن لعبة هذا التيار لم تنطل على كل المؤمنين، فالعديد منهم ظل خارج هذا التيار وخاصة بعد أن كشف عن وجهه اللا وطني، وأخذ يمايز بين إدارة السجون والمعتقلين ويفضل إدارة السجون (الكتابية) على الوطنيين (الملاحدة). وبالتالي فإنهم على استعداد للتعاون مع إدارة السجن (المؤمنة) ضد الوطنيين (الكفرة). وبالفعل حصلت بعض الاعتداءات من قبلهم على المعتقلين في سجن الرملة وبئر السبع ونابلس، علاوة على كسر الإضرابات وعدم المشاركة بها. إن النظام الاعتقالي وتقاليد السجون تتيح للمعتقلين بين بعضهم البعض ممارسة أي معتقد ديني بحرية، ولم تكن هناك أية مضايقات لفرز هذا التيار الذي أصبح ملجأ لمطاردين من قبل المعتقلين على قضايا أمنية أو أخلاقية. وخاصة أن موقف التيار الديني من هؤلاء هو القبول الفوري ومباركتهم ويدعون الله لهم بالغفران (والله وحده هو مفتش القلوب)، وهو الذي يعاقب ويعفو. وهم يقبلون الهارب إليهم حتى لو كانت عمالته ظاهرة على رؤوس الأشهاد ويحمونه ويدافعون عنه ويعاقبونه بأن (يصلي). 

    لقد خلق التيار الديني أزمة مؤثرة في السجون إلى أن تم تشذيبه وقصقصة أجنحته دون المساس بالحرية الدينية وحق العبادة والاعتقاد الديني للأفراد المؤمنين. 

    في السجون، وفي بداية اعتقالات الحركة الوطنية حيث لم يكن وضع السجون قد تطور وانتظم بعد، وحينما يجد السجين نفسه قد انتقل من عالم خارج السجن إلى عالم السجن بما فيه من أزمات وعذابات، وحينما كان السجين يجهل مستقبله وما حوله إلا حقيقة واحدة كونه يعيش بين جدران مقفلة عليه، يبدأ بالعودة إلى نفسه وأفكاره وأحلامه وتعاوناته وخيالاته، ويتحسس أزمته التي لا حول له فيها، تنتابه مشاعر عديدة ومن بينها مشاعر دينية هروبية، ومشاعر انتقامية من الاحتلال ومن المجتمع ايضاً، وتبدأ سلوكيات السجين تتحدد وفقاً للواقع الجديد، ولأن خلفية معظم المعتقلين دينية مهما كان انتماؤهم السياسي. ولم يكن الفكر الثوري قد نضج وتخمر في السجون بعد. في ظروف كهذه صارت الصلاة والتعبد ملجأ لعدد غير قليل من المعتقلين، وعدد آخر كفر بكل شيء، بالدين والصلاة والنظام، وآخرون فقدوا الأمل بأي شيء. فتجد هذا ينصرف إلى الصلاة اليوم ويتركها غدا، وذاك يظهر بمنتهى الكفر والإلحاد وفجأة يتوضأ ويصلي، وهذا يقضي وعظم وقته نائماً إن سمحت بذلك سلطات الاحتلال؛ وذاك يظهر المزيد من الاهتمام بطعامه، وغيرهم يبدأ نهاره بالألعاب من الصباح وحتى المساء وهذه النماذج تغير من مواقعها باستمرار لا تستقر على شيء.  ومن بينهم أخذ يظهر فريق يعي وجوده ويتصرف على أنه استمرار للوجود الوطني داخل السجون وأخذوا ينشرون آراءهم وأفكارهم بشتى السبل لتعزيز الانتظام والتطور، وتصليب الانتماء الوطني وتعميق الارتباط الثوري فكريا وعمليا.  

    كان هذا الفريق يشق طريقا بمنتهى الصعوبة، يشق طريقه وسط أزمة عارمة يعيها ويفهمها وقد خبرها من تجارب الاعتقال في عهد الأردن، فمن بينهم من كان معتقلا في السجون الأردنية والسورية وغيرها إبان نضالاتهم الوطنية. وقد انفرد طلائعيو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بهذا الدور بحكم تجربتهم الحزبية ووعيهم السياسي وانتمائهم الوطني الأكثر خبرة وتجربة والأعمق وعيا وارتباطا وناضلوا بكل قواهم لترتيب أوضاع المعتقلين المنتمين لإطار جهتهم. وهكذا بدأ الانتظام يشق طريقه في السجون رويداً رويدا وبصعوبة كأنهم فاتحون لعالم غريب. 

    ولأن نشاطا كهذا قد أعطى ثمارا متميزة على من قبل الانضواء تحت لوائه في المجالات الحياتية اليومية، والثقافية والتريبة فقد شكل نموذجا حيا لبقية المعتقلين والأطر الوطنية الأخر عبر السنوات الثلاث والأربع الأولى من حياة الاعتقال فحذوا حذوه. وقد استكملت البنى التنظيمية بالكامل وخضع لها جميع المعتقلين في بدايات عام 75 حيث صدرت القرارات الهامة التي تعتبر كل سجين في السجون اعتقل باسم منظمة فلسطينية معينة هو خاضع لها ولقراراتها بشكل من الأشكال حتى خروجه من السجن، أما من يُختلف على انتمائهم فتحُل قضاياهم بطريقة ما أو بواسطة لجان تشكَّل لهذا الغرض. ومنذ ذلك الحين والأوضاع في السجون مستمرة في انتظامها ورقيّها وتطورها سوى بروز التيار الديني المذكور سابقا والذي أجبر أفراد في مختلف السجون، باستثناء سجن الرملة، على الخضوع بطريقة أو بأخرى للأطر التنظيمية التي اعتقلوا وهم معها. 

    في بداية هذه الأزمة لوحظت ظاهرة تستحق الانتباه، فبالرغم من حداثة التجربة الاعتقالية إلا أن قيماً وأخلاقيات معينة أخذت في الظهور والاستقرار بما يتناسب مع تطور الوضع الاعتقالي، والمعتقلون عموما في السجن الواحد يتصرفون كوحدة اجتماعية، كجماعة واحدة ذات قيم وأخلاق وأعراف ونظم بسيطة هي التي تطورت مع الزمن وازدادت رقيّاً. 

    خلال رحلة كهذه كان كل من يخرج عن هذه القيم يتعرض لعقاب ما، بطريقة أو بأخرى أقلّها فقدان الاحترام بين الآخرين أو طرده ليصبح وحيداً معزولا في مكان نومه أو حتى ضربه جسدياً إذا كان جنوحه يستأهل ذلك. 

      ولأن الوعي السياسي والوعي العام لظروف الاعتقال لم تكن قد ترقّت بعد، فإن بعض هؤلاء المنحرفين يلجؤون للصلاة مع الشيوخ والمؤمنين كنوع من الهروب من وضعهم إلى أن يفرج عنهم داخل الغرفة فيعودون لحياتهم العادية كالآخرين. 

    أما الملفت في المسالة فإن الذين تحوم حولهم شبهات التعاون مع سلطات السجون كانوا هم أيضاً ينصرفون إلى الصلاة ليحتموا بالأخلاق الدينية النموذجية مادام ظاهرهم يصلي رغم أن في قلوبهم مرض. ولأن المعتقلين درجوا على احترام الصلاة والمصلين، فقد أصبحت الصلاة ملجأ لمن ينكشف بقضايا أخلاقية وأمنية وكانت بالفعل توفر لهم الحماية في البداية إلى أن أدرك الجميع، المصلون وغير المصلّين هذه الحقائق.  

    ومن ناحية أخرى، وفي ظل هذا الوضع، فإن عدداً من المشبوهين وبعد أن درجوا في الصلاة والعبادة لفترة زمنية معقولة أخذوا يشنون حملة شعواء من خلال صلاة الجمعة على المنظمات السياسية (الكافرة والملحدة التي تجب محاربتها قبل اليهود) ساعين بذلك ليس إلى الدعوة الدينية، لأنه في ظروف السجن لا تجدي الدعوة بأسلوب كهذا، بل إلى خلق أزمات والاستقطاب بطابع غير سياسي، وتغيب الانتماء الوطني وأول من تزعّم هذا النهج هو الشيخ أحمد من نابلس حينما كان في سجن بئر السبع بوصفه السجن الوحيد في ذلك الوقت الذي يوفر مناخا كهذا. وبوصفه السجن الذي تطورت فيه العلاقات الداخلية تطورا ملموسا أخذ يشكل عقبة كأداء في طريق مخططات إدارة السجون، وقد تمكن المعتقلون من كل القوى مجتمعين، من يصلّي ومن لا يصلّي، من كشف لعبة كهذه وإفشالها إلى أن عادت للظهور والتبلور من جديد. وظهر التيار الديني بطريقة أو بأخرى، وظل ملجأ لهاربين من أنفسهم وللهاربين من المعتقلين بسبب ما ارتكبوه من أفعال مشينة. والمصيبة الكبرى تكون حينما يتمكن هؤلاء المتساقطين من السيطرة على التيار الديني وإثارة نعرات العداء عند أفراده ضد الوطنية والوطنيين (هؤلاء شيوعيون ملاحدة عملاء لإسرائيل وأمريكا فيجب محاربتهم أولا وقبل غيرهم، وأن اليهود كتابيون وهم أقرب لنا من هؤلاء الكفرة). هذه الفكرة الرئيسية التي يجري التحريض عليها في الغالب بغية إبعاد الناس عن الانتماء الوطني والحركة الوطنية وصرف اهتمام الفرد لذاتيته فقط بما يعكسه ذلك سلباً على نضالات السجناء وإضراباتهم ونفسياتهم. 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.